المنهل والاذاعة
عندما كنت أراجع بعض أعداد مجلة (( المنهل )) القديمة وجدت كلمة لصاحبها ورئيس تحريرها الاستاذ عبد القدوس الانصارى عن (( جمعية الاسعاف )) عندما كانت نديا للمحاضرات ، ونشرت الكلمة بالعدد السادس من السنة الرابعة طلب فيها أن تكون لنا (( محطة إذاعة لاسلكية )) تشارك صحفنا وندوة الاسعاف فى القيام بما تقوم به منابر الاصلاح من الدعوة إلى الخير وتوجيه الشعب الى العمل الصالح والدعاية لأمة شهد الله لها بأنها خير أمة أخرجت للناس
ويشاء الله أن يصح ما تكهن به الاستاذ الانصارى بعد تسع سنوات فنسمع أن الحكومة عازمة على تأسيس محطة تكون من أقوى محطات الاذاعة فى فى العالم ، وأنها قد احضرت الآلات اللازمة وأقامت البناء المطلوب للمحطة بجدة
وهذه خطوة طيبة من الحكومة ، إلا أننا نرجو من معالى وزير المالية الشيخ عبد الله السليمان الذى عرف كيف يستثمر كفاءات الشباب فى هذه البلاد ويبارك خطواتهم ويدفع بهم إلى الأمام - أن يختار لهذا العمل الجليل بعض الشباب المثقفين الأكفاء الجيدين فى اللغة ويوفدهم إلى مصر لدراسة فن الالقاء والتمرن عليه فى (( محطة الاذاعة المصرية )) حتى يستطيعوا أن يقوموا باعمالهم فى الاذاعة خير قيام ، فيلقوا الكلام إلقاء بديعا لا خلل فى مبناه ولا معناه ولا يلحنوا فى اللغة ، لأن اللحن فى نفسه عيب ، ولكنه من البلد الأول للعربية الفصحى أشد وأدعى إلى المؤاخذة واللوم
ولهذا يجب ان لا يكون فى الاذاعة إلا من كان جيدا فى اللغة وفى الالقاء صونا لسمعتنا الأدبية وكرامتنا اللغوية ، ولا يذاع الا ما استقام لفظه ومعناه ، لأن
البلد الذى ارتضاه الله ، فوضع فيه بيته الحرام وأنزل فيه الكتاب وأهبط به الوحي على خير نبى عليه الصلاة والسلام جدير بأن لا يلحن مذيعوه فى لغة القرآن .
مجلة الفكر الجديد
صدرت فى القاهرة مجلة جديدة اسمها (( الفكر الجديد )) لصاحبها محمد حلمى المنياوى ويرأس تحريرها الاستاذ مدرك الساوى ، ويشتر فى التحرير صديقنا الكاتب الكبير الاستاذ سيد قطب ، وهى مجلة تهدف إلى الاصلاح فى كل شئون الحياة وتعنى بالدين والعروبة والفضيلة ، ويكفى أن يكون فيها (( سيد قطب )) الذى وقف قلمه للجهاد فى سبيل الخير والحق ، لنعلم أنها مجلة أسست على التقوى وظهرت للخير وبرزت لخدمة العرب والمسلمين
ولقد اطلعت على أعدادها الأول فاعجبنى منهجها وطريق تجريها وتحررها إلا من قيود الدين ، وكان كل عدد خيرا من سابقه فى تبويبه وترتيبه ومادته ، وقرأت فى أحد هذه الاعداد مقالا أعجبنى كثيرا بعنوان (( الإسلام والنظم العالمية )) بقلم طه عبد الباقى سرو ،جاء فيه بعد كلمته عن النظم الاوربية والامريكية قوله : (( أما الإسلام فقد هدف أول ما هدف الى تكوين حياة روحية تماشى الحياة المادية فتحد من طغيانها وترقق من قسوتها ، وتلهمها الرحمة عند غضبها حياة عالمية لا تفرق بين الالوان والاجناس ، ولا تنقنع وراء الاهواء والغايات ، فهو اصلاح يبدأ بالنفس ، يبدأ من الداخل حتى إذا سلم القلب والضمير مشى التشريع الى الحياة ، ومشث معه الرحمة والعدالة كما يمشى الايمان والعبادة ، تخف بها المثالية الخلقية ، ثم يتحدد الهدف ، وهو السعادة والسلام للجنس البشرى بأسرهم ، الذى سخرت له الحياة وعليه أن يبتدع العلوم التى تكشف أسرارها وتمهد أكنافها ، على أن يكون هدف العالم السلام والرخاء لا الحرب والبعضاء ))
وقد أحسن الاستاذ طه فى كلامه وأوجز فيه ، ما تنفد فى شرحه مئات الصفحات ، واختصر فى سطور قليلة مبادئ الاسلام ونظمه وتعاليمه وأهدافه الصحيحة فى أسلوب مركز واضح سهل
ونحن إذا تمنيا لهذه المجلة الفتية الكريمة الحرة ، الذيوع والرواج فانما نتمنى لها ذلك لأنها استهدفت الحق والخير والفضيلة والصراحة فى القول والاخلاص فى العمل ، وهى بعد جديرة بأن تصل الى كل بيت بدل المجلات الرخيصة التى تتملق الغرائز وتثيرها فى غير حياء
حمار الزمخشرى
ليس هو الزمخشرى الامام فى اللغة وصاحب ((الكشاف)) فى تفسير القرآن الكريم ولكنه صاحبنا الاستاذ طاهر الزمخشرى ، ناظم ديوان (( احلام الربيع )) المطبوع و(( أنفاس الربيع )) المخطوط ودواوين (( أزهار الربيع )) و(( أغانيه )) و(( أصدائه )) و(( أمانيه )) وغير ذلك مما يصلح ان ينسب الى الربيع وهذه الدواوين لم يكتب لها أن تخط بل هى ما تزال خواطر ومعان طائفة بذهن شاعرنا الذى ما يفتأ يغنى بالربيع صيفا وشتاء .
هذا هو الزمخشرى المقصود ، أما الحمار فهو حماره ومنسوب إليه ، وقد استطاع الحمار بلباقته وذكائه أن يدنو من الأستاذ الشاعر الناثر ويكون ذا شأن عنده حتى يستطيع أن يحمله على الاهتمام به والكتابة عنه للناس مترجما لغته إلى لغتهم ومصورا حديثه الذى أفضى به إلى ثور واسترقه الزمخشرى ونشره فى العدد ٢٣٦ من جريدة المدينة المنورة
أما الحديث فقد كان خلابا مغريا دل على ذكاء الحمار ووجود أدب وفلسفة فى عالمه ، كما دل على أنه حمار كثير العطف على بنى الانسان على الرغم من القسوة التى تناله منهم
الواقع إننى ارتحت حينما قرأت حديث الحمار المترجم إلى لغتنا بقلم الأستاذ الزمخشرى ، وشعرت أننى إزاء حمار مثقف طيب القلب حلو المعشر أنيس المحضر عذب الحديث ، وقد وددت أن أقرأ للحمار كثيرا لأننا أصبحنا كذلك الشاعر الذى يقول :
عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى وصوت إنسان فكدت اطير وهنا قرأت حديث الحمار فاستأنست به وأرجو أن يستمر الاستاذ الزمخشرى
فى استيحاء حماره ونشر أحاديثه العذبة فاننا لفى شوق إلى حديثه الممتع بعد أن مللنا كلام بعض الناس لما فيه من زيف وبطلان
عدد الجمال
أصدرت دار المعارف بالقاهرة عددا ممتازا من مجلتها (( الكتاب )) أفردته بالجمال، وقد كان العدد حقا عن الجمال ، وكل ما فيه يمتاز به ،حتى الغلاف فقد كان عنوانا طيبا للجمال ودلالة واضحة عليه ، إذ زين بصورة اكتملت لها الحياة وبشاشة الحسن والصباحة والحياة ، زين بصورة (( جميلة )) فاتنة تنطق بالوقار والحسن الخالب وتمد النفس بالراحة وتطلق للناظر الخيال ليحلق فى جو حالم بديع
وقد احتشد فى صفحات (( الكتاب )) أفذاذ عالجوا موضوعاتهم معالجة دقيقة وفقوا فيها توفيقا عظيما إذ وفى كل منهم ما بحثه ، وكان على رأسهم العقاد وصدقى
أما موضوع الأستاذ الفيلسوف عباس محمود العقاد فهو (( قيم الجمال )) تكلم فى الجمال : أهو موجود أو غير موجود ? وما هو الجمال ? وما أثره فى النفس ? وهل الجمال هو الحق والخير كما هو عند أفلاطون ? وتناول فى بحثه آراء بعض الفلاسفة القدماء والمحدثين بالنقد والتحليل ، وخلص منها جميعا إلى رأيه هو فى الجمال ، وكان هذا الرأى الذى ذكره اليوم هو ما رآه منذ عشرين سنة وذكره فى كتبه كالمراجعات والمطالعات ، وموجزه : (( أن الجمال هو الحرية )) ويصل اليوم إلى القمة ويقول :
(( ما من جسد جميل إلا وهو جسد غلب فيه المعنى على المادة، وغلبت فيه الحرية على الضرورة
(( وما من فضيلة إلا وهى فضيلة يغلب فيها الاختيار على الاضطرار ، فان فعلها المرء مضطرا فليست هى بخلق جميل
(( وما فكرة جميلة إلا وهى فكرة حرة طليقة من الغايات المريبة (( وليست الحرية هى مجرد الحركة ، لأن مجرد الحركة فوضى لا قدرة لها ولا اختيار فيها، وإنما توجد الحرية حين يوجد الاختيار
(( وما الأوزان والانساق وسائر النظم والأنماط التى تتصل بمظاهر الجمال ? )) هى مقاييس الحرية ؛ فالعقل الذى يستطيع أن يفرغ معانيه فى أوزان منظومة أوفر نصيبا من الحرية وأقدر على الاختيار من عقل يعجز عن هذا التعبير الخ ))
وليست هذه الجمل التى نقلناها هنا للتمثيل وإغراء القارئ بالاطلاع على مجلة الكتاب ليقرأ البحث كله ويقرأ ما حفلت به هذه المجلة العظيمة من بحوث رائعة ، بحثا فى الأدب أو العلم أو الفلسفة بل بحث فى كل هؤلاء ، ويزيد أنه شعر فيه من الجمال والموسيقى ما هو كفاء العدد الذي سمى باسم الجمال وأفرد له
أما الاستاذ عبد الرحمن صدقى فقد كتب عن ميلاد أفروديت رمز الجمال عند اليونان ما يشبه القصة وإن كان أعظم من القصة ، وقد استطاع أن ينقلنى إلى جو سامر مزخرف ، ويجعلنى أحس وكأننى أشهد هذا الميلاد العجيب وأبصر ذلك الجسم النامى الذى لا فضول فيه ، المصنوع من زبد البحر ، المصوغ من السحر ، المخلوق من الصفاء ، يخرج إلى الدنيا كما خلق فيبهتها بالجمال الفاتن الخلاب !
كنت أوثر أن أشرك معى القارئ فى اللذة فأنقل إليه ما أستطيع من قصة (( صدقى )) ولكنى لم أستطع لأن ما كتب وحدة تذهب التجزئة ببهائها وجمالها وروحها ، واذا كنت غير مستطيع النقل فاننى أدل القارئ على مجلة الكتاب ليستمتع بما استمتعت
وأسلوب صدقى عامة وفى هذه القصة على الأخص جمع السحر والفتنة والخلابة والجرس المعجب ، وهو أسلوب يشع منه النور والجمال ، وأننى لا أبالغ إذا قلت : إنه اسلوب معجب، وما اقول هذا لأن صدقى صديقى ، ولكنه الحق . وإذا لم أهب الصديق حقه فمن أهب ? !
وفى المجلة موضوعات شتى باقلام السادة الفضلاء : على أدهم ، وبنت الشاطيء ويوسف كرم ، وغيرهم تستحق ان يشار إليها ، ولكن المجال - هنا - ضيق فنعتذر إلى أصحابها الكرام
أما الاستاذ ((عادل الغضبان)) رئيس تحرير (( الكتاب )) فاننا نحييه على الجهد الضخم الذى أنفقه فى إخراج هذا العدد لأنه كان جهدا عظيما مباركا يستحق عليه من قراء العربية الثناء والتقدير .

