شاءت الصدف أن تنشر (( مجلة العالمين الجديدة )) الفرنسية فى عددها الصادر فى شهر فيفرى 1975 مقالين ، عنوان الأول (( تأملات فى العمل السياسى )) بقلم جاك شيراك ، رئيس الحكومة الفرنسية الحالى ، وعنوان الثانى : (( أسطورة العلم ومصير الانسان )) للكاتب أندرى مالرو .
ذلك أن البحثين تناولا بالدرس قضيتين كنت تعرضت لهما فى سانحتين نشرتا منذ أشهر قليلة فى هذه المجلة ، تحت عنوانى : (( صلب الموضوع )) ، و (( الايمان بالاختيار معناه الشعور بالمسؤولية )) ، وحاولت فيهما تأكيد حرية الانسان ودوره الفعال فى صنع التاريخ وتبيان حدود العلم إذا أريد منه ضمان السعادة للناس وتزكية الأخلاق ، وذلك مساهمة فى تعبيد طريق المعرفة وتوضيح سبيل العمل أمام الأجيال الصاعدة ، كى لا تتعثر فى التحليل والتقدير ولا تخدع ببريق المذاهب الفلسفية فتبقى فى مأمن من مخاطر السلبية والتواكل .
ونحن عندما نستشهد بآراء شخصيتين مرموقتين من أوربا جمعتا ، كلتاهما ، بين العلم والعمل فذلك لندعم ما ذهبنا إليه بعد استقراء أحوال المجتمعات وتطور المذاهب الفكرية والتمعن فى المنزلة البشرية والوقوف عند أهم خصائصها وشروط إعلائها ، آملين أن يستمد من ذلك بعض المتشككين فى موضوعية وسداد ما ينشر فى ربوعنا وبلغتنا ، ما يحملهم على التفكير العميق فى هذه القضايا الحيوية ، فلا يرفعوا أكتافهم غير مبالين بما قد يعتبرونه إفراطا وتهويلا ، أو ازدراء بالعلوم فى غير محله ، أو تطاولا لا يغتفر على مقام بعض الايديولوجيات المقدسة ، أو اعتداء منكرا على حرمة بعض الأعلام فى علم النفس التحليلى أو الاقتصاد السياسى أو العلوم الاجتماعية .
فهذا ج. شيراك يؤكد أن (( احدث الأبحاث وتجارب الرجال العاملين تكشف لنا من جديد وبصورة أبلغ من أى وقت مضى ، الى أى حد يمسك البشر بناصية السياسة وبذلك يصنعون تاريخهم . فلم يكد يمضى قرن على
وفاة ماركس حتى أدركوا أن وجودهم التاريخى سلسلة تحديات غير واضحة المآل ، وليس تسلسلا من أحداث حتمها القضاء والقدر . إن الجواب على تحديات التاريخ من صنع البشر وحدهم ، فى كل لحظة وفى كل بلاد ، والحياة بالنسبة لأى شعب من الشعوب إنما هى إرادة الحياة وعزيمة قوية على خلق كل الوسائل الضرورية لذلك )) .
إلا أن معظم المفكرين وكل الذين يرنون بأبصارهم الى سماء الايديولوجيات كما يرنو الفلاح الى السحب المطرة يعتمدون دائما على ملاحظاتهم وقراءاتهم وانفعالاتهم وذكرياتهم وتأملاتهم فى أحوال المجتمع وشؤون السياسة لبناء صرح إيديولوجية جديدة لا تدعى تفسير الواقع المعاصر فحسب بل التنبؤ بالمستقبل ورسم آتجاه مضبوط للتطور . إن هذه النزعة الى التقيد الذاتى والجماعى لتدل دلالة واضحة على أن الانسان قد ينوء بثقل حريته ويتهرب من الاضطلاع بتبعات مصيره ويتجرد بذلك من كل مسؤولية أى من كل قيمة !
أما الموقف الذى ذهبنا اليه والذى يؤكد أن الحرية كسب مستمر وجهاد يومى وتحديات متواصلة تفسح المجال لمختلف الحلول وشتى المواقف فهو ينفى التعلة التى يلوذ بها صغار النفوس أولئك الذين يريحون ضمائرهم بترديد : لا تقل شئنا ، فان الحظ شاء !...
أما هالة التقديس التى أضفاها بعضهم على التاريخ فليس لها مبرر علمى أو منطقى سوى الايهام بمشروعية الآتكال عليه والاحتجاج به وتبرير السلوك الفردى والجماعى بالرجوع الى نواميسه القاهرة .
وفى هذا المعنى يؤكد أندرى مالرو : (( ليس من دقة مناهجه يستمد التاريخ عنوان المجد الذى اكتسبه من ماركس وسبنڤلر وتوينبى ، بل من كونه احتل منزلة المصير . وما كان لأى مؤرخ أن يطبع عصره بطابع ما يكشفه من خبايا الماضى لو لم يكن ذلك الماضى مشيرا على وجه الايماء الى ملامح المستقبل )) (1) .
أما بالنسبة للخمسينات وخاصة الستينات فقد حل علم الحياة محل التاريخ عند البعض لأنهم طمحوا فى أن يحل لهم لغز الجنس البشرى ويحكى لهم قصته منذ الأزل ويروى لهم مغامرته الوجودية ويكشف النقاب عن
مآله . ومنذ قرنين تقريبا سحر (( داروين )) الناس لأنه - على حد قول (( فاليرى )) - : (( أوحى إليه خياله برسم جذور وهمية لشجرة الحياة التى لم يكن يرى منها الانسان غير الأوراق )) (2) .
فبينما يستمد (( تلار دى شاردان )) Teilhard de Chardin من تطور الجنس البشرى الدليل القاطع على أن الله موجود ينفى ج. مونود ذلك ويؤكد فى كتابه (( الصدفة والضرورة )) le Hasard et la Nécessité انه ليس للوجود البشرى معنى بل إنه حدث أوجدته الصدفة فلا يلبث أن يزول من على الكون!
واذا ثبت اليوم أن علم الحياة وهو من العلوم الصحيحة لا يمكنه ولا يطمح هو نفسه فى إيجاد الجواب الشافى للأسئلة الخطيرة التى ما زال الانسان يسعى الى تجاوزها والاطمئنان الى كشف كنهها وفك رموزها ، وأن علم التاريخ من باب أولى وأحرى ، وهو من العلوم الانسانية ، لا يستطيع هو الآخر أن يضبط آتجاه المستقبل أو يدل على العمل الصحيح ، فان أ. مالرو وجان همبرجر (3) وعددا كبيرا من المفكرين المعاصرين والمختصين فى المستقبلية - سواء تعرضنا لهم سابقا أم لا - أقاموا الدليل على أن العلم لئن كشف أسرار الطبيعة وكيف الدنيا تكييفا ما فانه عاجز عن تكوين الانسان وآستكمال انسانيته .
إن الكثيرين من المسؤولين والمثقفين فى القرن التاسع عشر وأوائل هذا القرن لم يولوا تربية البشر الأهمية الكافية لأنهم كانوا يعتبرون من البديهى أن يضطلع العلم وحده بهذه الوظيفة ورغم الخيبة التى منوا بها وما لا تزال تقاسيه الانسانية من نتيجة هذا الخطأ فى حدود رسالة العلم التربوية فان (( لحضارتنا - على حد تعبير أ. مالرو - آلها خافيا هو إله ميت ، ألا وهى ( العلموية ) التى كانت سائدة فى عهود ماضية قريبة )) (4) .
ويتعرض مالرو إلى معنى طالما نبهنا إليه كما نبه إليه الكثيرون قبلنا ، فى شرق العالم وغربه ، وهو أن التفاوت بين انتصارات العلم الباهرة التى جعلت الانسان يغزو القمر وبين تيه الانسان فى بحثه عن قيمه العليا
وخفوت نور ضميره ، بلغ حدا مؤذنا بالخطر مما حمل مالرو على التنبيه الى أن جيلنا (( يمتاز )) عن الاجيال التى سبقته بكونه يملك القدرة على تفجير الأرض فى غفلة من أمره !. ويختم مقاله الذى أشرنا إليه بهذا الانذار المرير : إذا نحن لم نهتد الى صورة الانسان الحق الذى نريد أن نكونه (( فانه يبقى لنا شرف غزو القمر للانتحار على سطحه ! )) .
وعسى أن يفهم مقالنا على وجهه : فنحن لا نقاوم العلوم الصحيحة بل نؤمن بها ونسعى الى تنميتها وانتشارها ولا نقلل من شأن التاريخ بل ننزله المنزلة اللائقة به بين العلوم الانسانية . إنما الذى أردنا لفت النظر إليه والايحاء الى الشباب بالتفكير فيه هو أن تقدم العلوم ليس وحده سندا للحضارات ولا يشفى من الحيرة الفلسفية أو يغنى عن الضمير الأخلاقى ، وأن عهد المذاهب والايديولوجيات التى تطغى على الانسان وترسم له تاريخه بالنيابة عنه قد ولى وانقضى ولأن الانسان الحق يستمد كرامته من حريته وحريته جزء من وعيه وشرط لشعوره بالمسؤولية . وقد يلوذ البعض بالواقعية ويكتفون من الحياة بجانبها الاقتصادى والمادى فيقدسون الأرقام ويكلفون بحجم الدخل القومى الخام زيادة ونقصانا ، ويفنون عمرهم فى تنمية الفلاحة والصناعة وبناء المساكن وإقامة السدود وحفر الآبار ، أو ينفقون خير ما عندهم لشراء الأسلحة والعتاد الحربى من دون أية عناية بالروح ولا إصغاء إلى أشواق الشباب أو تناغم مع تطلعات النفس ونوعية الحياة ... هؤلاء أدرك الكثير منهم فى أغلب البلدان رغم اختلاف أنماط حياتها وتباين أنظمتها السياسية والاقتصادية أنهم أخطأوا السير وأن الازدهار المادى لا يضمن وحده السعادة والكرامة ولا المناعة .
وقد يذهب الظن بقوم آخرين الى أنه ليس للحياة معنى وأن القيم العليا من عمل الفلاسفة والشعراء والحالمين وأن النجاح المادى هو المرجع فى تقييم الرجال والأعمال ... غير أنه اذا استثنينا ضحايا المخدرات الطبيعة أو الاصطناعية أو الذين اضطربت إبرة بوصلتهم الحضارية فلم تستقر على حال ، فان الأسوياء من البشر الذين يأخذون الحياة مأخذ الجد ولا يقنعون من الكون بمظاهره ومن الحياة ببريقها ، يسعون دائما ، فى كل مكان وفى كل زمان ، بل يتسابقون ، الى إعطاء الحياة معنى ساميا ويبذلون خير ما عندهم ليتركوا شيئا من آثارهم المعنوية خاصة ، فى تجاعيد الزمن وثنايا التاريخ .

