الفرق بين الشيوعية والاسلام ، أو الخلاف بينهما واضح صريح . ولست هنا بسبيل الموازنة بينهما ، وخلاصة ما أريد ان اقرره فى هذه الفاتحة من المقال هو ان الاسلام دين يكفل للفرد حقوقه فى جماعته ، وللجماعة حقوقها لدى الفرد وتعني هذه الحقوق حماية الفرد في نفسه وعرضه وماله ، وحماية الجماعة من أذى الفرد وعدوانه ، كما تعنى تقدير الكفاءات ، واثابة الاعمال بعدل وانصاف
والشيوعية - كما نقرأ ونسمع - ليست ضامنة هذه الحقوق . وهذا يكفى لان ينفر المسلم صحيح الاسلام من الشيوعية والشيوعيين . والى هنا أقف الكلام عن الفرق او الخلاف بين الشيوع والاسلام ، ليطمئن كل شاك أو مرتاب الى انى لست فما بقى من كلامى أمدح الشيوعية أو أؤيد الشيوعيين .
نحن الآن في نوفمبر وقد افتتحت هيئة الامم المتحدة دورتها السادسة في باريس فى أوائل هذا الشهر ، واستمع العالم شرقيه وغربية الى " الاتهام بالعدوان الذى تبادله الساسة الامريكيون والبريطانيون وحلفاؤهم من جهة ، والساسة الروسيون وأصدقاؤهم من جهة اخرى ، والى المقترحات والأراء التى اعلنها كل من الفريقين زاعما أنها هى وحدها سبيل السلام والرخاء ولكن أهم ما استمعنا اليه فى محافل هيئة الامم المتحدة هو دعوة المسيو
اوريول رئيس الجمهورية الفرنسية للاربعة الكبار " ترومان وتشرشل وبليفان وستالين الى الاجتماع والتصافي وحل مشاكل العالم وأزماته .
وليست هذه هى المرة الأولى التى انطلقت فيها دعوة من الغرب للتفاهم مع الشرق ، فقد سبقتها نداءات ورجاءات كان آخرها فى الخامس من اكتوبر الماضي ، عندما سلم سفير امريكا فى موسكو إلى وزير الخارجية الروسية اندريه فيشنسكى رسالة امريكة تحض السوفياتي " على تحسين علاقته بأمريكا وتسأله أن يتدخل أو يتوسط لحل ازمة الهدنة فى كوريا
وقد عرفنا الرد الروسي على الدعوة الامريكية . وهو ان روسيا ليست طرفا فى النزاع الكورى ، وان امريكا هى الطرف ، وانها تستطيع لوحدها ان تحل الازمة الكورية إذا اصدرت أمرها الى قائدها فى كوريا " ريد جوى بالا يتشدد ويتعنت فى مفاوضات الهدنة ومحادثات السلام
ومعنى هذا . ان الدول الغربية لا تتورع عن آية وسيلة ، وفي اية فرصة ان تتقدم الى الاتحاد السوفياتي ، داعية للتفاهم معه راجية التقرب إليه وأخيرا متلهفة على الاستراحة من مشاكساته وخاصماته ودسته ومكائده فى الحروب الخفية حرب كوريا ، وحرب الملايو وحرب الهند الصينية .
فلنفهم هذا جيدا ، ولنتدبره كثيرا ، ثم لننظر كيف تتهم الدول الغربية دول الشرق الاوسط ، عربية أو اسلامية ، بالشيوعية والشيوعيين ، كلما ثارت فى ايران ثورة على الاستعمار الغرب ، أو قامت في مصر قيامة بسببه او سارت مجموع المتظاهرين فى سوريا ولبنان لتأييد ايران أو مصر ! !
اذا كل هذا ؟ هل صداقة الشيوعيين حلال للدول الغربية وحرام على الدول العربية ان يبكي زعمها انها قوية بحيث لا تؤثر في جماهيرها الدعاية الشيوعية ، ونحن ضعاف فليس من رد عليها اقوى من قيام أحزاب شيوعية أو جمعيات بسارية معترف بها فى أمريكا وبريطانيا وفرنسا ، وهي الدول الغربية الكبار : في الوقت الذي لم توجد فيه هذه الإحزاب وهذه الجمعيات . فى أى بلد عرب أو اسلامي .
وفي الوقت الذي لا يوجد فيه عربى صادق العروبة او مسلم صحيح الاسلام
يرضى ان يستبدل بعروبته الابية ودينه الرفيع مذهب الشيوعية الالحادى الاباحي الذميم
ولكنهم أى ساسة الدول الغربية - لا يجدون فى أذهانهم وألسنتهم ما يدافعون به عن استعمارهم " لدول الشرق اوسطه وأدناه ، كلما هب شعب من شعوبه يطالب بحقه فى الحرية والاستقلال والسيادة - لا يجدون فى هذا المعترك الا قذف العرب والمسلمين بتهمة الميل الى الشيوعية النكران والا دعوى أنهم حماة الشعوب والدول من ظلمها ودكتاتوريتها ومفاسدها . كأنهم بريئون من الظلم والدكتاتورية والمفاسد ، التى ليس من فضح لها اقوى من وثبات الشعوب الشرقية ؛ وثوراتها على المستعمرين الغربيين
والآن . وقد بدأت مصر تنفض يدها من الدول الغربية ، وتقطع رجاءها من خيرها وبرها اللذين طالما وعدتها بهما - ووعدت الدول العربية أيضا فى الحرب العالمية الأولى ، والحرب العالمية الثانية
والآن وقد بدأت مصر تتجه الى المعسكر الشرقي . مستعدة لتلقي أية مساعدة تعينها على النجاة من الاحتلال البريطانى ، وتزودها بالأسلحة الحربية التى طالما منعتها عنها دول الغرب . ترضية لاسرائيل وخوفا عليها .
الآن نريد ان نقول ان مصر معذورة ، فقد انتظرت طويلا : وصدقت وعود الغرب كثيرا ؛ خلال نصف قرن ، وتحملت نكبات حربين عالميتين ؛ باسم المحالفة والصداقة . وفي الوقت نفسه نقول ان مصادقة مصر او اية دولة عربية لروسيا شبهة تمام المشابهة لمصادقتها لبريطانيا وامريكا وفرانسا من قبل . من حيث انها علاقة دولية ، مع فارق واحد : هو ان مصر جربت صداقة المعسكر الغربي ، وبقي ان تجرب صداقة المعسكر الشرقي .
ونقول ايضا : ان في ديننا الفاضل العادل ما يغنينا عن الشيوعية والديمقراطية على سواء
