الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5 الرجوع إلى "الفكر"

شهريات الادب والثقافة

Share

تمضى سنة ، وتجئ أخرى ، وتزهر آمال وعواطف ، ويتبدد غيرها ، فى مهاوى الزمن الغارب ، ولكنها قد تتجدد وتبعث ، دافئة كشمس الربيع ، وتعود نضرة ، جذلى بمقدمه الجديد ، وبين هذا وذاك ، تختلف على الناس صنوف من الاحداث والمشاعر والافكار ، يسعدون لبعضها ، ويبتئسون لبعضها الآخر ، وتتغير بالمجتمع حالات ، ينهض فيها ويتقدم ، ويرتاد آفاقا ، ايجابية خلافة ، ولكنه قد يتعرض - أثناء سيره البناء - لركود الحركة ، فتضعف  عناصر القوة ، المبدعة فيه ، وخصائص الروح الباعثة العميقة ، التى تملك  وحدها ، حق مواجهة الصعاب ، ومغالبة فوضى الحياة والطبيعة ، وكل ما  يترصد وثبة الحياة ، فى حركة المستقبل المصيرية

وامام حركة الزمن الجديدة ، وأثناء التأمل ، فى اوضاعنا الادبية والفكرية ، التى أخذت تشق طريقها ، فى فتوة وحزم ، راينا ان نفتح هذا الركن ،  لنتابع مسيرة حياتنا الثقافية والفكرية ، ونرصد خط تصاعدها ، وهي تحدد معالم الطريق ، أمام كل الاجيال

1 ( - نحو ثقافة جماهيرية :

ونحتاج فى هذه الفترة ، من تاريخ تحولنا الاجتماعى والثقافى ، الى ان  نتوقف برهة ، نتعمق فيها ، وجوه حياتنا الثقافية والفكرية ، لبحث النتائج  التى أدركناها ، وسبر ماهية المراحل التى قطعت فى سبيل ذلك ، بل وتقييم الحصيلة الفكرية والأدبية والثقافية بعامة التى تحققت خلال عدد من الانشطة الثقافية المنظمة وغير المنظمة ، وبعض المجهودات المتنوعة التى استهدفت تحريك الحياة العقلية والأدبية للمواطن التونسى ، حتى يكون فى مستوى  عصره ، وما يحفل به من فنون الرقى والحضارة .  

ومنذ البدء ، ينبغى ان نشير الى أهمية ما نظم من ملتقيات ثقافية ،  ولقاءات أدبية وفنية ، وتعاقب صدور منشورات علمية وأدبية ، طيلة السنة الماضية ، وماصاحبها من محاولة واضحة لتغطية اماكن متعددة من بلادنا

والسعى الى ان تتنوع الالوان الثقافية فتشمل الكتاب والمحاضرة ، والندوة والعرض المسرحي ، والعرض الفني التشكيلى ، ومنوعات موسيقية ، محلية  ووافدة أيضا ، بالإضافة إلى ما بذل من جهد لاستقدام عدد من الكتاب والشعراء  من ذوى الشهرة والمكانة ، فى الادب العربى الحديث

. . اذن فالمادة الثقافية - بالمفهوم المتسع لهذه الكلمة - التى قدمت ، كانت متنوعة ، وان الجهود التى قامت من ورائها ، كانت طيبة ، ومخلصة  كذلك ، غير ان الناقد المنصف ، يستطيع ان يبرز عناصر ، كان من  الضرورى ، ان ترتكز عليها ، حركة العمل الثقافي ، وان يستشف من خلال  التطبيق ، مدى ما يفرق ، بين الفكر والواقع ، او بين التخطيط والتنفيذ :

أولا : ان الجدوى الثقافية لن تحصل ، والنفع الحقيقى منها لن يكون  الا اذا صدرت كل أعمالنا الثقافية ، على مختلف المستويات ، عن فهم دقيق للحقيقة الثقافية ، التى يتطلبها مجتمع نام كمجتمعنا ، يسعى بكل دأب ،  الى التكامل الاجتماعى والفكرى ، عبر عملية تحول جذرية واسعة ، تراجع  الماضى وتنقده ، لتنتقى ما يلائم واقع العصر ، وتترك ما لا يفي باغراضها  الضرورية ، وتنظر الى الحاضر المعاش ، فتخضعه لضروب من البحث والتجريب  وانواع من التغيير والتحويل ، حتى ينقاد لصياغة معينة حاسمة ، تحقق الامل  والطموح فى بناء حياة مستقبلية ، قوامها العدل الاجتماعى ، واشتراكية  الثقافة ، وحرية الانسان من كل قيوده المعطلة لبناء الحضارة ، ونشر خيرها  بين كل الناس . ومن هنا فمن الضرورى ان تتجمع كل الجهود ، وكل  الوسائل الاخرى ، لنشر الثقافة ، لتخاطب صميم الانسان فى جوهره ، وان  تتجه الى ايقاظ الارواح من هجوعها الطويل ، حتى تنزع عنها لباس التوجس والتعطيل ، وتنخرط فى مغامرة الحياة الكبرى ؛ وما سوى ذلك ، فما هو الا تقدير ، لم يصادف الحاجة ، وانخداع ببريق الشكل ، وجرى وراء لمعان يخلب اللب ، ولكنه يوهم بالخديعة

ثانيا : لكى تنطلق الحركة الثقافية ، انطلاقها المؤملة ، لا بد ان توسع من قاعدة عملها ، وان تستقطب كل الطاقات الخيرة ، القادرة على العطاء والبذل والابداع ، وان تغزو الحدود المقفلة ، بتجاوز تواضعات العمل الرسمى ، الذى تلتزم به عادة المؤسسات الرسمية للثقافة ، وهكذا تصبح دور الثقافة ودور الشعب اداة وصل واتصال بين كافة المثقفين ، فتتيح لهم فرص الحوار المثمر ، وتمكنهم من ان يبلغوا ثمرات تحصيلهم ، ونتيجة احتكاكهم بدنيا الواقع ، الى ساحة الشعب الواسعة ؛ هذا الذي ينبغى ان يكون مصدر اهتمامنا

الاول ، ومدار السعى من أجل التطور والتقدم ، والا نقف به عند الحدود التى توفرها المناسبات ، وان كانت عزيزة علينا وغالية ، وانما ينبغي ان يظل السعى مستمرا ، والحركة متصلة ، حتى نفتح ما كان منغلقا فى العقول  والاوهام ، وتصبح الثقافة عادة يومية ، يمارسها المواطن فى كل ميدان ، وما اكثر الفرص التى تتهيأ لنا للمباشرة والعمل ، ولكنها تحتاج الى ذلك الفن  الجماهيرى ، الذى يتيسر له بسهولة ان ينفذ الى قلب الجماعة ، حيثما انعقدت بها المجالس ، واحتاجت الى ما يملأ لها فراغها الرهيب

ان الثقافة لمدعوة ، لان تثقف من أداتها ، حتى تقترب من الناس وكثرتهم  المطلقة ، وانه ينبغى لذلك ان يتخفف من الموضوعات الخاصة ، التى يتوجه بها الى الأقلية من المثقفين ، وهي نفسها ، لا تفجر فيهم طاقات الفكر والروح حتى يعانقوا حقيقة مهمتهم فى الحياة والوجود . وانى لا تساءل هنا ، عن  الحدود التى انتهت اليها حركة الاهتمام بادبنا الشعبى ، وتراثنا الشعبى بصفة  عامة ؟ أنكون قد انجزنا المهمة ، وأحطنا بعالم تلك الثقافة العريقة ، التى عبر  عنها ؟ انى لادعو ان نستأنف الحركة ، ولكن بروح من الوعى جديد ، وان  نمكن الباحثين ، بل ونشجعهم ، حتى يبرزوا لنا ، بمقاييس البحث العلمى حصيلتنا من ذلك التراث اولا ، بالجمع المنظم ، والتسجيل المحكم ، وكشف  ما يتلألأ به من ثروة النفس والعقل والتاريخ ثانيا ، وبذلك نوفر لادبائنا  فرصة استلهام ذلك التراث ، واتخاذه قاعدة انطلاق ، يتشعب منها العمل  الفني ، سواء كان مسرحا او رواية او قصة قصيرة ، وعن هذا الطريق يلمس شغاف القلوب ، ويؤثر فى الاعماق ، ويؤتى الثمرة التى نريدها ، وهى  بناء أدب حى متين  

2 ( - الأدب والصحافة

تتحدث بعض المجالس الادبية ، هذه الايام ، عن العزم فى استئناف صدور ملحق - العمل الثقافي - الذي انتظم ظهوره مدة طيبة من الزمن ، وعن العزم كذلك ، فى اصدار ملحق ادبي وثقافى لجريدة الصباح ؛ والحق ان ذلك ، يلبى  احتياجات الحركة الادبية ، التى ينبغى لها ان تهدف دائما ، الى الانتشار والتوسع ، لضمان الحق الديمقراطى فى التعبير والابداع ، وتجويد الملكات  والقرائح ، حتى تزكو وتنمو ، فى ظلال التجربة والمحاولة . ولقد كان لغياب  الأدب ، فى صحافتنا اليومية ، أثره البين ، فى الحد من انطلاقتنا الادبية  وبخاصة فى بروز عناصر شابة ، كانت تجد متنفسها الطبيعى ، فى تلك

الرحاب ، ومن جهة أخرى ، أثقل كاهل هذه المجلة - الفكر - التى ظلت وحدها ، مثابرة فى الميدان ، سنين عديدة متعاقبة . ان حركتنا الادبية ، لفي  احتياج أكيد ، الى ان تتعدد مجالات النشر لديها ، وكل الوسائل الضرورية  الاخرى للذيوع ، واذا كنا نحمد لحركة النشر ، بصفة عامة ، عزمها على  الانطلاق ، لتواكب حمية نشاط عدد متزايد من أهل الادب والثقافة ، ولتواجه مقتضيات دعم الثقافة ، وعملها فى التنوير والتبصير والتوجيه ، فان الطريق  ما يزال طويلا وشاقا ، ويتطلب اكثر من وسيلة واحدة ، لبلوغ غاياتنا فى التقدم الفكرى والادبى ، ومن أجل ذلك ، ينبغى ان نرفض حق القوامة الذي يريد تقريره قلة من الناس ، متوسلين بأعذار شتى ، ليس منها ، فيما اعتقد ، الحرص على الازدهار الثقافى ، واهمية ابراز الجوانب المضيئة ، فى انتاجنا الادبي ، بل ينبغي ان يكون هناك مقياس واحد للنشر ، وواحد فقط وهو الجودة ، وتميز الاثر بخصائص الجدة والابتكار والجدوى ، ويدفعني هذا ، الى الحديث - بغير مناسبة - عن الجوائز التشجيعية ، التى أعلن عنها ، منذ مدة ، وتحصل عليها جمع مخضرم ، يشمل الشيوخ والكهول والشباب ، وهو اتفاق طيب ، كما ترى ، يرمز الى تواصل الاجيال ، وتلاحمها بالعمل ، الا ان ملاحظة ، ينبغى ان تقال هنا ، وهي التساؤل عن الجدوى ، من اسناد هذه الجائزة التشجيعية ، لواحد من كبار أعلامنا ، وهو الشيخ محمد الطاهر بن عاشور ، هل يحتاج الشيخ الى من يشجعه ، ليواصل عمله المثمر ؟ لقد بارك المثقفون ، منذ سنوات ، اسناد الجائزة التقديرية الكبرى له ، حين تقاسمها مع المرحوم ، العلامة حسن حسنى عبد الوهاب ، وكان الاولى الاحتفال بصدور كتاب ، يتعرض لحركة جهاده العلمي ، ويؤرخ لمسيرة عمله ، فى فحص جوانب متعددة ، من حياتنا الدينية واللغوية ، كما نهض تلاميذ الدكتور طه حسين ، بهذا العمل ، فى عيد ميلاده السبعين ، ونفس الملاحظة ، توجه كذلك ، الى اسناد الجائزة ، لكتاب بساط العقيق " لحسن حسنى عبد الوهاب ان الجوائز ، لها هدف مرسوم ، ينبغى ان تحدثه ، وهو دفع الحركة الادبية والفكرية لتنطلق وتشع ، وحفز الهمم ، وبخاصة منها الشابة ، لتتوفر على البحث والخلق ، وتعطى لنا ، ثمار عمل جاد طريف ، تزدهى به حياتنا الأدبية ، ولقد كنت أحب ، لو ان اللجنة التى اسندت الجوائز ، قد عللت لنا  رأيها ، فى الاختيار الذى أقامت عليه حكمها ، وبرهنت بالتحليل المركز عن جوهر عملها ، القائم على انطباق مقاييس نقدية معينة ، على الآثار المتنافسة لنيل الجائزة . ان هذا الامر ليحدث فى كثير من بلدان العالم شرقا وغربا

اشترك في نشرتنا البريدية