الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "الفكر"

شمس الخريف ،

Share

ترك السرير وقد أطرد آخر هجمات النوم عليه ، ونظر نظرته المعتادة الى الساعة العاشرة إلا الربع صباحا وهو وقت اصبح منطقيا لديه يقصر له طول النهار ، واتجه نحو النافذة يفتحها فلفحته شمس دافئة لم يتعود مثلها فى                                                                                                                                                                                                                                                                                                                            الخريف مما شجعه على أن يتوقف قليلا ليسرح بصره فى الشارع المقابل وعلى سطوح المنازل المتراصفة . لاحظ " العم صالح " الجزار يعلق سقطا جديدا على واجهة باب دكانه ، أما " حميدة الخضار " فقد أخرج هذه المرة بعض صناديق البرتقال والتمر الى الرصيف وقل الازدحام أمام عطار الحى إذ هو موعد بيع علب الحليب ورفع ببصره الى السطوح فلاحظ المرأة البدينة تنشر بعض الغسيل وكره أن يحرس حركاتها التى تكشف عن سيقانها من الخلف عندما تهوى وأن لا يهتم بنظراتها الثاقبة اليه وهى تتجاهل وجوده خلف النافذة .

وعاد الى ركن الغرفة حيث الحنفية والمرآة ليغسل وجهه . وتوقف لحظة يتأمل ملامح وجهه فى المرآة كان الهدوء الذى يغمر الغرفة يغرقه شيئا فشيئا فى تأمل وجهه ، هذا الوجه الذى كره أن يراه ، يكتشفه مرات . لاحظ تسرب التجاعيد اليه بعدما زحف الشيب هنا وهناك على لحيته ورأسه وتذكر مرور الوقت على حياته بهذه الصورة الهادئة ، بهذه الرتابة المتواصلة فقد التجأ إلى هذا النزل منذ ثلاث سنوات بعد أن تحصل على المعاش الاجبارى الذى يخول له المحافظة على ثلاثة أرباع المرتب واختار هذه الغرفة العالية فى الدور الثالث الاخير ليبعد عن حركة المقيمين والضجيج الفوقى . وكان هذا النزل مقره الاخير بعد أن فشل فى الحياة كما كان يعتقد فشل أولا فى الزواج من " مديحة " . . تلك التى كشفها هو - وصنعها هو . . وعلمها أن تخوض غمار الحياة ولكن مديحة زهقت يوما فى وجهه : " أنت رجل بارد ! أنت رجل ميت ! دعنى أعش ! دعنى أعش . .

وصبر على كلامها الأيام والشهور وكان يضطر أن يجيبها بعد أن تسب الدنيا والقدر الذى جمعها به : " أنت لا تفهميننى . . أنا رجل بارد لأنى جربت الحرارة . . جربت الثرثرة كثيرا . ووجدت تعزيتى فى السكوت . أنظرى يا مديحة ! ماذا ينقصك ؟ لقد وفرت لك كل الضروريات وأنا دائما بجانبك ماذا ينقصك ؟ " . . وكانت ترد عليه : " أن تتحرك أن تثرثر أنا فى بدء الحياة وأنت فى نهايتها يا غرابة خذنى الى السنيما ! الى الحفلات ! إلى بلاد الدنيا ! أنت رجل ميت " وكان يلتجئ الى الصمت كعادته فى كل انفجار مثيل ولكن لم يكن يتصور أن يعود ذات يوم ويجد أثاث البيت مبعثرا وقد أخذت مديحة أدباشها وكتبت له كلمة قالت فيها : " أذهب على حالى ، وأتركك لحياتك الغريبة انا امرأة متعبة سأعلمك بموعد الطلاق وفعلا أعلمته بذلك بعد شهور واستدعى الى المحكمة وانتصب هو وزوجته أمام هيئة المحكمة ولم يقل شيئا ولم يعين محاميا ينوبه فى الكلام بل ظل صامتا ، وكل ما يذكره خاصة هو بكاء مديحة . لقد بكت مديحة طويلا أمام المحكمة ولم يتمالك وهو يغادر المحكمة بعد أن أعلن الطلاق والنفقة لمديحة ، لم يتمالك أن قال لها وهى تسرع الخطى مبتعدة عنه : " لماذا بكيت ؟ ماذا فعلت لك ؟

شكرى رجل صامت . يتأمل فى الدنيا من بعيد .

قرر هذا الصباح كعادته أن يتوجه الى مقهى محطة القطار الجديدة ليأخذ مكانا له فى الشمس الدافئة ، شمس هذا الخريف السخن وأن يحتسى قهوته وهو يتصفح جريدته وهكذا تسلل من النزل فى اتجاه المقهى وقد اشترى جريدته من أول بائع جرائد على الرصيف بهرته شمس هذا اليوم لم تكن عادية كانت دفقا شلال حرارة وعندما وصل المقهى اختار مكانا منعزلا كالعادة وطلب قهوة محللة وشرع يتصفح الجريدة أخبار الحروب المنتشرة هنا وهناك فى العالم منها المنطقية ومنها الاعتباطية وهى الكثيرة ووجه انتباهه الى الاخبار الهامشية إنها الهامة فى نظره هذا رجل هوايته النوم على السطوح وهذه امرأة ضربت رقما قياسيا فى تدخين الافيون وهذا وهذا وهناك أيضا اعلانات زواج تعود أن يلقى نظرة عليها بين الحين والآخر حبا للاطلاع فحسب وقرأ بعضها : " شاب يرغب فى الزواج من فتاة جميلة ، يود أن تكون ذات مهنة حرة رجل فى سن الأربعين يبحث عن امرأة أرملة أو مطلقة له أطفال وقرأ أيضا : " امرأة فى سن الاربعين ، جميلة ، تحب الهدوء وتضمن السعادة وطوى الجريدة

جانبا واحتسى جرعة قهوة ثم دفع بيده الى جيبه يبحث عن علبة السجائر التى تعود أن يهملها رغبة فى نسيان التدخين اخرج سجارة وأشعلها بعد أن ضغط عليها مليا بأطراف أصابعه . وراح يدخن وينفث الدخان دوائر متصاعدة بين الحين والآخر وعاد للجريدة ليمسكها من جديد ويفتحها على إعلانات الزواج بالذات . . وأعاد قراءة الاعلان الاخير . . وقال ما بينه وبين نفسه : " هذه امرأة تبحث عن الهدوء سنها يدل على الرشد والتعقل لماذا لا أتصل بها ؟ لا أجرب معها ؟ ولكن كيف ذلك ؟ " ونظر فى الجريدة لعله يجد عنوانها وقرأ رقم هاتفها ورغب فى أن يتصل بها فورا وقام فجأة وهو ينادى الجرسون ويدفع له ثمن القهوة ويتجه نحو أول هاتف عمامى وارتجفت يداه قبل أن يدير الأرقام . ولكنه اطمأن بعض الاطمئنان حين سمع جرس الهاتف يرن وانتظر أن ترفع السماعة . . وفعلا رفعت وسمع صوت امرأة يقول

- آلو . . من بالخط وصمت قليلا ولكنه استفاق بعد لحظة وقال

- آلو . . صباح الخير يا سيدة . . أنا . . أنا قرأت الاعلان . . أعجبنى إعلانك

وردت عليه :

- حسنا أنت الاول إذن الذى يجيب انا فعلا امرأة أرملة بلا أطفال . . مات زوجى فى حادث سيارة منذ سنوات أرغب فى الزواج وما هى وضعيتك أنت ؟

قال بعد تردد :

- أنا أنا مثلك نفس الوضعية تحصلت على التقاعد الاجبارى . أريد أن أهجر عزلتى لى كل الامكانات لا بد أن نلتقى على الاقل

قالت له :

- أرجو ذلك وأود أن تكون جديا متى تريد ؟

قال : - هذا الصباح لماذا لا يكون لقاؤنا بعد دقائق أنا أنتظرك هنا . سأدفع عنك ثمن التاكسى سأنتظرك فى بهو مقهى باريس ..

قالت - حسنا لا مجال للتاكسى ولكن كيف أعرفك ؟

قال : - ألبس بدلة بنية . أمسك جريدة سأضع ساقا على ساق .

قالت : - أرجو أن أوفق لمعرفتك أما أنا فى معطف أزرق أضع نظارة شمس على عينى الى اللقاء إذن " ووضعت السماعة . . ترك غرفة الهاتف وخرج الى الطريق . لفحته شمس الخريف من جديد وأحس بالدفء يغمر جسده وقرر أن يتوجه توا نحو مقهى باريس . . كان يشق طريقه وسط الزحام وهو يتخيل لقاءه مع هذه المرأة وتمنى أن يكون لقاؤه بها حارا فى البداية ثم فكر فى أن يغرقها بعدها فى موجة هدوئه العادية ، موجة الصمت والوقوف على حافة الزمن المنساب وحاول أن يتصور ملامحها المتوقعة . ولما وصل مقهى باريس اندس فى مقعد بركن البهو ومسك جريدته كالعادة ساقا على ساق وراح ينتظر ومرت الدقائق . . واغتابه بعض القلق فنزع الجريدة جانبا وراح يحدق فى الشارع المقابل عند مدخل المقهى ورأى المعطف الأزرق ورأى المرأة تبحث عنه وعلى عينيها نظارتها الشمسية . وخيل اليه فجأة انه يعرف هذه القامة وهذا الشعر المشدود الى الخلف . ولما اقتربت منه المرأة وكادت أن تتجاوزه قال لها :

- أنا هو . أنا يا والتفتت اليه ونزعت نظارتها . . يا للقدر انها مديحة . زوجته السابقة لقد تغيرت هيئتها بعض التغير . قالت هى بدورها وهى واقفة :

- أنت ؟ أنت هو ! ما الذى دفعنى إليك كيف تكون أنت ؟ واستدارت منصرفة

أحس ببرودة عارمة تهجم على جسمه وسقطت الجريدة من يديه قال : كيف تكون هى ؟ لماذا تقدم نفسها بالأرملة ؟ ألم تكن تبغض الهدوء ؟ ؟

وغرق فى صمته .

ومرت الدقائق وهو ينظر الى فوهة الشارع المقابل حيث اختفت مديحة وأحس بأنه يحتاج الى الحركة . . الى المشى الى الدفء . . وفكر فى أن يعود الى مقهى محطة القطار ليجلس للشمس ويمضغ سجائره وقام بتثاقل ومشى على طول الطريق . . وبدأت شمس الخريف الدافئة تتسرب اليه وتملأ دنياه

اشترك في نشرتنا البريدية