تمضى سنة ، وتجئ أخرى ، وتزهر آمال وعواطف ، ويتبدد غيرها ، فى مهاوى الزمن الغارب ، ولكنها قد تتجدد وتبعث ، دافئة كشمس الربيع ، وتعود نضرة ، جذلى بمقدمه الجديد ، وبين هذا وذاك ، تختلف على الناس صنوف من الاحداث والمشاعر والافكار ، يسعدون لبعضها ، ويبتئسون لبعضها الآخر ، وتتغير بالمجتمع حالات ، ينهض فيها ويتقدم ، ويرتاد آفاقا ، ايجابية خلافة ، ولكنه قد يتعرض - أثناء سيره البناء - لركود الحركة ، فتضعف عناصر القوة ، المبدعة فيه ، وخصائص الروح الباعثة العميقة ، التى تملك وحدها ، حق مواجهة الصعاب ، ومغالبة فوضى الحياة والطبيعة ، وكل ما يترصد وثبة الحياة ، فى حركة المستقبل المصيرية
وامام حركة الزمن الجديدة ، وأثناء التأمل ، فى اوضاعنا الادبية والفكرية ، التى أخذت تشق طريقها ، فى فتوة وحزم ، راينا ان نفتح هذا الركن ، لنتابع مسيرة حياتنا الثقافية والفكرية ، ونرصد خط تصاعدها ، وهي تحدد معالم الطريق ، أمام كل الاجيال
1 ( - نحو ثقافة جماهيرية :
ونحتاج فى هذه الفترة ، من تاريخ تحولنا الاجتماعى والثقافى ، الى ان نتوقف برهة ، نتعمق فيها ، وجوه حياتنا الثقافية والفكرية ، لبحث النتائج التى أدركناها ، وسبر ماهية المراحل التى قطعت فى سبيل ذلك ، بل وتقييم الحصيلة الفكرية والأدبية والثقافية بعامة التى تحققت خلال عدد من الانشطة الثقافية المنظمة وغير المنظمة ، وبعض المجهودات المتنوعة التى استهدفت تحريك الحياة العقلية والأدبية للمواطن التونسى ، حتى يكون فى مستوى عصره ، وما يحفل به من فنون الرقى والحضارة .
ومنذ البدء ، ينبغى ان نشير الى أهمية ما نظم من ملتقيات ثقافية ، ولقاءات أدبية وفنية ، وتعاقب صدور منشورات علمية وأدبية ، طيلة السنة الماضية ، وماصاحبها من محاولة واضحة لتغطية اماكن متعددة من بلادنا
والسعى الى ان تتنوع الالوان الثقافية فتشمل الكتاب والمحاضرة ، والندوة والعرض المسرحي ، والعرض الفني التشكيلى ، ومنوعات موسيقية ، محلية ووافدة أيضا ، بالإضافة إلى ما بذل من جهد لاستقدام عدد من الكتاب والشعراء من ذوى الشهرة والمكانة ، فى الادب العربى الحديث
. . اذن فالمادة الثقافية - بالمفهوم المتسع لهذه الكلمة - التى قدمت ، كانت متنوعة ، وان الجهود التى قامت من ورائها ، كانت طيبة ، ومخلصة كذلك ، غير ان الناقد المنصف ، يستطيع ان يبرز عناصر ، كان من الضرورى ، ان ترتكز عليها ، حركة العمل الثقافي ، وان يستشف من خلال التطبيق ، مدى ما يفرق ، بين الفكر والواقع ، او بين التخطيط والتنفيذ :
أولا : ان الجدوى الثقافية لن تحصل ، والنفع الحقيقى منها لن يكون الا اذا صدرت كل أعمالنا الثقافية ، على مختلف المستويات ، عن فهم دقيق للحقيقة الثقافية ، التى يتطلبها مجتمع نام كمجتمعنا ، يسعى بكل دأب ، الى التكامل الاجتماعى والفكرى ، عبر عملية تحول جذرية واسعة ، تراجع الماضى وتنقده ، لتنتقى ما يلائم واقع العصر ، وتترك ما لا يفي باغراضها الضرورية ، وتنظر الى الحاضر المعاش ، فتخضعه لضروب من البحث والتجريب وانواع من التغيير والتحويل ، حتى ينقاد لصياغة معينة حاسمة ، تحقق الامل والطموح فى بناء حياة مستقبلية ، قوامها العدل الاجتماعى ، واشتراكية الثقافة ، وحرية الانسان من كل قيوده المعطلة لبناء الحضارة ، ونشر خيرها بين كل الناس . ومن هنا فمن الضرورى ان تتجمع كل الجهود ، وكل الوسائل الاخرى ، لنشر الثقافة ، لتخاطب صميم الانسان فى جوهره ، وان تتجه الى ايقاظ الارواح من هجوعها الطويل ، حتى تنزع عنها لباس التوجس والتعطيل ، وتنخرط فى مغامرة الحياة الكبرى ؛ وما سوى ذلك ، فما هو الا تقدير ، لم يصادف الحاجة ، وانخداع ببريق الشكل ، وجرى وراء لمعان يخلب اللب ، ولكنه يوهم بالخديعة
ثانيا : لكى تنطلق الحركة الثقافية ، انطلاقها المؤملة ، لا بد ان توسع من قاعدة عملها ، وان تستقطب كل الطاقات الخيرة ، القادرة على العطاء والبذل والابداع ، وان تغزو الحدود المقفلة ، بتجاوز تواضعات العمل الرسمى ، الذى تلتزم به عادة المؤسسات الرسمية للثقافة ، وهكذا تصبح دور الثقافة ودور الشعب اداة وصل واتصال بين كافة المثقفين ، فتتيح لهم فرص الحوار المثمر ، وتمكنهم من ان يبلغوا ثمرات تحصيلهم ، ونتيجة احتكاكهم بدنيا الواقع ، الى ساحة الشعب الواسعة ؛ هذا الذي ينبغى ان يكون مصدر اهتمامنا
الاول ، ومدار السعى من أجل التطور والتقدم ، والا نقف به عند الحدود التى توفرها المناسبات ، وان كانت عزيزة علينا وغالية ، وانما ينبغي ان يظل السعى مستمرا ، والحركة متصلة ، حتى نفتح ما كان منغلقا فى العقول والاوهام ، وتصبح الثقافة عادة يومية ، يمارسها المواطن فى كل ميدان ، وما اكثر الفرص التى تتهيأ لنا للمباشرة والعمل ، ولكنها تحتاج الى ذلك الفن الجماهيرى ، الذى يتيسر له بسهولة ان ينفذ الى قلب الجماعة ، حيثما انعقدت بها المجالس ، واحتاجت الى ما يملأ لها فراغها الرهيب
ان الثقافة لمدعوة ، لان تثقف من أداتها ، حتى تقترب من الناس وكثرتهم المطلقة ، وانه ينبغى لذلك ان يتخفف من الموضوعات الخاصة ، التى يتوجه بها الى الأقلية من المثقفين ، وهي نفسها ، لا تفجر فيهم طاقات الفكر والروح حتى يعانقوا حقيقة مهمتهم فى الحياة والوجود . وانى لا تساءل هنا ، عن الحدود التى انتهت اليها حركة الاهتمام بادبنا الشعبى ، وتراثنا الشعبى بصفة عامة ؟ أنكون قد انجزنا المهمة ، وأحطنا بعالم تلك الثقافة العريقة ، التى عبر عنها ؟ انى لادعو ان نستأنف الحركة ، ولكن بروح من الوعى جديد ، وان نمكن الباحثين ، بل ونشجعهم ، حتى يبرزوا لنا ، بمقاييس البحث العلمى حصيلتنا من ذلك التراث اولا ، بالجمع المنظم ، والتسجيل المحكم ، وكشف ما يتلألأ به من ثروة النفس والعقل والتاريخ ثانيا ، وبذلك نوفر لادبائنا فرصة استلهام ذلك التراث ، واتخاذه قاعدة انطلاق ، يتشعب منها العمل الفني ، سواء كان مسرحا او رواية او قصة قصيرة ، وعن هذا الطريق يلمس شغاف القلوب ، ويؤثر فى الاعماق ، ويؤتى الثمرة التى نريدها ، وهى بناء أدب حى متين
2 ( - الأدب والصحافة
تتحدث بعض المجالس الادبية ، هذه الايام ، عن العزم فى استئناف صدور ملحق - العمل الثقافي - الذي انتظم ظهوره مدة طيبة من الزمن ، وعن العزم كذلك ، فى اصدار ملحق ادبي وثقافى لجريدة الصباح ؛ والحق ان ذلك ، يلبى احتياجات الحركة الادبية ، التى ينبغى لها ان تهدف دائما ، الى الانتشار والتوسع ، لضمان الحق الديمقراطى فى التعبير والابداع ، وتجويد الملكات والقرائح ، حتى تزكو وتنمو ، فى ظلال التجربة والمحاولة . ولقد كان لغياب الأدب ، فى صحافتنا اليومية ، أثره البين ، فى الحد من انطلاقتنا الادبية وبخاصة فى بروز عناصر شابة ، كانت تجد متنفسها الطبيعى ، فى تلك
الرحاب ، ومن جهة أخرى ، أثقل كاهل هذه المجلة - الفكر - التى ظلت وحدها ، مثابرة فى الميدان ، سنين عديدة متعاقبة . ان حركتنا الادبية ، لفي احتياج أكيد ، الى ان تتعدد مجالات النشر لديها ، وكل الوسائل الضرورية الاخرى للذيوع ، واذا كنا نحمد لحركة النشر ، بصفة عامة ، عزمها على الانطلاق ، لتواكب حمية نشاط عدد متزايد من أهل الادب والثقافة ، ولتواجه مقتضيات دعم الثقافة ، وعملها فى التنوير والتبصير والتوجيه ، فان الطريق ما يزال طويلا وشاقا ، ويتطلب اكثر من وسيلة واحدة ، لبلوغ غاياتنا فى التقدم الفكرى والادبى ، ومن أجل ذلك ، ينبغى ان نرفض حق القوامة الذي يريد تقريره قلة من الناس ، متوسلين بأعذار شتى ، ليس منها ، فيما اعتقد ، الحرص على الازدهار الثقافى ، واهمية ابراز الجوانب المضيئة ، فى انتاجنا الادبي ، بل ينبغي ان يكون هناك مقياس واحد للنشر ، وواحد فقط وهو الجودة ، وتميز الاثر بخصائص الجدة والابتكار والجدوى ، ويدفعني هذا ، الى الحديث - بغير مناسبة - عن الجوائز التشجيعية ، التى أعلن عنها ، منذ مدة ، وتحصل عليها جمع مخضرم ، يشمل الشيوخ والكهول والشباب ، وهو اتفاق طيب ، كما ترى ، يرمز الى تواصل الاجيال ، وتلاحمها بالعمل ، الا ان ملاحظة ، ينبغى ان تقال هنا ، وهي التساؤل عن الجدوى ، من اسناد هذه الجائزة التشجيعية ، لواحد من كبار أعلامنا ، وهو الشيخ محمد الطاهر بن عاشور ، هل يحتاج الشيخ الى من يشجعه ، ليواصل عمله المثمر ؟ لقد بارك المثقفون ، منذ سنوات ، اسناد الجائزة التقديرية الكبرى له ، حين تقاسمها مع المرحوم ، العلامة حسن حسنى عبد الوهاب ، وكان الاولى الاحتفال بصدور كتاب ، يتعرض لحركة جهاده العلمي ، ويؤرخ لمسيرة عمله ، فى فحص جوانب متعددة ، من حياتنا الدينية واللغوية ، كما نهض تلاميذ الدكتور طه حسين ، بهذا العمل ، فى عيد ميلاده السبعين ، ونفس الملاحظة ، توجه كذلك ، الى اسناد الجائزة ، لكتاب بساط العقيق " لحسن حسنى عبد الوهاب ان الجوائز ، لها هدف مرسوم ، ينبغى ان تحدثه ، وهو دفع الحركة الادبية والفكرية لتنطلق وتشع ، وحفز الهمم ، وبخاصة منها الشابة ، لتتوفر على البحث والخلق ، وتعطى لنا ، ثمار عمل جاد طريف ، تزدهى به حياتنا الأدبية ، ولقد كنت أحب ، لو ان اللجنة التى اسندت الجوائز ، قد عللت لنا رأيها ، فى الاختيار الذى أقامت عليه حكمها ، وبرهنت بالتحليل المركز عن جوهر عملها ، القائم على انطباق مقاييس نقدية معينة ، على الآثار المتنافسة لنيل الجائزة . ان هذا الامر ليحدث فى كثير من بلدان العالم شرقا وغربا
