الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7 الرجوع إلى "الفكر"

{ شهادة على جيل }

Share

قال صاحبي ( 1) : قرأت لك فى موضوع القصة - اجنبية وعربية - الشئ الكثير وقد لاحظت أنك - وان آمنت بمستقبلها فى بلدنا وبلاد العرب بصورة عامة - تقيم من الحدود والحواجز في طريق نهضتها وتركيزها ما . يجعلني فى حيرة وتعلم انى أجيد كتابة القصة وان مثلى كثير

قلت : ربما اختلفنا فى مفهوم القصة ، فى مضمونها الحى الذى يميزها عن غيرها من الالوان الادبية الرائجة . القصة فى نظرى بنوعيها القصير والطويل هي أكثر الالوان الادبية فى العالم المعاصر . . فهل تساءلت أولا عن سبب هذا الرواج ؟

قال : مأتى ذلك فى نظرى العصر نفسه . فلم يبق أمام الكتاب متسع من الوقت يخولهم الانكباب على أثر ادبى مسهب أو بحث اجتماعى او سياسى أو فلسفى مدقق واسع اذ عصرنا يمتاز بضيق الوقت

قلت : حقيقة ما تقول لكن ضيق الوقت وحده لا يفسر رواج القصة فى عصرنا ومأتي هذا الرواج في نظرى القصة نفسها ذلك انها رحبة الافاق تتسع لكل خاطرة وفكرة وانفعال ولا تضيق دون المفاتن الجمالية فى الاسلوب وهي الى جانب هذا ترضى كل ذوق فمن القراء من يسترعى اهتمامه عقد الموضوع وطريقة نسجه وبسطه ومنهم من يتوقف عند طلاوة السرد او طلاقة الحوار ومنهم من يهتم بدقة التحليل النفسانى او الوصف الطبيعي أو تتطور الفكرة التى انبنت عليها القصة . والقصة تشكل حقا بناء فنيا قائما بذاته مما يجعلها تختلف عن الحكاية بقدر ما تختلف عن الرواية المسرحية او الاسطورة او النقل المكتوب والمسموع او الخاطرة وحتى عن الرواية القصصية التى كثيرا ما يعتبرها الناس قصة مطولة وهذا كما تعلم غلط وخلط في الانواع شائع جدا . فالقصة اذن نوع من الادب قائم بذاته له أصوله الفنية الخاصة به وهي في أصولها الفنية هذه تعبير حى عن مظهر حياتي او صورة واقعية او خيالية فى زمن معين وفى ذروة الانفعال .

قال صاحبى : الخلط فى الانواع شائع كما تقول . فالقصة حديثة العهد

فى الادب العربى ولكن كثيرا من نقاد الادب فى بلادنا يجدون اصلا للقصة فى الادب العربى القديم . فما رأيك فى هذا الزعم ؟

قلت : ربما اتصلت القصة من بعيد بالتراث القديم . فسورة يوسف وما اليها من قصص الانبياء وحكايات الف ليلة وليلة والمقامات الهمذانية والحريرية كلها فى نظرى توطئات لهذا الفن الذى ظهر فى النصف الاول من القرن التاسع عشر على يد غوغول الروسى وادغاربو الامريكى . ولم يعرف الادب العربي محاولات قصصية قبل سليم البستانى وجبران خليل جبران ومصطفى لطفى المنفلوطي . أما ان نجد أصلا للقصة فى المقامة مثلا فهذا أمر لا يعقل . أنت يا صديقى من كتاب القصة فى مفهومها الذى حددناه أما الهمذاني أو الحريرى فقد عالجا المقامة والمقامة دون القصة .

قال صاحبي : يدعى البعض ان الاقصوصة من حيث مداها وانحصارها بواقعة معينة انما هى مقامة مستحدثة الاسلوب

قلت : لكن شتان بين أسلوب المقامة المقيد وسجعها الرتيب واغرابها فى اللغة وموضوعها المبتذل وبين الاقصوصة التى يفترض فيها الانشاء السلس والحوار الخفيف البديهى العفوى والعقدة المركزة الجديرة بالاهتمام لانها تبسط أمامك مشكلا انسانيا او تضع نقطة استفهام ثم تحاول أن تجيب عن سؤال ربما القيته أنت على نفسك مرارا وكثيرا ما تنتهي القصة على نقطة الاستفهام نفسها فيبقي المشكل قائما كاملا . . وكم من مشاكل لا تجد الانسانية لها حلا . . فالقصة اذن تخالف السرد السطحى لانها تقتصر على تمجيد اللحظة العابرة في ذروة حدث ما وعلى تصوير الاشخاص فى الاوضاع الزمنية والمكانية التى يفاجؤون فيها دون أى تدخل مباشر من القاص . ومن تلك الاوضاع نفسها ينطلق القاص نحو القبل ونحو البعد فى عفوية لا رتابة فيها وفي حدود الموضوع ومدار الجو الذي يدور فيه الحدث فى ذروته وفي قمة فعله وحركته . فيقدر ما تقترب القصة من هذا المقياس تستكمل عناصر النجاح الى أن تصبح ذلك الاثر الادبي الحى الذى خلده للبشرية أمثال همينغواى وغوغول وادغابور وتشيكوف وغى دى موباسان ومارون عبود وحتى جبران والمنفلوطى فى بعض اثارهما .

قال صاحبى : كل هذا متماسك وممتع لكن ما هى الرواية الحديثة فى نظرك ؟ وما هذه النزعة الجديدة التى طلع بها على العالم القصصى رواد القصة الحديثة فى اروبا وقد نعتها فى بعض بحوثك بنفى القصة أو باللاقصة ؟

قلت : هى شهادة على جيل . تعلم يا أخى ان أمريكا قد عرفت فى مستهل هذا القرن موجة جديدة فى الرواية نعتها النقاد بفترة " الشباب الغاضب " وفرنسا تعيش الآن فى معترك موجة ينعتها النقاد بفترة " اللاقصة "

هناك تيارات أدبية تدعى انها فى طليعة الادب الحى فالفراد كان مثلا قائد من قواد هذه التيارات ومن جهة أخرى فروب قريبياى يدعى هو أيضا أنه قائد الركب المجدد وأن له أبناء روحيين أمثال ميشال بيطور وناتالى سروت وكل هؤلاء يرفضون كل تقليد ويتنكرون لكل قيمة ادبية سابقة انهم يريدون خلقا من لا شىء . فاذا بهم ينسفون المفهوم الروائى الكلاسيكى ويستبدلونه بمفهوم جديد .

فقال صاحبى : فهل يعنى هذا أن المدرسة البلزاكية عادت لا تعنى شيئا فى نظرهم قلت : وحتى مدرسة بروست . . . رغم أنهم أخذوا عنها الشئ الكثير فهى فى عرفهم قديمة .

قال صاحبى : وهل نسوا انها كانت جديدة فى عصرها ؟ قلت لكل حبل حركات وقواد توجه تلك الحركات . وهؤلاء يهملون العنصر الازلى الذى يفسر دائما نجاح الاثار الخالدة فكل حديث لابد أن يصير قديما بدوره فسنة التطور تقتضى هذا . . . أما ما يجدر الاهتمام به والانكباب عليه فالادب الجيد حديثا كان أم قديما . وأما غير ذلك من الاعتبارات فمذهبية صرف ولكل مذهب أنصار معتدلون ومغالون . فلننظر ردحا من الزمن . . وعندها يصبح انتاج النزعة الادبية الجديدة قديما يدور فيمكننا أن نحكم له أو عليه اذ القيمة لا تسند الا لما يبقى بعد أن يجتاز محنة الزمان وكل ما يمكن أن نتنشأ به الآن دون أن نتعرض الى الغلط الفادح والخلط الخطير هو أن بعض الانتاج الجديد جيد حقا ويستحق بذلك كل الاهتمام لانه شهادة على جيل . فالرواية الحديثة صورة العصر بل صورة المجتمع ككل لا كافراد وهي تعكس انفعالات الجيل وامانيه ومشكلات في اطار حمى لا نزاع حوله . فالجيل المضطرب يفترض اثارا يغلب عليها الاضطراب في شكلها ومحتواها فى اسلوبها ومضمونها فى زيها اللفظي ومعناها الخفي أما أن يدعى رواد هذه النزعة انهم انطلقوا من لا شى فهذا غلو صريح فقد تأثروا بكامو وبكافكا وبغيرهما وان ساروا بعد ذلك في اتجاه مكمل حينا ومعاكس أحيانا . . وبما أن عصرنا عصر الغلو والشطط فلتكن هذه الاثار شهادة للغد على يومنا

ومرة اخرى يجمعني الحديث بصاحبي حول موضوع القصة او الرواية لمعناها الشامل واحتد النقاش وكدنا أن نفترق على غير اتفاق . هو يؤمر بأن النزعة الجديدة في القصة الاوروبية لابد أن تظهر على كل النزعات ، لشئ الا لانها جوهرية ولانها ثورية ولانها خاصة - وليدة عصرنا الصاخب قال صاحبي : " لست أذكر الان اسم الشاعر الفرنسى المعاصر الذي قال : ان لا نعيش فى الحاضر يعنى اننا لا نعيش أبدا فالفنان أو الاديب

وليد بيئته وعصره يتأثر بهما ويؤثر فيهما " والنزعة الجديدة فى القصة او فى الرواية ان أردت الشمول تخضع لمقتضيات العصر فهى اذن مطبوعة بطابع ذرى ثائر نلمح آثاره لا فى الرواية فحسب بل وفى الرسم والمسرحي والرقص والموسيقى والاغنية الحديثة . فالرسم نظرى لا ملموس والمسرح لا يخضع مع ايونسكو الى القيود الكلاسيكية والرقص مايسون وتويست أم الفالى والتنغو وما شابههما فلا يجدان من مناصر غير الشيوخ او المقعدين والموسيقى ما رأيك في الموسيقى الحديثة يا اخى اتعتبرها أيضا جعجعا صاخبة خالية من الايقاع والتشويق ؟

قلت حاشا أن أفعل . . . فمن الموسيقى الحديثة ما يطرب ، فالكاليبسو والنغرو سبيريتالس وحتى بعض التويست والماديسون لا تخلو من ايقاع ربما وصل الى الاعماق لكنك يا أخي تعمم وتعميمك هذا يضلك ويعميك . ذكرت الساعة قولا ماثورا للشاعر الفرنسي المعاصر " بول جيرالدى " ولكنك وقفت عند منتصف الآية واهملت النصف الثاني . فشاعر هذا يستنكف من التعميم ولذلك يقول فى نفس الوقت " الا أن من يقصر عيشه على الحاضر يعيش اعمى وأصم لان فى الانسان عنصرا زمنيا وعنصرا ازليا فى وقت واحد " .

ولقد أهملت العنصر الازلى الذى اعتبره أنا لا تتمة عفوية او حشوا لفظيا بل أساسا لا يستقيم المعنى الا به . فكل حديث لا بد أن يصير قديما بدوره فهذه سنة فى الكون لا يمكنك أن تنكرها اذ هى سنة التطور والصيرورة فى معناها الوجودى Le devenir existentiel

فقاطعني صاحب : احذر من الانزلاق يا اخى . . فهذا موضوع آخر لا دخل له فيما نحن فيه .

قلت : وما يمنعنا من التعريج عليه ما دمنا فى صلب المشكلة مشكلة القديم والحديث فى الادب والفن بصورة عامة . المهم فى الواقع يا اخى هو اتحاد المقاييس التى تساعدنا على التمييز بين هذا وذاك ثم هل تقدر هذه المقاييس أن تصمد فى وجه التطور السريع . المهم فى نظرى بما أن الحديث صائر الى قديم بدوره هو ذلك الذى يبقى بعد أن يجتاز محنة الزمان فتاريخ صدور كتاب ما لا يكفي أن يجعل من الاثر الادبى الذى يحتوى عل ذلك الكتاب أثرا جديدا رغم تتابع الايام . فالجديد عندى ما طرق قضية انسانية خطيرة تهم انسان اليوم وانسان غد وكل يوم . قال : ومن نازعك هذا الرأى ؟

قلت : أنت ، بتعميمك وشدة اعتقادك في نجاح كل اثار النزعة الجديدة فى الرواية . فلرب قصيدة لابى نواس " الوجودى " طبعتها الحداثة بطابع قلما نلاحظه فى كثير من الدواون المعروضة اليوم فى المكتبات . ويصح

هذا القول فى أبى فراس الحمدانى من قصيدة : " أقول وقد ناحت بقرب حمامة . . " وقد تجاب أن فرلان الفرنسى لم يسبقه الى تحليل نفسية السجين ولا الى حنينه الى الحرية . وقصائد النابغة الذبياني الا ترى فيها من الحداثة ما يجعلها تتجاوز في مادتها الانسانية عصرها الى كل عصر فمشكلة القديم والحديث التى شغلت النقاد والكتاب فى كل عصر ربما تجد حلا فى مقاييس التمييز التى ذكرت فالمهم فى الادب الذى يمكن أن ننعته بالحديث هو المضمون الحى للاثر لا طريقة التعبير التى تختلف من عصر الى عصر . فاناقة التعبير - مثلا - لا تنقذ المادة التافهة

فقال صاحبي حانقا : " ومن ادعى أن المادة التافهة تنقذ ولو بسلاسل من ذهب ؟ نحن بصدد الحديث عن المضمون الحى للاثر الادبى لا عن طرق التعبير وعن القشور والزبد . كل هذا يذهب جفاء كما تعلم . أما الادب الحي حديثا كان أم قديما فهو باق ولا ريب لانه يستقطب الانسان فى شتى همومه وتجاربه ويستقصى أحواله وآماله ولا فرق ان كان شعرا او نثرا او حوارا فقصيدة " الارض الخراب " لاليوت لا تقل شأنا عن رواية " الشمر تشرق ايضا " لهمينغواى . فكلا الاثرين يدور حول فكرة العالم التائه الذي فقد كل قيمة يمكن أن يتشبت بها الانسان . وانا اعتقد ان فكرة اللاشئ والعدم واللامعنى التى بنيت على أساسها القصيدة والرواية هى نفس الفكرة التى تطغى على الادب الحديث فى اوروبا وعلى الانتاج الفنى بصورة عامة فالمحدثون يشعرون بحاجة ماسة الى قلب أوضاع لا ترضيهم ولا ترتاح اليها ضمائرهم . فهم ينظرون نظرة جديدة الى المحيط والبيئة والأشياء نظرة يمليها عليهم الواقع الذى يحيونه كما نظر اليوت وهمينغواى الى واقع عصرهما على اثر الحرب العالمية الاولى وحاولا أن يخلقا اثرا أدبيا حديثا ذا مضمون حي يعكس قضية انسانية خطيرة تهم انسان اليوم - يومهما - وانسان الغد وكل يوم - يومنا اذن - وهذا ما يجعلنى اقارن بين انتاج فترة ما بعد الحرب العالمية الاولى والانتاج الادبى المعاصر الذى هو فى نظرى خير ممثل لفترة غلبت عليها أعاصير الاهواء والنزعات المذهبية والتيارات السياسية والتسابق فى صنع الاسلحة الذرية وفى التجارب النووية .

قلت : وهلا دفعنا كل هذا الى تهدئة الاعصاب والى التمعن الرصين ؟ فقال صاحبى : " الاعاصير تؤجج النيران . ولن تهدأ الاعصاب الا باخماد النار . "

اشترك في نشرتنا البريدية