الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6 الرجوع إلى "الفكر"

شهريات الأدب والثقافة

Share

1 - ثورة البياتي : أبعد من أيديولوجية "القوميسارين " والخدم والعسكر ورجال القبائل.

فى العدد الماضى ، من مجلة الفكر ، كتب الأستاذ أبو القاسم محمد كرو مقالاً عن " الشهير ثامر وقصيدة للبياتى " أثار فيها ذكريات مهملة ، سياسية وأدبية ، عن حركة الكفاح الوطني التونسي ، والدكتور الحبيب ثامر ، رجل الصدق والعمل ، الذي صوّر بجهاد حياته ، وثباته على المبادئ ، في رحلة العمر القصيرة ، وبموته التراجيدي العنيف ، أروع مثل للتضحية والبذل يقتدي به الشباب ، ويتّخذونه نِبراسًا ، للدفاع عن الوطن ، وتوجيه حركته نحو الخير والعدل ، لصُنْع المستقبل الأفضل ، وتحقيق النهضة الشاملة ، المرجوّة فيه ، وتضمّن المقال استطرادًا ، عن الشاعر العراقي عبد الوهاب البياتي، بمناسبة إعداده قصيدًا عَموديًّا ، للترحيب بالدكتور ثامر والأستاذ يوسف الرويسى ، بمناسبة زيارة لهما لبغداد ، للدعوة للقضية الوطنية التونسية ،إلا أنَّ القصيد لم يَلْقَ ، لأسباب سياسية ، ارتأتها حكومة نوري السعيد ، وتعطّل بسببها الاجتماع ، وأبدى الأستاذ كرو بعض الملاحظات ، عن هذا القصيد بتصلّ بعضها بشكلها الفني فهي ذات أسلوب قديم ، فهي من شعر العمود مُوحّدة القافية " وهو أمر لا أعتبره مُثيرًا للاندهاش ، لأننا نعلم جميعًا ، أنّ شعراء الجديد ، تطوّروا تطوُّرا ، إثر تجارب مُتعدّدة ، ومُعايشة متصلة ، للأسلوب الكلاسيكى القديم ، لأنّ الأديب ليس بهلوانًا ، يقفز من حبلٍ إلى حبل ، أو من سُلّم إلى آخر ، ولاحظ كذلك أشياءَ عن مضمونها العربي الواضح ، وعن الاتجاه العقائد عند البياتي ، وعن الدوافع الخفيّة ، التي جعلته دائم التنقل كثير الترحال والمحطات بين أيدلوجيات القاهرة وبغداد وموسكو وباريس، ولا أحبّ أن أناقش هذه النقطة . ومن حقي أن أفعل لو أردت ، لأن البياتي سيتولى الردّ والمناقشة بنفسه .

وكان أثناء تواجده بتونس ، للمرة الثانية - أول شهر فيفري - حريصًا على

أن يتصل بعدد كبير ، من الأدباء والكُتّاب التونسيين ، ومن بينهم الأستاذ محمد مزالي ، رئيس الاتحاد.

وفي بعض هذه اللقاءات المتعددة ، حرص الشاعر العراقي ، على بيان وجهة نظره ، فيما أثير حوله ، ورجانى بحرارة ، أن أنقل رأيه للقُرّاء ، ضمن " الشهريات " وتعميمًا للفائدة الأدبية ، أسجّل كلمته - حرفيًّا - كما أراد هو ذلك :

قال الشاعر عبد الوهاب البياتي: " اطّلعت على كلمة السيد أبو القاسم كرو ، وأنا أشكره ، لأنه نشر لي قصيدةً كنتُ أضعتها ، وقد أثار نشرها ذكرياتٍ عزيزة على نفسي ، ولكنّ الغرابة ، أنه قد زجّ ببعض كلماتٍ - كعادته - لا علاقة لها بهذا الموضوع المقدّس ، الحبيب إلى النفس ، وأنا أودُّ أنْ أقولَ له ، كما قال يومًا أحدُ المفكّرين : إنني لم أتغيّر ولكنّ الرِّفاقَ تغيّروا ، ويظهر أنّ الصديق أبو القاسم كرو ، يشعر بمثل وطأة هذا القول ، ولهذا فقد أراد ، أن يخلع على الآخرين ، ما يضعه على كتفه وهو يعلم علم اليقين ، ويعلم جميع الأصدقاء الحقيقيين في تونس ، وفي البلاد العربية ، أنني لم أتنقّل بين عقيدة وأخرى ، كما تنقّل البعض ، من ضِفاف المطهر إلى ضِفاف الجحيم ، وإنما قد كُتِبَ عليّ الترحال والموت والتحوّل والغُربة، نتيجة العهود الظالمة ، التي مرَّ بها وطننا العربيّ ، وإنني قد أُسْقِطَتْ عنّي الجنسية العراقية ، في تلك العهود ، وسُحِبَ جواز سفري ، وعندما كنت في موسكو أو باريس أو القاهرة ، فقد كنت ضيفًا مُكرّمًا ، فى هذه البلدان وإنني قد رفعتُ اسم العروبة بما لم تفعله حكومات عربية كثيرة ، وهذه حقائق مُدوّنة فى كتب كثيرة ، وبلغات أجنبية ، ولكن يظهر أن الصديق لم يقرأها ، فهو مشغول - كما يظهر - بهموم أخرى ، وإن مقام الإنسان في هذه المدينة أو تلك مجبرًا ، لا يعني أنه قد تبنّى أيديولوجية هذه المدن ، ومتى كانت للمدن عقائد؟ تلك مسألة مُحيّرة ، أما وضعه مدينة باريس ، فلا أدري كيف تفتّقتْ قريحتُهُ فوضعها بين موسكو والقاهرة ، فلقد زُرْتها مرتين ، كما زارها الكثيرون ، وكم زارها هو أيضًا ، فهل أصبح في عرف هذا العصر ، أنّ زيارة المدن ، تعني نبنى عقيدتها ، وأنا أسأله - بذمته - أن يقول لي بالضبط ، ما هي عقيدة باريس ؟ ورابعة الأثافي ، لا ثالثتها ، إنه وضع اسم مدينتي - بغداد - بجانب موسكو والقاهرة وباريس ، فهل اتقى الله عندما وضع اسمها ، وأعود فأقول بأنني ما كُنتُ أظنّ بأنني سأحيا إلى زمن أسمع فيه مَنْ يقول بأنّ للمدن أيديولوجيات ، وما أشبه ذلك ، وربما معاطف ونظارات ، لقِصَر النظر أو بُعْده،

وقد أثار استغرابي أيضًا ، أن المعلومات المتعلقة بالقصيدة ، المشار إليها ، أنّ السيد كرو قد نشرها للمرة المائة.

وأخيرًا فإني أودّ أنْ أقول لقارئ مجلة الفكر المحترمة: إنّ السيد كرو كان قد وجّه لي دعوةً ، قبل ثمانية أشهر ، باسم اللجنة الثقافية القومية ، وكانت مُوقّعة باسمه الكريم ، وقد ذكر فيها بإنني من كِبار شُعراء العربية ، الذين دافعوا عن استقلال تونس خاصّة ، والمغرب العربيّ عامة ، وأشياء أكبر ، لا أحبّ ذكرها ، وإنما أطلب من الصديق العزيز ، أن ينشر هذه الرسالة ، لأنه مُغرم بنشر الرسائل التي تُرسل إليه فقط ؟ فلماذا لا يخالف القاعدة ، وينشر الرسائل ، التي يُرسلُها إلى كِبار أدباء العربية ، وشُكرًا مرة أُخرى للصديق، لأنه احتفظ بقصيدتي العزيزة إلى نفسي ، طيلةَ هذه السنوات ، وأتاح لها أن ترى النور ، وكان أحرى به ، أن يكتفى بذلك فقط ، حفظًا للأخوّة والصداقة التى كانت تربط بيننا ، فى تلك الأيام .

وأخيرًا أودُّ أن أقول ، كما قال النبيُّ العربيُّ : لو ذات سُوارٍ لطمتني "

2 - المؤتمر التاسع للأدباء العرب

تستقبل تونس ، بداية من : 18 - مارس - الحالي ، لمدة أسبوع كامل ، وفود الأدباء والكُتّاب من مختلف الأرض العربية ليحضروا مؤتمرهم التاسع، وقد أعدّ اتحاد الكتاب التونسيين ، صاحب الدعوة ، برامج متنوعة ، وترتيبات تنظيمية متعددة ، لينعقد هذا المؤتمر ، في مستوى يليق بأهميته ، كمجمع فكري وأدبي ، يُلخّص حركة الأدب العربي المعاصر ، ويشير إلى مدى تطوّره ومواكبته لسير حركة العمل الاجتماعي ، التي تتحرّك بها الجماهير العربية ويليق كذلك ، بالمستويات المتعددة الطيبة ، التى بلغتها الثقافة العربية بتونس التي بقيت أزمانًا منسيّة ، شأن بقية أجزاء المغرب العربي ، لا يتردّد لها صدى يذكر ، بين مجتمع القارئين ، في أقطار المشرق ، وليس هذا إدانة لأحد ، وإنما هي إشارة إلى حقيقة قائمة ، ظلّت تعزل المثقفين العرب ، بعضهم عن بعض وقتًا طويلاً ، فانعقاد مؤتمر للأدباء العرب بتونس ، وهى تتوسط بلدان المغرب إذن هو فرصة ممتازة وعظيمة ، لتذوب فيها الثلوج الصناعية ، ويقوم حوار بنّاء ، ربما يكشف حقيقة كلّ المعطيات الثقافية ، التى يتميّز بها كل بلد ، من البلاد العربية ، وما يمكن أن يستفيده ، هذا القطر أو ذاك ، من التجارب المبتكرة ، أو التي لها القدرة على المنح والعطاء المثمر ، والمؤتمر ينعقد في فترة من أصعب فترات تاريخ الأمة العربية ، حيث تواجه تحديًّا رهيبًا ، استهدف

خلخلة كل قيمها الفكرية والثقافية ، وقهر نفسيتها ، بالإذلال العسكري والسياسى ، ووضعها أمام نفسها ، وأمام كلّ شعوب العالم ، في محنة شديدة وامتحان صعب لسبر طاقاتها ومقدراتها ، ومالها من إمكانية القدرة على البقاء والتقدم ، واذا كان العمل السياسي والعسكري ، يتولاه من هو به أعرف وأدرى كما يقال دائمًا فما هو دور الأديب العربى ، في هذه المعركة المصيرية الكبرى ، أمام التحدّي الصهيوني والاستعمارى ، وفي عصر تسوده الآلة ، وتتحكم في سيره ، ضرورة التكنولوجيا ؟ هذا هو السؤال ، الذي ينبغي أن يخرج المؤتمرون ، بإجابات محددة له ، وواضحة أيضًا ، وألا يقتصروا به على الحدود النظرية البحتة ، وإنما يجب أن يتجاوزوا ذلك إلى التطبيق العمليّ والتنفيذ الفعليّ ، وأن يتجنّبوا إضافته ، إلى كثير من القرارات السابقة ، التي ناقشوها وصادَقوا عليها وتحمّسوا لها كثيرًا ، ولكنّها أُهملت ولم تر النور ، لحدّ الآن . والحقّ أن دور الأديب العربي ، في معركة التحدّي الكبرى هذه ، ليس من السهل تحديده وضبطه ، لأنه متصلٌ اتصالاً كبيرًا ، بطبيعة النظم السياسية والاجتماعية للمجتمع العربيّ ، والتي تزخر بالتناقضات والأعاجيب ، وتمتلئ بفوضى المسؤولية وترك القضايا الخطيرة تُحلّ اتكالاً وكيفما اتُّفق . وقد يتبادر إلى الذهن ولأول وهلة أيضًا ، أن الأديب له دورٌ مرسوم ومعروف ، وهو الكلمة ، وإشهارها أمام الجميع ، لبسط الحقيقة ، والتعبير عن قضايا الشعب الحقيقية ، وتوجيه الجماهير إلى حيث ينبغي أن تتجه ، لتغير من واقعها ، وترفع عنها الذلّ والضَّيْم والعبودية ، إنّ كل هذا حقٌّ وجميل ، غير أنّ الطريق إلى تحقيقه هو الصعب فعدد من الأنظمة السياسية ، لا تُوفّر للأديب الحق ، المستوى الأدنى ، من حرية التعبير ، ولا تمكنه من صياغة فكره ، صياغة واضحة ، يبلغ بواسطتها إلى أعماق المجتمع ، ولذلك كثيًرا ما نجد عددًا من الأدباء يتجهون إلى الرمز والتعمية ، بل والإغراق فيهما ، ومغازلة الحقيقة عن بُعد وبحذر شديد ، ويترتب على ذلك أن يعيش الأديب ، مع أفكاره ، في عزلة رهيبة ، وتبقى الجماهير في حيرتها الطويلة ، تعيش بالوهم والخرافة الكاذبة ، ومن جهة ثانية ، فإنّ سدًّا منيعًا آخر ، يقف هو أيضًا ، بوجه الكلمة الحرة الصادقة ، هو الأمية ، بوجهيها المادي والذهني ، فالأولى تمنع قيام أي صلة للتفاهم والعمل الجدّي ، والثانية ، تحدّ بدرجة كبيرة ، انتشار الفكرة الصحيحة الحرة البنّاءة ، وبذلك تظلّ الحقائق مُذبذبة ، لا تخصب إلا بالمصادفة ، وبضرب من القدرية عجيب ، فلا بد إذن ، من دراسة مستأنية لكل هذه القضايا ، ومحاولة الاتفاق على حلّ - وإن كان صعبًا - يرجع الأديب إلى حظيرة المجتمع ، ويرجع المجتمع إلى حظيرة الفكر ، بالخلق ، بالابداع بالكلمة . وأهلاً ومرحبًا ، بأصحاب الكلمة المبدعة ، كُتّابًا وشعراء ، في بلدهم تونس الخضراء .

3 - مصطفى خريف

بعد أيام قليلة ، وقبيل منتصف هذا الشهر ، تُعاودنا ذكرى الشاعر مصطفى خريف ، الذي أدركته الوفاة ، منذ ست سنوات خلتْ ، وينبغي أن نذكره ، وأن نحتفل بذكراه أيضًا ، إذا كان ذلك ممكنًا ، لأنه قدّم للأدب والثقافة ، في هذا الوطن العزيز ، وفي كلّ أجزاء البلاد العربية الأخرى ، إضافات رائعة وتنويعات جميلة ، تُثْرى العقل والوجدان ، وتمدّ الأجيال الجديدة منا ، برصيد أدبي آخر ، يعتمد في بناء النهضة الأدبية الجديدة ، وإقامتها على أسس متينة تمنع الارتجال والفوضى والغربة الفكرية ، وإنّ أهميته كشاعر ومثقف ، لتتأكّد حين نذكر العمل العظيم ، الذي نهض بأعبائه ، مع رفاقه الآخرين ، كالشّابّي والبشروش وسعيد أبو بكر وغيرهم ، حين خرجوا بالشعر التونسي والأدب والثقافة بصفة عامة ، من المفاهيم الضيقة ، التي كانت قيودًا حقيقية ، تُكبل أي انطلاق او تفتّح ، وتمنع أي انتشار أو توسّع ، ونجحوا في أن يخاطبوا العصر، بلغة العصر ، وبمضامين تنبع أساسًا من الواقع الفكرى والاجتماعي ، لمجتمعهم الذي عايشوه وأحبوه ، وأخلصوا له ، إلى حدّ الموت ، وهنا نحب أن نُثير قضية أعمال الشاعر الأدبية ، التي لم تنشر بعد ، وكان ينبغي أن تظهر منذ زمان، فإن مصطفى خريف ، امتاز بالإنتاج الغزير الجيد ، وفي أكثر من لون واحد فقد كتب القصيدة والمقطعة ، والقصة القصيرة والمقال الأدبي والخاطرة الصحفية والقصيدة الشعبية ، وكلّها تتميّز باللمحة الخاصّة ، المعبرة عن روح صاحبها، وبالأناقة في الصياغة والتعبير ، والتي أدارها على موضوعات شتى ، استمدّها من تأمُّلِهِ الهادئ العميق ، في حياتنا الاجتماعية والسياسة والأدبية أيضًا، فواجب الوفاء لروح هذا الرجل المبدع ، يقتضي نشر شتات مؤلفاته ، وإبرازها لتكون عونًا على تصوّر الحركة الأدبية التونسية ، منذ البداية ، وكيف توجهت بها السبل بعد ذلك.

رحم الله مصطفى خريف في ذكراه السادسة

اشترك في نشرتنا البريدية