غاض دمع الوجد من مقلتـــــه ( ٢ ) وغفت عيناه من فرط البــــكاء
رحمـــة الله على طلعــــته كيف ولى مسرعا ذاك البهاء
غاله الدهر فأصمى وغـــــدر وانثنى لم يغنه طول الحذر
وتولاه ســــهاد مستـــمر ثم ولى وجهـــه شطر القمر
ذاهلا يشكو تصاريف القدر
ومضى يسبــــح في غفوتـــه علــــه يسلم من بحر الشقاء
كيف ينجو من لظى شقوتــه بائس يبكى عليه البؤساء ؟
أدمع الشيخ وليست كالدموع توقظ الأشجان في القلب الوديع
وتثير الشجو ما بين الضلوع يتجلى الذل فيها والخضــوع
فيعود الشيخ كالطفل الرضيع
كيف لا يذرف من عبرتـــه أدمعــا حرى كما تبكى النساء
وهو قــد جر على أمتــــه وعلى الأوطان أنواع البلاء ؟
ضيع الملك ولم يحم البـــلاد ما وفى بالعهد في تلك البلاد
فترامى الناس فى لج الفساد وتفشى الضعف في الكل وساد
وعدو الله من ذاك استفاد
قدنــــا يفتك في جيرتـــه فتك ذى ثأر بعزم ومضاء
هل رأيت الليث في وثبته كيف يسطو ويبيد الضعفاء ؟
أيها النائم عن ارث الجدود أيها الغافل عن تلك العهود
أين أبطال الوغى ؟ أين الاسود ؟ أين من يحمى الحمى أين الجنود ؟
من شهيد يرتمى اثر شهــــيد
يتــــلقى الموت في ســـكرته باسما يرنو بفخر للسماء
هادئـــا يحلم في ضجعته بنعيم الراحلين الشهـــداء
أين من ينقذ ذاك الوطنا ؟ يبذل الـــروح فداه ثمنـــا
أين من يحميه من هــذا الضنى ويقيــه - لا يبالى - المحنا
وينادى صائحا : هذا أنا
أين من يسعى الى نجدتــــه بفؤاد ثابت يهوى الفناء ؟
يركب الاخطار في نصرتــه يحمل الاخلاص دوما والوفاء ؟
قد علا من جانب الوادى الجواب كهزيم الرعد ما بين السحاب
يا بلادى فانظري لمــع الحراب واسمعي الابواق تدعو للركاب
في جبال وسهول وهضاب
من هو الصائــــح من لجته ثائرا للحق يعلو في النداء ؟
يوقظ الاسماع في صيحتــه يملأ الارض صياحا والفضاء ؟
ذاك ( موسى ) بطــل الاندلس ثائر في حربــــه لم ييـــأس
ماجد العرق أشـــم المعطس هب في أمتــــه كالبيهس
ودعاهم صائحا لم يهمس
خافت الأبطــــال من صولتـــه فترامت تحتمى تحــت اللواء
واستظل الكل في رايتـــه بين حب وســــرور ورجــــاء
لم يطق ذاك الفتى عيــش الهوان وحياة الذل في أرض الجنان
بعد عز غــاله ريب الزمان ومحته طارقـــات الحدثــــان
فانبرى للخطب في حد السنان
ليثير الشعب من غفوتــــه فيفك الناس قيد الاقويــــاء
لا يني يشتد في دعوتـــه صابرا حتى يرى سيل الدماء
يذكر العز التليد الغــــابرا يذكر الماضى ومجدا عاطـــرا
كم قضى في الذكر ليلا ساهرا كم همت عيناه دمعــــا حائرا
واجما حينا وحينا زافرا
كلما استوثق من شقوتــــــه حن للموت حنين التعســــــاء
كل ما يأمل من عيشــــته ميتة بعد نضـــال وعنـــاء
هب كالليث الى ساح القتال سائقا للحرب أبطال الرجـــال
راسخا كالطود لا يخشى الزوال ممعنا بين جهاد ونضـــــال
في اختيال وجمال وجلال
لم يزل يبعث في حملتــــــه روح عزم وثبــــات وبقــــاء
ظل حتى لاح في ساحتــــه علم النصر بفخر واعتــــلاء
كتب النصر لذياك الحسام بعد حرب وقتـــال وضرام
وحلا للعرب فيها الانتقام جال في أنحائها الموت الزؤام
تحت جنح الليل في ثوب الظلام
هلل الثـــــائر من فرحتــــــه ومضى يشدو أفانين الغنــاء
غـــادر الميــدان في ليلــته طافح القلب ببشر وصــفاء
غلب الافرنج أســد العرب بالقنـــا السمر وحد القضب
بيد أن الدهر رب العجب كان يبدو ضاحكا عن كثــب
جعل النصر كبرق خلب
وانبرى يجمع من عدتــــــــه حاملا للعرب أحكام القضــــاء
ثم غالى بعد في شدتــــه حيث لم يترك سبيلا للنجاء
لعبت في القوم أيدى الخائنين فاشتروا بالمال نصر الفاتحين
في سبيل الغاشمين الظالمين فطوى الموت حياة المخلصين
وطوى الموت حياة المجرمين
وثوى الغاشم في وحدتــــه ظافرا لكن بفضـــل السفهاء
وأطل الــدهر من عزلتــه باسما يصغى الى همس المساء
( الرياض )

