فهذه المادة تمثل من خلال كل ما نقرأ فى حديث الفعل شهادة مشهودة معيشة وملموسة لكل ما يتعلق بكفاح الشعب التونسى ونضال زعيمه الحبيب بورقيبة الذى يمثل بلا منازع احد كبار عمالقة التاريخ فى كل العصور .
ولقد عرفت انا كاتب هذه الاسطر ، ضراوة المعركة الملحمية تلك .. لاننى عشتها فى نفس مساحتها الزمنية الكاسحة والخانقة والتى بلغ فيها التعسف الاستعمارى اوجه وغاية غلوائه .. ولاننى ساهمت بقسطى وبكل ايمان واخلاص فى زعزعة ذلك الكابوس منذ صباى الاول ..
يحدثنا الاستاذ محمد مزالى فى رائعته وبلهجة تتميز بالحماس العقلانى وبالحرارة الوجدانية الصادقة عن مدى حبه للغة العربية وللثقافة العربية الاسلامية .. ونفس هذه المشاعر هى التى دفعت به الى خوض المعركة الثقافية بتأسيس مجلة الفكر احدى اقدم واشهر المجلات الثقافية العربية .. وهي معركة لا تقل شرفا وبطولة عن المعركة السياسية فى تحرير الوطن وتحرير الفكر العربى التونسى فيه من محاولات الهيمنة والاحتواء الغربية وغير الغربية.
ويثير ((حديث الفعل)) فى الوهلة الاولى رؤى بعيدة .. وذكريات باقية .. حية .. قشيبة على الدوام .. فاستعيد فى ذاكرتى بكل وضوح ملامح ذلك الطالب الشغوف بالمطالعة .. المجتهد .. المنكب على الكرع من مناهل الكتب .. حتى بات صديق الكتب واليف مكتبة سوق العطارين . 050
لقد كان يأتى على الدوام .. وعلى الدوام كنت استشف لهب العبقرية متدفقا من نظراته ..
وعلى عتبة دار المعرفة تلك .. استقبلت على امتداد سبعة عشر عاما جموعا غفيرة من القراء والمطالعين .. من بينهم تتركب اليوم كامل النخبة الحالية فى بلادنا ..
وأذكر أننى رأيت من بين من مروا بدهاليز وأقبية المعرفة بتلك الدار رجال فكر آمنوا بالروح وبالعقل وتفرغوا للخوض فى هذا الغمار .. ورأيت غيرهم ممن كرسوا ايمانهم للمادة .. ولكنهم جميعا كانوا يتلاقون هناك ويتحلقون حول مكاتبهم .. بدون كراهية ولا حقد همهم الوحيد وغايتهم .. بلوغ افاق تزهر فيها القلوب .. وتستقبلهم فى جنباتها تراتيل الفكر .. حيث ينعمون فيها بنسيان كل ما يفرق .. ويغمرهم الانتشاء .. فى تلك الاجواء .. ومع أولئك تشيدت تجربة الفردية وانبثقت خبرة الشمولية .. التى ارتسمت عليها ملامح المستقبل واشعت ومضات الامل .

