... ان كنا سنكتفى (* ) بتبيان شواغل الادب التونسى فانى اعتقد ان ما تنصرف له القريحة اليوم فى هذه الديار على اختلاف الفنون الادبية هو ولا شك يتأثر فى جوهره وهيكله مع ما يدب داخل الفكر الشرقى والغربى عموما وفحص مدى التأثر وابعاده سيظل امنية قد تسمح لها مجالات اخرى افسح .
- ولزاما هنا ان نفرع البحث الى بابين اساسيين تنطوى تحتهما فروع ومسائل مبتدئين بالشعر وموضوعاته وما شمل رواده من تفرع حول مضامينه وما انتابهم اليوم من صراعات هادئة صامتة غالبا حول اصدقه وافصحه موضوعا وما انتابهم من صراعات حادة احيانا حول ما يسمى شعرا وما لا يسمى شعرا لان رسالة الشعر وغاياته ما زالت مجال صراع وعراك فكريين . وديمومة هذا الصراع تبرز فى جلاء وسمو خلود المتصارع حوله . ولو لم يكن كذلك لتلاشى بين ايدى المتخاصمين والمتهارشين منذ زمان . وسيشمل الحديث ايضا وسيلة العرض لغة وتنغيما وتقطيعا وتقسيما واود ان اهمس فى آذان الحاضرين أن موقفى فى كل ما سأذيع بينكم تحليلى وتسجيلى اكثر منه كشفا لموقف وتغليب شق عن آخر ، وان استشف بعضكم ميلا او تحبيذا لصنف دون آخر فليعتبره نزوة والانسان موطن النزوات وإن كان مطالبا بحربها وصون نفسه عنها .
الموضوع الشعرى :
ان النقد الحديث اتاح للشعراء الوجود كله وبسطه بين ايديهم ليهبطوا هبوطه ويصعدوا صعوده وينعرجوا منعرجاته ، وقد رفض النقد الحديث دوران الشعر فى بوتقة ضيقة محدودة ومن هنا كان تحديد الموضوع الشعرى ضربا
من المحال ، وخرافة وهمية قديمة لم يقبلها انسان اليوم كما ثار عليها طلانعيو الامس . غير ان شعرائنا ونقادنا - وقد اعطوا حرية الموضوع - راحوا يتحاورون فى رسالة الكلمة شعرا ونثرا ويتباينون فى تقييم وظيفة الشاعر بعد ان تجادلوا هل له وظيفة فى الوجود الانسانى . ومهما وضعوا لانفسهم من تحديدات اجتماعية او اقتصادية او سياسية اوفلسفية محدودة فى اطار عربى او اسلامى او مغرب او شامل للاطار الانسانى المتنكر للون والجنس واللغة والحدود والقيود فانهم انزووا بانفسهم احيانا ورسموا مآسيهم وتأوهاتهم الفردية او ابتساماتهم الشخصية ؛ وانى اعتقد أن هذا الانطواء مهما كان انانيا فلن يشذ فى ابعد ابعاده عن جوهر الانسان لان الكائن البشرى مهما رجع باحلامه الى كهفه الباطنى ومهما حاول ان يتخلص من القواعد المرسومة فهو واقع ضمن المعين الانسانى والجوهر الاصل الذى اليه مرد كل النفوس رغم تنكر البعض لهذه المواقف الشعرية ولو انها صدرت عن نفسه فى سائر الايام .
ومهما كانت وعورة الطريق التى التزمنا قطعها امامكم فيمكن ان نرجع شواغل الشعر القائمة فى ظرفنا الى العناوين التالية :
1 ) الشعر السياسى :
ان رجال السلطة يقسمون السياسة الى داخلية وخارجية والتداخل بينهما حتمى وتأثيرهما فى بعضهما ضرورى ، والشعر السياسى كذلك يخضع لهذه المفاهيم ، فمنه ما يتناول الداخل وما يلم به من احداث يراها الشاعر بعينه الباطنية وهو ما يسمونه - تجوزا - قوميا لان القومية قد تشكل اكثر من اقليم ؛ ونفس الاشكال ان سميناه وطنيا لان الوطنية قد تتعدى التقسيم الجغرافى الوضعى ؛ ولهذه الاعتبارات افضل أن انعته بالشعر السياسى المحلى . وهذا النوع من الشعر وان كانت جذوره تمتد فى القدم الا انه قد اخذ اصباغا وازياء عديدة وفقا لحالة البلاد السياسية ويقود هذا الشعر غالبا اكبر الشعراء سنا وهم الذين وعوا الحالة السياسية وعيا ناضجا وعاشوا افراحها واتراحها وقد ترجمت لهم العكاظيات وروت اشعارهم ومن بينهم احمد اللغمانى وسويلمى بوجمعة ومحمد الشعبونى والطاهر القصار والشاذلى عطاء الله ومنور صمادح ومحمد مزهود وجلال الدين النقاش وعبد العزيز طريفة وغيرهم .
وهؤلاء الشعراء يواكبون المواكب الرسمية الدينية والقومية ويسجلون فى
معلقاتهم الاحداث مباركين ما انجز منها مهللين بما سينجز داعين من صميم مشاعرهم الى طول نفس العكاظيات مؤمنين بان مثل هذه المواقف التى تتكرر هى نصرة للحرف والكلمة اللذين طالما غبنهما المستعمر وألجم اصحابهما . وتسجل تلك المطولات مواقف الحكومة والحزب ومراحل التخطيط السياسى داخليا وخارجيا ، وتطعم بتهانى الطبقات الشعبية وقد تطوع الشعراء - مشكورين - لحملها وتبليغها . ومن يتبع هذا النوع من الشعر السياسى المحلى يشهد استيعابه وسرده لمسيرة الدولة وتراعى فيه آداب المناسبة ولهذا كان ايجابيا يهنئ ويبارك . ويتصل به نوع آخر له رواده ويمكن ان نسميه بشعر المناسبات فقد يزور تونس رؤساء وزعماء او عظماء فى ميدانى السياسة والفكر فتنظم بحضورهم مواكب شعرية تبارك المقدم وتذكر المناقب كالعكاظية التى اقيمت بمناسبة زيارة الرئيس الجزائرى هوارى بومدين ارض تونس وقد شارك فيها عديد من الشعراء من بينهم الطاهر القصار وجلال الدين النقاش . وقد يحضر او يشارك وفد مختار من شعرائنا مؤتمر ! أو ملتقى خارج ارضنا فتلقى القصائد المسايرة للظرف والمناسبة لموضوع اللقاء كمشاركة احمد اللغمانى وجعفر ماجد ونور الدين صمود فى اعمال المؤتمر الثامن للأدباء العرب بدمشق . والمشاركون فى كل هذه المواقف يتهيؤون لها ويستعدون لانهم يعينون ويراسلون وهم الذين خيروا هذا النوع من الشعر لطول مراسهم له فباتوا لا يشق لهم غبار وكثيرا ما تحمل وسائل الاعلام اشعارهم للقاصى والدانى .
الارض السليبة :
كان الحرف ولا يزال يناضل ، وللحرف اليوم واجهات عديدة متنوعة وقد اقضت نكسة العرب ومأساتهم مضاجع ادبائنا فيعسر ان ينسحب شاعر من الميدان ، فكل الشعراء وان لم يحس بعضهم بعمق المأساة شاركوا اخوانهم جرحهم وقد اصاب القذى اعينهم فسالت عواطفهم وتفتقت صدورهم فاعلنت عن تضامنها وصمودها ضد الضيم واشكال الظلم . ورغم هذا التجاوب فلم نجد من شعرائنا من التزم القضية الفلسطينية وانفرد بها انما كانت تثيرهم المواقف حسب ضراوتها او تدمى قلوبهم الذكريات حتى بات ربط القصائد بالاحداث والتواريخ يسيرا وهينا ففى 5 جوان من كل سنة تتكاثر على اعمدة الصحف والمجلات الابيات والسطور وكثيرا ما تقترن مآسى الشعراء وانقباضات نفوسهم بمأساة العرب وكثيرا ما تستر الشعراء - وهم يتصايحون - بستائر القدس وحيفا .. وتغلب على هذه القصائد روح باكية
ضعيفة مستضعفة وقد تقابلها زمجرة عاتية واصرار وعناد وصمود غير مفحم ولا مؤثر لولا اتفاق شعورى بين المستهلك والمنتج ولما للظرف الزمنى من تأثير - والشعر التونسى الفلسطينى قصير النفس متشابه الصور بسيط الاخيلة يتناول اللقطات الهيكلية العامة ؛ لا يتعمق الاحداث ولا يغوص وراء جواهر الاشياء ولولا تضمينه لبعض الاسماء المكانية لجاز اطلاقه على احداث اخرى ولن افسر كل هذا بقصور الشعراء او بفشل تجاربهم الشعرية او بفتور الاحساس انما ارجع ذلك لظروف سياسية مزمنة جعلت القضية فى تشعباتها غامضة والى بعد مكانى نتج عنه تصور محدود لارض المعركة ؛ فصيحة شهيد للميدانى بن صالح تستعرض انواع التمزق والتعذيب التى يعيشها العربى وتستصرخ من انتصبوا حكاما بين الامم وتنتهى بوضع اصابع الشاعر على سر المأساة الكامنة فى جنسه العربى المضام فقال :
... يا هيئة الشعوب والامم ..
ومسرح الصراخ والالم
يا مجلس السلام والكبار
يا بائع الصغار
من ذبحوا ومزقوا ، فى وضح النهار ..
واصبحوا حطب
فى فرن لص ماكر يزيف الذهب ..
يا منبر الخطب ..
اذنبنا انا وجدنا واسمنا عرب ..
نؤمن بالانسان والاخاء والكتب
لا نعرف النفاق والخداع والكذب
ولم نزيف ابدا سبائك الذهب ..
لكى تباع ارضنا بدون ما سبب ..
وتصبح الوقود والرماد والحطب
فى فرن لص ماكر يزيف الذهب
يرتل الكذب ..
ليذبح الصغار ظلما من بنى العرب ..
( مجلة الآداب - عدد 4 - 1972 )
واذا رانت على قصيدة الميدانى روحه الكهلة فعمتها مسحة عقلانية تتحسس الاحداث فى واقعية رصينة فان الهادى عبد الملك دفعته روحه الشابة الى
الصمود والتحدى فى مقطوعته ( قصيد بصوت شاعر فلسطينى ) التى اسمعكم منها هذا المقطع :
سأغنى سوف اشدو واصفق
رغم مأساة ارادوها فكانت
سأغنى لك يا دنيا واشدو
رغم جرح ودماء تتدفق
مزقت صدرى وما زالت تمزق
حالما ما دام لى قلب ويخفق
( العمل الثقافى - العدد 115 - السنة الثالثة - 31 مارس - 1972 - ص 12 )
واكتفى بهذين النغمين وقد قلت سابقا ان كل شعرائنا قد اثارت اشجانهم الملحمة الفلسطينية واقول الآن ان عديدا من الشباب حاولوا ان يجعلوا فلسطين ميدان تجربتهم الشعرية ومن المقطوع به ان المأساة الفلسطينية التى بدأت تتضح ابعادها ومعالمها اكثر وبدأت تفصح عن غايات سياسية عالمية اوسع من ان تكون حربا بين الفلسطينيين والصهيونيين ستظل على ممر وجودها وقيامها تدمى الشعراء وغير غريب ان تستأثر يوما بدواخلهم اكثر من الآن كما وكيفا ووسائل الاعلام الفلسطينية تزداد نضجا ووضوحا وانتشارا ويكون تصورى هذا منطقيا كلما قارنا مدى وعينا للقضية قبل عشر سنوات بمدى ادراك ومشاركة شعرائنا لها اليوم ولما بعد 67 على الاخص ويستجيب هذا التطور لملاقاتنا السياسية ايضا ..
الفيتنــام :
الواقع ان هذه الكارثة لم تستأثر بالنفوس الشاعرة استئثار سابقتها ولكنها على كل حال ويقطع النظر عن ( الاتجاهات السياسية ) فما يجرى هناك يكلم الفؤاد ويفصح عن تنمر الانسان ضد اخيه الانسان كما يبرز تناقض واقعنا المرير ؛ فصيحات السلم مبحوحة وفوهات المدافع ونيرانها مفتوحة ، ولم يتناول الشعراء تشريح القضية تشريحا واضحا ولم يتحملوا فيها رايا مبينا لاسباب عديدة وان شجت ضمائرهم النكبات المتكررة والمهازل الدامية كما اثارت فى نفوسهم احقادا وكراهية للحرب ومسعريها ؛ وهذا الشاعر جعفر ماجد يحدثكم عن نهر الميكونغ وما تحمله لجحه ..
واصل سبيلك واسق السهل والحزنا واجرف ضحاياك لا تطلب لها سفنا
جنازة الماء انغام يوقعها صوت من الصمت لا يستوقف الاذنا
يا نهر لوث جبين الارض من دمهم فالارض مذ بسطت لم ترو من دمنا
وتستعر نفس الشاعر وتجرفه شناعة الرواية فتثير اشجانه وتنزلق من داخله زفرات السخط عن حضارة اليوم فيقول :
حضارة اليوم لا يحيى بها بشر ان لم يكن ميتا فى ذاته عفنا
وتكتسح نفس الشاعر موجة من التشاؤم والتذمر نابذا واقعه واضعا بين ايدى الناس قلبه الغاضب معرضا بالرضوخ والاستكانة متخوفا من لعنة الاجيال وهنا يصبح نهر الميكونغ وروايته فرصة فتقت لسان الشاعر ليسخط وستارا تدرع به ليقذف بين زبد مده وزجره ما يضنيه ويقلقه وفى هذه الصورة الشعرية يبرز الابداع والطرافة أسا الشعر فيقول :
هناك مات شجاع صان عزته وآخر بسياط الذل مات هنا
هذا يمزقه جوع وينهشه وذاك فى دمه المسفوك قد عجنا
وثالث فى كهوف الليل ترقصه مليحة خلفت فى قلبه الشجنا
يا ضيعة العمر نقضيه بلا هدف مثل الضفادع واديهابها أسنا
نعيش فى غمرة الاوحال راضية ان نقنقت حسبت ان الحياة غنا
اواه من لعنة الاجيال لو علمت انا قتلنا بايدينا ضمائرنا
ان كلف الله نفسا فوق طاقتها فهذه الارض قد باتت لنا وطننا
( مجلة الآداب - ص 105 - ع 4 - 1972 )
المجتمع :
اذا كانت المقاصد السياسية التى اثارت قرائح شعرائنا من الشعر الواقعى وتتصل ببعض فروعها بالمصابين والمنكوبين كجائعى ومشردى الفيتنام ولاجئى وايتام فلسطين ومتضررى الحرب والتسلط فى كل مكان فان جوانب اخرى واقعية محلية او غير محلية قد اشجت حفائظ ثلة من الشعراء وتتشعب هذه الموضوعات الاجتماعية وتتشابك وتتداخل وتتأثر من بعيد او قريب بالظرف السياسى وتتوجه فى كشفها للعيوب الى علاقات طبقات المجتمع ببعضها كما تنطلق سهامها النقدية نحو المسؤولين وتسمو هذه اللقطات الاجتماعية احيانا فتتعدى الحدود الجغرافية وتشمل فى تجاوزها مهزلة الفرد
العربى خاصة والانسان عامة فهذا الشاعر احمد اللغمانى يتحدث عن تمزق العرب فى المؤتمر الثامن لادباء العرب المنعقد بدمشق ..
ألف عذر فان ما نحن فيه من اسى فوق هامنا منصب
وهوان يسومنا كل خسف وحياة تسبنا اى سب
وانقسام صرفنا به فرقا شتى فكل لفرقة او لحزب
( الفكر - س 17 - ع 4 - جانفى 72 - ص 5 )
هذه الشاعرة عائشة الخضراوى تقول فى ( اصرارها ) :
سأبقى احكى لاجيال
واجيال
عن انسانية حمقاء
تتقاتل غباء
عن انسانية تغزو القمر
وعباد فى الارض تموت
فى الجوع والفقر والمرض
تشرب الارض من دمائهم
( الفكر - س 17 - العدد 8 - 1972 )
وابن الواحة فى قصيدة ( حكايا ) صور انسانية الانسان التى هى اسمى من كل الفوارق فقال :
زعموا زعموا ، ونسوا ان الانسان برغم الميزة انسان
قد يبيض وقد يسود وقد يصفر وقد يعتريه لونان
قد يسكن اقصى الارض يحتل جبالا ليس تطاولها العقبان
قد يسكن فى جزر لا توجد فى رسم لم يعفسها قرصان
قد يجهل معنى الغدر ولقد يشعله الغدر كبركان
قد يبدو انسيا ، قد يبدو شيطان
لكن الباسل منهم والعاجز والكيس والجبار سيان
يدرون الحزن يدرون الفرح الساحر والتحنان
ويعج الشوق باعينهم للحب وللقرية للخلان
من منهم يجهل ان النور لكل الناس ؟ وان لكل الناس مكان ..؟
من منهم يحتقر الارض ؟ ومن منهم ينسى الوقت ولو لثوان ..
( العمل الثقافى _ ع 162 _ 26 ماى 1972 )
وقد يعود هذا الفيض الشعورى الذى اتخذ المجتمع هدفا الى دوافع وطنية قديمة احست بان التونسى كان يستبعد فى ارضه ويجور الحكام فى معاملاتهم له فكان تنبيه العمال وتصوير الغبن والمهانة اللذين يرزحون تحتهما ، كما ان التفكير الاشتراكى العادل والبحث عن خلق سياسة تقلل من تفاوت الطبقات الذى ينادى به عديد من المفكرين والادباء فى الشرق والغرب له دور فى لفت نظر شعرائنا الى محرومى هذه الديار ولعل نهج الدولة للسياسة الاشتراكية وما اعترى ذلك من احداث ودعوتها الى الاهتمام بالضعاف ومحاولتها توفير فرص التكافؤ والمساواة بين المواطنين قد يكون كل ذلك سببا فى استفاقة اهل الحس الطيب ليوجهوا قرائحهم واقلامهم الى غير المحظوظين والى معالجة الانحراف أينما ظهر .
فهذا الشاعر الطاهر الهمامى يتحسس فى لوعة ضياع الاطفال مستوقفا من تلفهم الاضواء الزرقاء والستائر الحريرية ليروا من حولهم .
أو يتسلل داخل مكاتب ممنوع دخولها ويرسم فى سخرية واسى ما ينهمك الموظفون فيه مؤجلين مصالح غيرهم الى غد او بعد غد .
والراجح عندى ان هذه اللقطات الاجتماعية وغيرها وان مثلت اليوم مدرسة تلتزم المجتمع وتعنى بتعرية عيوبه فدوافع كل ذلك حس مرهف ومحبة صادقة للانسان وشعور وطنية فياض ينشد الافضل والاسمى ويعترضنا الشاعر محمد الشعبونى متحدثا عن حبه لبلاده فيقول :
انا لبلادى ما حييت لسانها اذود بشعرى عن حماها وانطق
وما اشترك البانون الا لغاية هى الفرحة العظمى رخاء ورونق
وما هى اثراء ولا هى سطوة ولا هى لهو او شراب معتق
هى العيش ما بين الجماعات وحدة يشد قواها شعبنا ويوفق
فشارك وكابد وامتلك غير كافر بحق ضعيف يستغيث ويشهق
الصباح - ( 4 / 6 / 1970 )
وقد دعت هذه الفئة من الشعراء الى الاقتلاع عن الانزواء وحملت غيرها كما حملت نفسها مسؤولية الذود عن المستضعف فالميدانى بن صالح أبى الا ان يكون صيحة الكادحين يوم قال :
شعرى لهاث الكادحين على الدروب
شعري أهازيج الشعوب
من صارعوا الامواج والبحر الغضوب
من غالبوا الاقدار واقتحموا الخطوب
من عبدوا الطرق المديدة فى الجبال
وفى الصحارى والسهول
( الآداب - ع 4 - 1972 )
وتطرفت ثلة من دعاة الواقعية ورفضت فى عنف وسخرية ان يكون الشعر وجدانيا او رومنسيا فى مجتمع ما زالت العدالة الاجتماعية غير متوفرة فيه فاعلنت ان الشعر الحق هو الذى ترى فيه عرق الفلاح يتلألأ على جبينه وهو يحرث ارضه او يزرع وهو الذى يروى حكايات الكادحين فى كل مكان فرفض الطاهر الهمامى ان يكون غير واقعى .
ودفعت الواقعية الشاعر الشعبونى ليستوقف الاثرياء مصورا لهم غيرهم من البؤساء تصويرا يعج منه الاسى والمرارة ..
يا مالكا فاضت فيوض جيوبه وأدار عن أمواله المفتاحا
ان أنت عشت كما اردت فهات من فيض الفيوض لعاجز قد طاحا
كفكف دموع البائسين تعطفا وانزع عن البيت التعيس نواحا
شتان بين منعم فى داره ومن استدان ليشترى المصباحا
امن المروءة ان اعيش منعما وأخى يعيش مع الحذا مساحا
بالواقعية والمرونة والحجا نبنى الحياة تقدما وصلاحا
( العمل - 21 نوفمبر 1969 )
وغلو بعضهم فى الواقعية حدا به الى تبسيط لغته وتيسير عباراته وكشف صوره وتقريب اخيلته حتى افرط فنثر فى اشعاره مفردات من لغة الكادحين ليكون الشعر خبزا للكثرة الساحقة من الناس ايمانا منه انه قد آن الاوان ان نمزق الغلاف السحرى والضباب الوهمى الذى يعجز عن فضه الذين ما زالوا بتهجون الحرف وهم اجدر الناس بالرعاية والدفع والمخاطبة . - وقد التزم هذا الاتجاه اغلب شعرائنا الشبان فراحوا فى لقاءاتهم الادبية يرفضون من حلبتهم كل شاعر يحدثهم عن ليلاه او يشكو بين ايديهم ارقه واوصابه ما دامت الجماعة لا تذوب فى قوافيه . وقد دعم هذا الاتجاه مافتح من مجالات القول ومن الشعراء المعروفين الذين اقبلوا على هذا المنهج وباركوه وناصروه فى جدلهم وقصائدهم : احمد القديدى والميدانى بن صالح ومحيى الدين خريف والطاهر الهمامى وفضيلة الشابى وغيرهم كثيرون ..
لا نستطيع ان نستوعب الجوانب الاجتماعية التى اوقفت هؤلاء الشعراء فقضاياهم تعددت وتنوعت وقد تكون رؤاهم عامة تحدثك عن تزييف القيم دون ان تفصح ، او تنشد مثلا دون ان تعين . فهذا احمد القديدى يبتهل الى حبيبته ويتوق الى رؤيتها سليمة معافاة فيقول :
أهواك يا حبيبتى
أهواك فى انبثاق الفجر والنهار
أهواك فى عدالة القضية
قضية الشعوب تنفض الغبار
قضية التاريخ مزق الدجى وثار
أهواك يا ميلاد عالمى المنهار
أهواك يا معبودتى الحرية
أهواك يا معبودتى الحرية
( الآداب - ع 4 -1972 )
وكثيرا ما داعبت لقطات النقد العادات والاخلاق وضعف الشخصية التى سارعت الى التقليد ودوس الاصالة ففى قصيد ( فى دروب الازمنة القادمة لنور الدين صمود ) ( الآداب : ع 1972/4 ) وقفات ثرية ناجحة .
ويشتد تشاؤم الشعراء من واقعهم ويمقتون ظروفهم فتحملهم احلامهم على تصور الغد الافضل ويمزقهم قلق وضياع ويتيهون فى المطلق وتسود رؤاهم وتكتسح نفوسهم موجة الرفض والمعارضة متحدية النواميس المرسومة كافرة بالمالوف مؤمنة بالثورة ، الثورة التى تخلق الجديد ويجهدون قرائحهم وراء صيد الزلات والنقائص متخيلينها احيانا ليكونوا طلائعيين ومن هنا كان قلق بعضهم ورفضه اطيافا عابرة مواكبة لسنه المتدفق ودمه الحار فلا يؤمن بما يلهج به انما يفترض القلق والرفض على ذاته وعلى واقعه الحياتى الذى يراه يناقض ما يحلم به فتجد فى قوافيه فتورا او تعسفا وترى صوره ضبابا واشباحا واهية وانطلق آخرون فى رفضهم عن ايمان واصالة فيفحمون ويؤثرون لانهم آمنوا بحق بحتمية التطور والتفجير ، ولا اود ان ازج بنفسى فى هذا المنعرج الخطير فقد آليت على نفسى ان اقف بينكم موقفا تحليليا تسجيليا لكننى اردت ان اقول لثلة من هؤلاء القلقين الرافضين الذين يدعون تحطيم حصار وقعوا فيه ولم يضعوا فى بنائه الشامخ لبنة لقد اوقعوا نفوسهم فى قيود اخرى اغراهم بها غيرهم فهم يتهمون الضياع ولم تقو كلمتهم الشعرية على الايحاء ولم توقع فى القلب اى لحن او حس .. ويطالعنى زعيما للنقمة والشكوى المؤثرة التى استطاعت فيها الكلمة الشعرية المنتخبة الزاكية ان تفتح فى القلب جروحا غائرة جمال الدين حمدى وهو الذى اذاب شكواه وقلقه فى قيم
عامة مشجية رغم ما يتراءى فيها من اسوداد النظرة ولكم أن تسمعوا أنة حديثة من اناته فى (( قبضة الحديد )) ( الآداب : ع 4 / ص 108 ) . ولو تساءلتم : ما يرفض الرافضون ، وما يقلق القلقين ؟ انكم لن تستطيعوا معى حصرا . رفض بعضهم الشعر العمودى والتزام التفاعيل رفض نواميس الشعر ورفض الشعر فقال احدهم :
قارص كلمى
وخداش كلمى
ونباش
وغير مزروع
فى أمهات الكتب
جاء يبشر بالحضارة الجديدة
لابس أزرقى
حامل فاسى
هابط مع الناس
خابط فى نفق
ومرابط
على حدود القلق
( العمل الثقافى - ص 12 - 14 افريل 1972 )
فالقلق بات مذهبا ودينا يرابط من اجله ويثيره ليرفض كل شئ كما رفضت جميلة الماجرى اشياء واشياء وتعنتت فى اصرار واصالة ملتزمة قضيتها عابثه ومستهزئة بعرف المدينة واوامر الاميرة انها تمقت ان تخضع او تستكين لانها آلت على نفسها مع رفاقها ان تثور فهى أقوى من ان تخنع للمقصلة ، إباؤها وكرامتها أصلب وأعمق من أن تنهار :
سيدى
سيدى السلطان احقد ما بدا لك
لن أعود
كى أصلى عند أقدام القضاة
انبذونى
علقوا اسمى على كل جدار
علقوا عنى تعاليقا مثيرة
خالفت عرف المدينة
جاوزت امر الأميرة
( الفكر - ع 8 - ماى 1972 )
وما اظن الشاعرة هنا الا مؤمنة عميق الايمان بما تصنع فكلماتها الشعرية تفجير وخلق وما اقدس هذه الرسالة التى تستهدف جسر للحب . وسويلمى بوجمعة يرفض رتابة الدوران لانه بات مألوفا وجامدا ولانه بات لا
يعاصر عصره وفى رفضه هذا ايمان بالانسان البناء وبروحه التى لا ترضخ ولا تهدأ لانها أقوى من الليل وأعنف من البحر وأمواجه :
الرحلة كانت أطول من عمرى
والليل الرابض يا أمى عند الشرفه
يترصدنى
صدى اصوات خلفه
تتوعدنى
الارض تدور ولكنى
سأغير دورتها
وسأغرق أمواج البحر
( الآداب - ع 4 - ص 125-1972 )
ورغم ما يكتنف هذا المشهد من رمز وايحاء فلا اظن احدكم لم يقو على استلهام ابعاد الكلمات العميقة فى الدلالة والواقعة فى مواقعها المختارة .
أود يا سادتى ان ارفض بعض الرفض الذى لم يكن واعيا ولا ناضجا وابارك ما كان ينطلق عن ايمان وابداع وهو ذلك الذى يستلنا من هدوئنا وسكينتنا ويقذف فى نفوسنا قلقا محببا ومستساغا وليعلم الرافضون انهم يوما سيرفضون ..
الوجدان :
اذا كان الفرد العادى قاصرا عن التعبير عما يهز مشاعره ووجدانه فان الشاعر مهيأ ليفصح عما تضرب له جوارحه وتهتز له ذاته وسيضل الفن الوجدانى قائما قيام الوجود وقيام الانفعال ولا أعنى بهذا الدعوة الى الانزواء والدوران فى قوقعة الفردية إنما المنطق يقتضى حتمية تفجر العواطف ازاء ما يلامسها من سخط او رضاء من حب او كراهية من خوف او رهبة .
واذا تعمق الشاعر فى التعبير عن هذه التموجات الوجدانية فانه ولا شك يعبر عن جوهر الانسان وتذوب بذلك الفوارق والفواصل فتتجمع النفوس فى ماهيتها الصافية النقية وما احوجنا اليوم فى هذا العالم المتصارع المتناحر الى شعراء يربطون نفوسهم بنفوسنا ويتجاوزون ذواتهم ...
وتماشيا مع هذا الفهم ارى ان الشعر الوجدانى فى اصله وصفائه شعر انسانى فليلى هذا الشاعر هى ليلى الجميع وان غايرت سواها فى الاصباغ
والقد . واذ اشتكى الشاعر من الضيم ورفض التجبر فكلنا يأبى الخنوع ويمقت الاعتداء واذا استضعفت أهوال الموت شاعرا فبكى ورثى فجميع بنى الانسان يروعهم الموت وان رجا شاعر فيض نعمة وسعادة حياة واشراق غد فنحن جميعا نتوق الى الافضل ونتطلع الى النور واذا استهجن واحد منهم نقائص وعيوبا جوهرية توذى الانسان فمن منا لا يبارك مسعاه ومن منا لا تطرب نفسه لفضائل تنشر ومحاسن تذاع وان اقلق شاعرا تناقض واقعه مع احلامه وابعاده فصور قلقه تصويرا ايقظ حسنا افلا نحمد فضله وقد وضع اصابع وحيه على الالم الساكن فحركه فلست ادرى معنى رمى الموضوعات الوجدانية بالكلاسيكية لأن الوجدان اقوى من الزمن ولن يقع فى قبضة دائرته ، لذلك ليس من الانصاف ان نرفض دون وعى وجدانيات الشعراء التى هى وجدانياتنا ، فرفقا فى الطلائعية والثورية وتبصرا فى النقد والتهجم والرفض .
وان تعين ان نرفض نوعا من الشعر فلن يكون الا ذاك الذى لم يقو فنيا ان يغزو مشاعرنا لانه مخلوق لم ينضج داخل رحم أمه فجاء سقطا وخلقا مشوها او ذاك الذى تنضح منه الانانية والانتهازية وهو الذى لا يقوى على مقاومة الزمن لانه بخور سرعان ما يتلاشى ويتشتت ولا يتجاوز حلقة زمنية ضيقة . والموضوعات الوجدانية فى شعرنا التونسى تنوعت تنوع ألوان الانفعال فقد اوقف الجمال ارواح الشعراء التى كانت بمكوناتها الجوهرية تتعشق الحسن والطرافة والجمال ؛ واى انسان لم تعمر قلبه عاطفة الحب ولم يكتو بنار الوجد وسحر العيون ؟ وهذا الشاب الهادى عبد الملك يتحرق هياما فيقول :
يا حبيبى قبلنا العشاق ضاعوا هدهم بحر واعياهم شراع
حملتهم هذه الدنيا وسارت وخطى الدنيا حثيثات سراع
فبعينيك احتضنى يا حبيبى واحتضان العين يحدوه ذراع
( العطر والرصاص - ص 18 )
وأهاجت الذكريات رياض المرزوقى فاذاع اسراره ونشر احلامه التى نسج اللقاء خيوطها فى الحمامات :
لنا فى الشاطئ المقفر لقاء اخضر اخضر
بلا اضواء افراح ولا طبل ولا مزهر
فاشرب ملء اضلاعى غراما قانيا احمر
( الفكر : عدد 6 - مارس 1970 )
وأشجى الشاعر البشير المشرقى بعد حبيبته فابتهل اليها يرجو عودتها فى قصيده (( عودى )) :
عودى فى الليل مع السهد فلكم القاك على البعد
عودى فى الليل معذبتى يكفيك الدمع وهل يجدى
عودى غازلت البدر أنا ونثرت الدمع مع الورد
وسكبت العطر هنا وهنا وارتاح الليل على زندى
عودى ما زلت احن الى ثغر افديه بما عندى
( الفكر : عدد 7 - افريل 1972 )
وقد استبدل الشعراء الاحبة قيما اخرى فركبوا الفن الغزلى وعشقوا عناصر اخرى ومفاهيم كانت عندهم ارفع واشرف فمحيى الدين خريف يناجى من هام فى حبها فى قصيده ( الحب أو النسيان ) :
ورأيتك جالسة يا من أهوى
لا المن أكلت ولا خبز السلوى
مسكينة انت
برغم الفتنة والوجه الساحر
ومواجدك الخضراء مع البحر الزاخر
عطشى للماء ..
( الملحق الثقافى - ص 16 - 19 ماى 1972 )
وقد غازل احمد القديدى الحرية وناجاها فى سره وجهره وكانت عنده اجمل غادة واخلص حبيبة وحمادى التهامى الكار رأى فى عينى من أحب اليأس فقال :
عيناى العالقتان بعينيك
ساعة الذبول
كانتا تبحثان عن أفق
عن قرار تذبح فى ارجائه مشانق الافول
( الفكر : عدد 6 - مارس 1971 )
وتشيع فى القصائد الغزلية صور كلاسيكية معروفة تحوم حول المفاتن الجسدية او المعانى الباطنية من وفاء واخلاص او خيانة وغدر وتترامى بين هذه
المعانى لقطات رومنسية خيالية تعتمد الطبيعة وابعادها ويلبس آخرون الحب معانى جديدة فيقرأون فى العيون الثورة تارة والتمرد والذبول والظما مرة اخرى كما يتعشق البعض فى قرب غادته رمز الاباء والانفة والخصوبة والاخضرار اللذين يحن اليهما وهذا الصنف من الشعراء يركب الغزل ليصل الى ابعاد أخرى لا يستطيع الوصول اليها بدون تلك المطية .
ولا يسعنى هذا المجال لاتحدث عن الغزل واهله حديثا اكثر تفصيلا وتبويبا ؛ وبايجاز فالشاعر انسان والانسان قديما وحاضرا ومستقبلا اضناه ويضنيه الوجد والهوى فاستجاب ويستجيب لما يعج فى نفسه . ولا يختلف شعراء الغزل إلا فى طرقهم وصورهم واخيلتهم وبذلك يتجلى سر الابداع والتوفيق .
واود ان اشير الآن الى لون آخر من الوجدانيات قد كثر وشاع ولعلنا قد أومأنا اليه عند حديثنا عن قلق الشعراء وأعنى به الشكوى والانين ويكفى ان اذكر فى هذا المقام مقطعا للشاعر محمد مزهود القيروانى واخترته عن سواه لان واقعه - حسب علمى - يبعده عن الانين ولكن نفس الشاعر الطموح تنشد الافضل وما أفضله الا أمنية كل انسان :
لا تسألوا عما يكابده بلواه ان ذكرت تعاوده
مضنى لواعجه تجيش به حيران ساهى الطرف ساهده
ان يكتم الشجن الملم به فعليه قد نمت شواهده
( الفكر : عدد 6 - مارس 1972 )
ومن الموضوعات الوجدانية التى عملت طبيعة ارضنا على نشره الوصف فصور البحر والاشجار والواحات والسهول وغيرها فتنت الشعراء فنثروها فى لوحاتهم كما خصوها بقصائد ومقطوعات . واكتفى بالحديث عن الغزل والشكوى والوصف مؤمنا ان موضوعات اخرى وجدانية حركت لواعج شعرائنا كالرثاء والاعتداد بالنفس وما الى ذلك .
الشعر :
الشعر شكلا ومضمونا يشغل اذهان شعرائنا ونقادنا وادبائنا عامة وقد سبقتنى بعض الاراء وفرضت على نفسها وأنا أتحدث عن شواغل الشعر الاخرى . وحول المضمون تتراءى مواقف عديد دعوة او تطبيقا ؛ فتطالعك فى بعض القصائد دعوات الى نبذ الاغراض الكلاسيكية والى التزام الواقع
تصريحا او رمزا والى تبنى قضايا الكادحين خاصة فالشاعر الحبيب الزناد دعا القراء ليعرفوه وقد وضع امامهم نفسه الشاعرة وما تنطوى عليه فقال :
ما ضركم لو عرفتم ما كذبى
وما لعبى
وما مسعاى فى الطرقات
وما الكلمات
أفوهها وتفوهنى
بها أنا مربوط
بأكثر من فعل ومن سبب
( د. المجزوم بلم - ص 61 )
اما الميدانى بن صالح فقد اذاع اكثر من مرة ان الشعر الحق هو الذى تجاوز مجارى الشعر القديم وهو الذى ادار عدسته نحو الذين لم تعرف ايامهم السعادة وديوانه قرط أمى يعج بهذه المعانى .
هذه اشباح وضعتها بين يديكم واعتقد ان لها فى نفوسكم ابعادا عميقة لمستموها وهى تحدد لمضمون الشعر مقاصد جديدة قرارها الواقع واعمدتها الثورة على الزيف والانحراف .
ونهج الشعراء نفسه والتزامهم الدائم عمليا لقضايا معينة يفصح عن انشغالهم بالشعر فى الحدود التى آمنوا بها وقد راحوا يدعونها عن ايمان وتآزر حتى انك لتجد اليوم بداية مدارس شعرية معينة متحالفة ومتعايشة تعايشا فيه الحلم وفيه الحقد وفيه هدنة وفيه نار تستعر .
وقد آلت بعض الدواوين الشعرية الى فكرة جوهرية واحدة أو الى افكار متنوعة يربطها خيط واحد يمثل العمود الفقرى الذى تلتقى عنده كل الفقرات المكونة له ولو كان هذا الالتزام الموضوعى طرفا جديدا او مرحلة تحويلية لبعض الشعراء ؛ فمنور صمادح الذى انغمس فى فترة من حياته فى بحر الوجد والهوى عاد لسان الجوعى والمنكوبين يتلظى بمرارتهم ويندمل قلبه لاوجاعهم وهو بذلك يفصح عن تحول فى ارضية شعره وقصيده ( المطارق ) يرسم انعراجه الجديد .
اما الشكل الشعرى فقد شغل الشعراء ايضا دعوة وبناء فاذاع بعض
الشعراء فى قصائدهم مفهومهم للشعر هيكلا وصورة ولفظا ونغما حتى باتت لغة الشعر محل صراع فمن داع الى لغة فصيحة سليمة معربة الى مستهزئ بضوابط اللغويين واحكام اهل المعاجم . هكذا عاشت لغة الشعر صراعا وعراكا عبر عنهما الشعراء دعوة وفعلا فيرى المحافظون ان العجز والفشل اوجدا الاستنقاص والعقوق اما الذين سموا انفسهم بالتقدميين فقد اشاعوا انهم اقوى من القوانين اللغوية الوضعية التى لا تواكب عصرهم ولا تقدر على استيعاب تموجاتهم وما تتدفق به ضمائرهم ورأوا كذلك ان التزام اللغة الفصيحة خدمة لبورجوازيى الفكر والشعر شمس الجميع وماء الجميع وفى مقولة سيدى القاموس ( د . الحصار - ص 81 ) للطاهر الهمامى صورة بينة لهذا الاتجاه .
وأمثال الهمامى الذين نحوا منحاه يتكاثرون بينما التزم قسم من الشعراء اللغة الفصحى موقنين انها اللغة الفنية الخصبة وقد اعتبروا جنوح غيرهم الى كلمات عامية او شعبية برهانا عن بدء خطوهم على هذا الدرب ومتتبع ( الحصار ) يجد الرفس والتشييت والتمليح والتغفيص والتسمسير وما الى ذلك من كلمات وعبارات لا اقول شيئا عن فنياتها ان كانت لها فنية انما اقول على لسان المحافظين انها لغة الشوارع والمقاهى والمصانع ومن يجلسون تحت السور . اما الاوزان الشعرية والقوافى فقد شملها الدوران ايضا فبعد ان كان النقاد الاقدمون يعيبون على الشعراء العلل والزحافات وقد ضبطوا ما يجوز لهم ارتكابه ، وبعد ان كان اساتذة الادب يحاولون اصلاح ما يقع فيه الشعراء الشبان من سقوط فى الاوزان بات الشعراء اليوم يتخلصون من البحور بتاتا ولا يلتزمون النواميس الخليلية وحتى الانغام التوشيحية التى كانت مرحلة تجديدية للنم الشعرى - وقد شغلت الموسيقى الشعرية اصحاب القرائح فتطالع القارئ قصائد عديدة تحارب الشعر العمودى وتسخر من الذين يتخذونه مقاسا وقد وصلت السخرية حد رفض التفعيلة وقصيدة ( بناء ) للطاهر الهمامى ( د . الحصار - ص 38 ) تعرب عن هذا الاتجاه .
والشاعر الحبيب الزناد قد عارض الازياء ولم يأبه باعتراض المعترضين ونفر من العروض العريضة والمريضة وعرض فى الماء والطين كل عوارضه فى هذا المجال ( انظر ص 32 - د . المجزوم بلم ) .
اننى يا سادة قد آليت على نفسى تجنب ابداء الرأى والنقد ولكننى احببت ان اشعل اضواء ساطعة حول مفهوم واضح صرح به الشاعر الهمامى مفاده ان
العمود عاقه عن السير واعجزه عن القول ولما وقع دونه حاربه ورفضه . اما الشاعر الزناد فلم يذهب مذهبه وحق له ذلك لانه عرف الشعر العمودى ولكنه فى ثورته عليه يقبل هتك الاعراض ويستحل اللحن ويرضى بخلو شعره من اللحن .
وقد قابل المحافظون هذه الموجة الجديدة بالصمت غالبا واشفقوا على ابنائهم واحفادهم فابتهلو الى الله راجين خلاصهم مما وقعوا فيه وقد رفض بعضهم نشر شعره الى جانب هذا الخلط والخبط كما نعته وبلغ الحقد بثلة من الشعراء الى نبذ اللقاءات الادبية لانه بات - هو وشعره - غريبين غرابة اهل الكهف فى مدينة طرسوس .
ورأى غير هؤلاء قبول جانب من التجديد مع الاحتفاظ بالمقومات الاولى للشاعر ، ومن بينهم محمد الشعبونى فى قصيده (( فوق الخلاف )) ( د . وحى الضمير - ص 175 ) الذى رسم فيه رأيه فى الاحداث التى استهدفت الشعر عموما والاوزان بالخصوص .
ولم تبق هذه المذاهب شواغل نظرية بل اخذت طريقها نحو القصيد والدواوين وهنا يمكن ان نقسم الشعر تنغيما الى ثلاثة انواع رئيسية تتعايش فوق أديم وسائل النشر :
أ ) الشعر العمودى : واخاله مدركا من طرف الجميع ولا يحتاج للتدليل وان كنت اسمع صوتا من نفس يهمس دعامته المحافظة لعل المجددين الغلاة لم يدركوه ولم يفتحوا له بصائرهم والا ما سر مقتهم وحربهم الضروس له اللهم الا العجز والقصور عن ركوبه . ورواد هذا النوع الاصيل كثيرون اسجل ما يحضرنى منهم وهم الشاذلى عطاء الله ومحمد مزهود القيروانى والطاهر القصار والهادى المدنى وجلال الدين النقاش وناصر الصدام واحمد مختار الوزير والى جانب هؤلاء عدد آخر من الشعراء الذين ( عمدوا ) شعرهم مرة وحرروه مرات ومنهم احمد اللغمانى والعروسى المطوى والحبيب الزناد وجعفر ماجد ونور الدين صمود والميدانى بن صالح .
ب ) الحر : وهذا النوع بدأ بالتخلص من الروى الواحد شان التواشيح اذ يقسم القصيد الى مقاطع وكل مقطع ورويه كشعر محيى الدين خريف وعلى عارف واغلب شعر العروسى المطوى فقصيد ( رباعيات لهند ) لعلى عارف
سايرت بحر الرمل لكنه غير الروى من مقطع لآخر وهذان مقطعان كان الاول ( رائيا ) وجاء الثانى ( لاميا ) :
ترتوى عيناى منه مثلما يرتوى الظمآن فى فج قفار
اى شىء فيه منك ارتسما زرقة العينين أم حسن السوار
لحظة يا هند انسى زمنا واصعدى هضبات ( فمرت ) الجميله
وارأفى بالبحر يجثو ساكنا اذ راى عينيك والساق الصقيله
( د. ابعاد - ص 27 )
وتصاعد هذا التحرر فبات يكتفى بالتفعيلة الواحدة وغالبا ما يقع هذا على البحور ذات التفعيلة الواحدة كالمتقارب ( فعولن ) والكامل ( متفاعلن ) والرجز ( مستفعلن ) والهزج ( مفاعيلن ) ورسالة من غار الملح للعروسى المطوى - وقد التزمت مستفعلن وما يتطور عنها - توضح هذا الضرب من الشعر الحر وهذه سطار منها :
ويومها قد قلتها للمحكمة
مقالة الجسور والشجاع
بانهم شرذمة اقزام
عصابة لصوص
يحاولون منعنا
وحدنا
عن نصرنا المبين
( د. فرحة الشعب - ص 20 )
ج ) غير العمودى والحر : هذا النوع من الشعر هو آخر مرحلة لتطوره اليوم ومن يدرى ربما يسير به رجال سيلدهم الزمان الى مسالك لا نعيها الآن فالدنيا حبلى بالمفاجآت . واعيان هذا الاتجاه جدد على ارضنا ولعل رسالتهم هذه التى يحملونها على رؤوسهم هى ما نعته المشارقة منذ زمن بالشعر المنثور وان كنت اذكر يومها ان جدلا حادا سرى متسائلا كيف يصح التزاوج بين النقيضين ويؤمن انصار هذا الوليد - وليس ابن يزيد - ان الخضوع للتفاعيل قيود من حديد تقيد الانفعال وترهصه اما الروى الواحد فقد كفاهم آباؤهم حربه وتخديره ويرون انك تبث فى القارىء ابعادا شعورية فعليك ان تنغمها بما يناسبها وتكون بذلك قد غزوته بمعانيك وبمفاهيمك وبموسيقاك الخاصة وتصطف هنا اسئلة كم اأحببت أن أهملها ولكنها فى عنقى قيد وفى يدى أمانة :
1 ) ما يميز الشعر عن النثر ؟ 2 ) كيف نصل الى القلوب وقد انبت ما يوصل بينها من انغام ؟ 3 ) اذا استطاع الكلام المنظوم ان يطرب البهائم فهل يقوى غير العمودى والحر على الاطراب ؟
وان سئلت عن بعض دعاة ومؤيدى هذا الوليد الجديد يجيبنى لاجيب السائل الطاهر الهمامى ( فى حصاره ) وعلى طراد فى ( سبعة مقاطع متعبة على فراش المرض ) وغيرها وغيرهما كثير وبدأ يتكاثر.
وهذا هو المقطع الثانى ( زرقة ) وهو اقصر ( الآلام ) السبعة :
مبطوح هنا على الفراش الازرق
مشوش الشعر والخاطر
فى غرفة زرقاء
سماؤها زرقاء
جدرانها بالزرقة مطليه
وعيناى مثلها زرقاء
نباحهما ازرق
وانا هنا متروك كالبضاعة المنسية
احلم بالفجر الازرق
لمن لم ينسهم حرمان
منذ زمان
( الفكر : عدد 7 - افرريل 1927 )
وبهذه السطور انهى حديثى عن الشواغل الشعرية وقد حرصت ان تكون كلمتى هذه المتواضعة موجزة ورحبة الصدر كرحابة صدر ناشرى الثقافة فى ربوعنا فجلبت لكم العمودى والحر وغير العمودى والحر وصحبت اليكم شعرا يراه الطلائعيون خرافة قديمة وشعرا يراه الكبار هراء وسقطا وقد اوقفتكم فى سوق تكدست فيه البضائع المحلية الاصيلة والمستوردة والمتقنة النسج والحبك والمشوهة الخلق والساقطة قبل اوانها ولم اضع على هذه وتلك بطاقات التثمين والتقييم لانكم اهل الذوق السليم والوزن العادل فكلوا واشربوا مما تريدون .
