الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8الرجوع إلى "المنهل"

شهر رمضان الذى انزل فيه القرآن

Share

الحمد لله الذي نزل الكتاب تبيانا لكل شىء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد اشرف المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين اما بعد فان القرآن كلام الله العظيم وصراطه المستقيم وحجته البالغة ومنهله الصافى ترده العقول ظماء فلا تصدر عنه إلا وقد رويت من سلسبيل المعرفة وتفجرت منها ينابيع الحكمة ، فينبغي لنا معشر المسلمين أن ناخذ ما أوتينا من القرآن العظيم بجد وعزيمة ، ونكثر من تلاوته بالتدبر والاعتبار مع العمل باوامره واجتناب نواهيه . ولا ينبغي لنا التثاقل عنه والتهاون به بحيث تمر بنا السنة كلها ولا نختمه مرتين على الأقل ، فقد روى عن الأمام أى حنيفة رحمه الله تعالى أنه قال : "قراءة القرآن كل سنة مرتين اعطاء لحقه لان النبى صلى الله عليه وسلم عرض على جبريل عليه السلام فى السنة التى قبض فيها القرآن مرتي".ن وكان جماعة من الصحابة رضي الله عنهم يختمونه فى كل اسبوع مرة ، وكان كثير منهم يكره أن يخرج يوم ولم ينظروا فى المصحف ، فاذا قرأ أحدنا فى كل يوم حزبا واحدا يختم القرآن فى العام ثلاث مرات ، فما المانع أن نجعل ذلك وردا فى كل يوم وهو لا يشغل من الوقت إلا يسيرا ، وكم يضيع الغافل وقته فى اللهو واللعب وفيما لا فائدة فيه؟! ومن كان أميا لا يقرأ فليسمع من قارئ فان السامع شريك القارىء فى الأجر .. أخرج الامام ابن حيان باسناده عن أبى ذر رضي الله عنه قال قلت يا رسول الله زدني قال : عليك بتلاوة القرآن فانه نور لك فى الأرض وذخر لك فى السماء وعند مسلم عن النبىصلى الله عليه وسلم اقرؤا القرآن فانه يأتي يوم القيامة شفيعا لاصحابه . وعند مسلم وابى داود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ما اجتمع قوم فى بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم الانزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده . وينبغى أن

تكون التلاوة بالترتيل وهو التمهل وعدم الاستعجال لقول الله تعالى لنبه صلى الله عليه وسلم (ورتل القرآن ترتيلا) قال ابن عباس رضي الله عنهما : اى بينه ، تبيينا ، وقال الضحاك : اقرأه حرفا حرفا .. وعن على رضى الله عنه : الترتيل تجويدا لحروف ومعرفة الوقوف ، ووصفت ام سلمه قراءة النبى صلى الله عليه وسلم فاذا هي تنعت قراءة مفسرة حرفا حرفا ، كما أخرجه ابو داود ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما :

"لأن أقرأ البقرة وآل عمران ارتلهما أحب إلى من أن أقرأ القرآن كله هذرمة" وقراءة القرآن بالاصوات الحسنة، أوقع فى القلوب وأشد تأثيرا وأرق لسامعيه لكن هذا اذا لم يخرج عن حد القراءة بالتمطيط فان خرج عن حد القراءة بالتمطيط والنقصان مراعاة للالحان كان ذلك حراما تنزيها للقرآن عن التشبه باحوال اهل المجون والباطل "انه لقول فصل وما هو بالهزل" وقد اخرج ابن ماجه باسناد جيد عنه عليه الصلاة والسلام قال : "اتلوا القران وابكوا فان لم تبكوا فتباكوا".. قال النووى : وطريق تحصيل البكاء أن يتامل ما يقرأ من التهديد والوعيد الشديد والمواثيق والعهود ثم يفكر بعد ذلك فى تقصيره فان لم يحضره عند ذلك حزن وبكاء فليبك على قسوة قلبه فان ذلك من أشد المصائب قال الشاعر :

على نفسه فليبك من كان باكيا    وليس له فيها نصيب ولا سهم

وينبغى أيضا حضور القلب عند التلاوة وتدبر المعانى ليفهم عن الله مراده وما فرض عليه وهذه هي الثمرة من التلاوة ، قال على كرم الله وجه "لاخير فى عبادة لا فقه فيها ولا خير فى قراءة لا تدبر فيها" واذا لم يتمكن القارىء من التدبير الا بالترديد فليردد الآية فقد اخرج النسائى وابن ماجه بسند صحيح عن ابى ذر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام ليله بآية واحدة يرددها وهي : (إن تعذبهم فانهم عبادك وإن تعفر لهم فانك أنت العزيز الحكيم) أما العوام .. والنساء الذين يقرؤون القرآن من غير فهم معانيه وان كانوا يثابون ويؤجرون على تلاوتهم فان الله سبحانه لا يضيع أجر من أحسن عملا الا انه دون الاجر المضاعف الذى يفوز به المتديرون . فينبغي لكل مؤمن اذا قرأ او سمع اية من كتاب الله عز وجل أن يبحث عنها إما بمراجعة كتب التفسير ان كان عالما

أو بالسؤال ان كان عاميا فان القرآن العظيم إنما انزل للتدبر والتذكر : قال الله تعالى : (كتاب أنزلناه اليك ليدبروا آياته وليذكر أولو الالباب ) وليحذر المؤمن أن يكون كتاب الله تعالى أهون عليه مما إذا جاءه كتاب من بعض إخوانه إذ تراه يقرأه ويتدبره حرفا حرفا واذا اغلق عليه فهم شىء من معناه تراه يسأل القراء الحاذقين لئلا يفوته شئ من فهم مراد أخيه ، فهل كتاب الله تعالى أهون علينا من ذلك ؟! . وقد كان السلف يتكبدون العناء الطويل فى فهم آيه واحدة فقد روى الشعبى عن مسروق أنه رحل فى تفسير آية من البقرة الى البصرة ، فقيل له : إن الذى يفسرها رحل الى الشام فتجهز ورحل الى الشام حتى تعلم تفسيرها . فينبغي الاعتناء بفهم معانى كتاب الله تعالى وعلى الخصوص حفظة القرآن العظيم فقد قال القرطبى ما أقبح بحامل القرآن أن يتلو فرائضه واحكامه عن ظهر قلبه وهو لا يفهم معنى ما يتلوه ولا يدربه . وينبغى أيضا للقارىء عند تلاوته أن يعلم أنه هو المقصود لكل خطاب قرآنى ، فاذا سمعت ايها القارىء الكريم وعدا فارغب فى ثواب ربك لكريم ، واذا سمعت وعيدا فارهب من بطش سريع الحساب ، واذا قرأت أمرا أو نهيا فاعلم أنك أنت المنهي والمأمور ، واذا سمعت قصص الاولين فاعتبر بها واشهد كمال قدرة المنتقم الجبار ، فمولاك منزل القرآن يناجيك بكتابه ويشرفك بتلاوة خطابه فعند تهديده تضاءل حتى تكاد تموت من الخوف . وعند ذكر مغفرته استبشر فرحا برحمته وعند ذكر اوصافه تواضع خضوعا لكبريائه و جلاله . وعند ذكر الكفار وعقائدهم ووصف الله بما لا يليق نزه الهك واستحى من مقالتهم ، وعند ذكر الجنة وحورها تكاد تطير شوقا اليها ، وعند ذكر النار ونكالها واغلالها ترتعد فرائضك خوفا منها . قال تعالى : (ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق) واخرج الترمذى عن بهز بن حكيم قال : "صلى بنازرة بن او فى صلاة الفجر فلما تلا: (فاذا نقر فى الناقور) شهق شهقة فمات . وقد قال تعالى :

(الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم الى ذكر الله) وليشترك فى تلاوتك لسانك وعقلك وقلبك فحظ اللسان من ذلك تصحيح تجويد الحروف ومعرفة الوقوف .

وحظ العقل تفهم المعانى لما تتلوه، وحظ القلب التدبر والتأثر، فاللسان يرتل والعقل يترجم والقلب يتدبر والعين تدمع والجوارح تخشع والله لقراءتك يسمع .. هذه تلاوة القرآن حق تلاوته

هذا وقد اظلنا شهر القرآن وهو شهر رمضان ، وان شهرا أنزل فيه كتاب عظيم يملأ العقول حكمة والقلوب طهارة . لذو طلعة مباركة ومقدم مبارك كريم :

فلنقرأ القرآن ولنزهو به           لنهيئ الجيل الجديد المقبلا

ولنحفظ القران ولنحرص على    ما فيه من خير وأن حدنا فلا

وكتابنا دستورنا وعلومه            تروى العقول ثقافة وتكافلا

ما جاء نظما للعبادة وحدها       بل للحضارة والسعادة والعلا

أما الكرامة فى الحياة فانها          اهدافه العليا وسنة من خلا

السلم والاسلام معنى واحد       روحان فى جسد الحياة تمثلا

ومن الكرامة أن تكون اعزة        بديارنا متعاونين تكتلا

ونذود عن اعراضنا ونفوسنا        بدمائنا لننال حظا اكملا

وفق اللهم المسلمين لتلاوة كتابك الكريم على الوجه الذى به ترضى .

مكة المكرمة

اشترك في نشرتنا البريدية