الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "الفكر"

شوقي وآثاره في مراجع غربية مختاره

Share

إن الهدف الرئيسى لهذا البحث تحديد ما حققه " شوقى" من مكانة عالمية وذلك بتتبع ما لقيه من اهتمام فى الغرب وما ترجم له من أعمال الى اللغات الغربية منذ أواخر القرن التاسع عشر حتى يومنا هذا ، وقد لخصت نتائج هذا التتبع فى الببلوغرافية التى تحتوى على أكثر من مائة وثلاثين مصدرا فى اللغات الغربية والملحق الذى يدرج ثمانين قصيدة أو قطعة مترجمة سواء كانت الترجمة كاملة أم جزئية ( أربعة أبيات أو أكثر ) .

وقبل أن أبدى ملاحظاتى حول مكانة " شوقى" فى الغرب أرى لزاما على الاستشهاد بآراء لثلاثة من ادباء مصر تناولوا من قبل بصورة مباشرة أم غير مباشرة ، ما يتصل بعالمية شوقى وضرورة ترجمة مختارات من أعماله والعوامل التى حالت دون اهتمام الغرب به أو بالادب العربى الحديث عامة وهم : أحمد رامى وطه حسين ومحمد صبرى .

لقد كان أحمد رامى من أوائل الادباء العرب الذين حاولوا تصحيح الصورة المشوهة التى يرسمها أو يشيعها بعض الكتاب الغربيين عن الادب العربى الحديث إن صح ما نسب اليه فى كتاب"تروبردج هول " إذ أننا نقرأ فى الفصل الاخير من الكتاب المذكور - وكان قد صدر عام 1928 ( أى بعد تكريم شوقى أميرا للشعراء على الصعيد العربى بعام ) ان أحمد رامى تصدى لما ورد فيه من حكم ينفي ان يكون لمصر أدب محاولا دحضه ، كما يروى لنا المؤلف ، بذكر بعض أسبابه كجهل الانفليز باللغة العربية ، وعدم قدرتهم على قراءة ما ينشر من نتاج أدىي فى مصر ، واهمال الادب الحديث فى مناهج الدراسات الشرقية ، وعدم الاهتمام بترجمته الى اللغات الغربية ...

ويبدو أنه أراد التدليل على حيوية الادب الحديث في مصر فقام بمحاولة لترجمة نماذج من أعمال شوقى وغيره من أدباء مصر فى تلك المرحلة : حافظ ابراهيم والعقاد والمنفلوطى ومحمد تيمور بالاضافة الى عدد من قصائده . ومن الجدير بالذكر قوله عن شوقي : " إنه أعظم شاعر انتجته مصر " وانه من الممكن أن يدعى طاغور مصر إن لم يكن طاغور فى وطنه يدعى شوقى الهند ولعله اراد بذلك تأكيد منزلة شوقى الادبية بالمقارنة إلى شاعر عالمى المكانة ، كان قد حاز على جائزة نوبل من قبل .

أما الدكتور طه حسين فقد عقد مقارنة سريعة بين شعر طاغور الانسانى النزعة وشعر شوقى وحافظ الذى وسمه بأنه " شعر أشخاص وظروف " (1) قائلا : " وطاغور ترجم شعره الى اللغات الاوربية فأصبح شاعرا عالميا يكبره الغرب الحديث كما يكبره الشرق القديم فهل - لو ترجم شعر شوقى أو حافظ إلى الانقليزية أو الفرنسية أو الالمانية - يقرأ ويعجب ويخلب العقول ويضمن لاصحابه جائزة نوبل كما ضمنها لطاغور ؟ كلا ! وليس مصدر ذلك إلا أن طاغور لا يزدرى العقل ولا يسلم نفسه للخيال وحده وإن أصحابنا لا يلتمسون شعرهم فى العالم الحقيقي المعقول ... " ( 2 ) .

ثم يأتى الدكتور محمد صبرى بعد سنوات من قيامه باعداد عمله الجليل "الشوقيات المجهولة " وبعد مرور مائة عام على ولادة شوقى ، ليعرب عن أمله في أن تترجم مختارات من شعر شوقى الى الانقليزية أو الفرنسيه لما له من مكانة عالمية " وذلك بتقريبه الى اذهان أدباء الغرب ولغتهم " ( 3 ) مشيرا الى "أن فن الترجمة كالشعر صعب وطويل سلمه" وليأخذ فى الوقت نفسه على ترجمة الاستاذ حبيب غزاله لقصيدة شوقى " أيها النيل " بأنها " ترجمة غير دقيقة ولا تبين عن روعة الشعر المترجم " ويخلص بعد ذلك الى التحذير من جناية المترجمين على شعر شوقي بترجمتهم السقيمة .

إن هذه الملاحظات التى أبداها أحمد رامى وطه حسين ومحمد صبرى تعكس بصورة عامة الظروف أو الاسباب التى حالت دون بلوغ شوقى أو الادب

العربى الحديث ما يستحق من مكانة عالمية وفى مقدمتها العامل اللغوى وأعنى به الصعوبة التى يلاقيها غير العربى فى قراءة الاعمال الادبية وتذوقها فى نصها الاصلى حتى بعد دراسة العربية بضع سنوات ، وتأخر الغربيين فى الاهتمام بدراسة الادب الحديث والنسبة الضئيلة من الاعمال الحديثة المترجمة ومتطلبات الترجمة الادبية أو الشعرية ذاتها وطبيعة الشعر العربى الكلاسيكى ، وهى عوامل لا تزال تقوم بدورها المعرقل بالرغم مما حققه شوقى أو الادب العربى الحديث من ذيوع نسبى فى النصف الثانى من هذا القرن (4)

غير أن هناك بلا شك عوامل أخرى لا مجال للخوض فيها كالتعصب الذى ورثه الغرب تجاه كل ما هو عربى أو مسلم ، والعامل التجارى الذى لا يغرى دور النشر بالمجازفة فى نشر أعمال مترجمة يشك فى رواجها ، والتعالى الادبى الذى عانى منه العرب قديما ويعانى منه الغرب فى تفاعله مع الآداب غير الغربية بسبب إخضاع التقويم الادبى لمعايير خارجية . ولا أريد الانتهاء من هذه المقدمة دون الاستشهاد بنموذج من هذا التقويم لادبنا الحديث ورد فى دراسة للاستاذ " ويكنز " عن الادب العربى نشرت فى أوائل الخمسينات حيث جاء قوله عن الادب العربى الحديث : لن أقف طويلا عنده لانى - بصراحة - أشك فى أن يكون هناك الكثير مما يستحق الذكر منه . إن معظمه - وإن لم يكن كله - يبدو لى تقليدا وخضوعا لأسوإ ملامح ز أدبنا الحديث "

ولم يشأ أن يجعل حكمه مطلقا فاستثن أدباء المفجر قائلا عنهم : بأنهم يمثلون المصدر الوحيد للحيوية فى الادب العربى الحديث من غير ان يدعم رأيه بأدلة أو أمثلة ...

ومن المؤسف ان هذا اللون من التقويم يتردد أحيانا فى كتابات بعض المؤلفين العرب الذين أتاحت لهم الظروف كتابة بعض المداخل الموسوعية أو إعداد دراسات فى اللغات الغربية .

واذا انتقلنا الى شوقى وآثاره فى المراجع الغربية فاننا نلاحظ ان نصيبه من الترجمة والدراسة لا يزال محدودا بالرغم من الزيادة الملحوظة فى الاهتمام به بعد الحرب العالمية الثانية ...

ولا بد لى من الاعتراف بأن الببليوغرافية ذاتها ليست كاملة ، ولا ندعى الالمام بكل ما نشر عن شوقى فى اللغات الانكليزية والفرنسية والالمانية والاسبانية والايطالية لاسباب واضحة أهمها افتقارنا الى أدوات مرجعية تحصر ما تم نشره عن الادب العربى الحديث فى اللغات المذكورة ( 5 )باستئناء الانقليزية غير أنها تعطينا صورة تقريبية أو ترسم خطوطا عامة لما لقيه شوقى من اهتمام فى الغرب منذ العشرينات حتى يومنا هذا

إن أول ما نلاحظه عند استعراضنا لمداخل الببليوغرافية أن الجزء الاكبر منها ظهر بعد عام 1950 لسببين أساسيين أولهما التحول الذى شهدته الدراسات العربية فى الغرب نحو الاهتمام بالادب العربى الحديث ، والآخر ازدياد الاسهام العربى المباشر فى التعريف بالادب الحديث سواء كان بفضل خريجى معاهد الغرب أو نتيجة للحضور العربى فى عدد من الجامعات الغربية ، أو بفضل ما ينشر فى العالم العربى من مطبوعات فى بعض اللغات الغربية .

وسأقصر ملاحظاتى على المرحلة التى امتدت بين تاريخ مشاركة شوقى فى مؤتمر المستشرقين (1894) فى جنيف كشاعر وعام 1950 عندما ظهرت مجموعة اربرى : الشعر العربى الحديث وذلك لان المقام لا يسمح لى بتناول جوانب أخرى من رحلة شوقى فى الغرب خاصة ما يتصل منها باسهام المؤلفين العرب فى دراساتهم الغربية .

لعلنا لا نبالغ أو نتجاوز الصواب اذا قلنا بأن شوقى كان أول ساع الى التعريف بشعره فى الغرب بسبب تقديمه أو القائه قصيدة فى مؤتمر علمى غربى لا يتوقع فيه القاء القصائد على الطريقة المألوفة فى العالم العربى ، غير انه يصعب علينا أن نبت فى رد الفعل لدى مستمعيه من المشرقين أو وقع مطولته فى نفوسهم ، اذ أننا لا نجد بين أعمال المؤتمر المذكور سوى اشارة طريفة الى أن شوقى " قرأ عملا حول مأساة ( تراجيديا ) عربية ألفتها حديثا سيدة مسلمة ...

ولم يمض وقت طويل على القائها حتى ظهرت لها ترجمة فرنسية فى مفتتح عام 1895 بقلم فيلب بقطى ... وبصياغة أقرب الى النثر والرواية التاريخية منها الى الشعر ، وقد خلت من بضعة أبيات هاجم شوقى فيها نابليون وحملته على مصر وهى : ( 6)

قاهر العصر والممالك ولت قواده الكبراء

جاء طيشا وراح طيشا ومن قبل أطاشت أتاسها العلياء

سكتت عنه - يوم عيرها - الاهرام لكن سكوتها استهزاء

فهى توحى اليه ان تلك (واترلو) فأين الجيوش ؟ أين اللواء؟

ثم تبع ذلك محاولات متفرقة اخرى لترجمة بعض قصائد شوقى الى الفرنسية تستهدف تعريف أدباء الغرب به كما يفهم من مقال نشر عام 1921 بعنوان : " شعر شوقى وجائزة نوبل " ( 7 ) بالاضافة الى مبادرات شوقى الشعرية وغير الشعرية لتوطيد صلته ببعض أدباء الغرب وعلمائه وفنانيه كقيامه بتكريم ( 8 ) الروائى الانقليزى " هول كين " فى أكثر من قصيدة ك " مصر " ( 1908 ) و " الربيع " و " وادى النيل " ( 1909 ) واهدائه قصيدته " أيها النيل " الى المستشرق مارجليوث ( 1915 ) مشيدا فى مقدمتها بفضله على لغة العرب وما أنفق من شبابه وكهولته فى احياء علومها ونشر آدابها ( 9 ) غير أن هذه المحاولات ، كما يبدو ، لم تسهم اسهاما ملحوظا فى التعريف بشوقى كشاعر أو أديب فى المراجع الاوربية باستثناء ترجمات محدودة كقطعة الغزلية " خدعوها " ... وأبيات من قصيدة " رمضان ولى"

نشرها الدكتور عثمان غالب فى جريدة الطان ( 10 ) ... مما يدل على بطء نقل الشعر أو الادب العربى الحديث الى الغرب ، علما

بأن الترجمات الاولى تمت بمشاركة بعض الكتاب العرب كعبد الخالق تروت وعثمان غالب وغيرهما (11) .

الدراسات الغربية :

واذا جاز لنا أن نخص بالذكر أوائل المستشرقين الذين اسهموا فى التمهيد لانتشار الادب العربى الحديث فى أوربا فلا بد أن نبدأ بالمستشرق الروسي " كراتشوفسكى " الذى نشر عددا من الدراسات المهمة عن الموضوع في الروسية والالمانية والانقليزية يرجع أقدمها الى عام 1909 كما يفهم من تعليق المستشرق " كمبفاير " ... ومنها المدخل الخاص بالادب الحديث وقد نشر في ملحق الموسوعة الاسلامية ( 1938 ) ، بعد ظهور الموسوعة فى طبعتها الاولى خلوا من مدخل الادب الحديث ... ونجد فى هذا المدخل

تنويها سريعا بمكانة شوقى ، واشارة إلى بعض مصادره الغربية (12 ) أما فى غربى أوربا فقد كان للمستشرق الالمانى " كمبغماير " دور فعال فى التعريف بشوقى وغيره من أدباء العربية فى هذا العصر منذ أن بدأ عام 1924 بنشر رسائله الادبية عن مصر وغيرها من الاقطار العربية ( 13) وأغلب الظن انه كان أول من نشر مقالا مستقلا عن شوقى فى الغرب وذلك عام 1926 ... معتمدا فيه على دراسة للاستاذ حسن محمود حول مسرحية " على بك

الكبير " ( ط 1893) ( 14)  فيما نقل من آراء واقتبس من اقوال فى اللغتين العربية والالمانية وأضاف اليه موجزا لترجمة حياة شوقى على أساس ما كتبه الشاعر نفسه فى مقدمة الشوقيات ومن أبرز ما جاء فى هذا المقال ما نقله عن حسن محمود حول رأيه فى منزلة شوقى بين التقليد والتجديد ، وهو رأى يأخذ على  الشاعر نهجه التقليدى فى اختيار الاوزان والقوالب من ناحية ،

ويدافع عنه من ناحية أخرى لما يجد في شعره من تعبير عن مشاعر جديدة وحياة جديدة وما يجد فيه من صورة دقيقة لروح الشاعر وآرائه فى الحياة ، ولانه -أى شوقى- يعتبر مجددا بفضل شعره المسرحى الذي تجلى فى " على بك " ولكنه عدل - كما بدا للكاتب آنذاك - عن " هذه السبيل الى سبيل أسهل منها وفضل أن يقرض الوصف والغزل والمديح " على حد تعبيره .

وأتيح كذلك لشوقى ان يظهر على صفحات المجلة المذكورة ، بفضل جهود المستشرق كمبغما ير ، فى مناسبات أخرى كاعادة نشر قصيدته فى مؤتمر الاحزاب المصرية عام 1926 ... أو قصيدته فى رثاء ثروت ... او قصيدة الامير شكيب ارسلان الخاصة بتكريم شوقى ...

أما الدراسة التى أعدها المستشرق المذكور بالمشاركة مع طاهر الخميرى عن أعلام الادب العربى المعاصر (أو كما سماهم في مقدمته بزعماء البلاغة العربية الحديثة ) فلم يكن لشوقى نصيب فيها سوى الاشارة اليه فى معرض حملات العقاد والمازنى النقدية عليه ، ولعل السبب فى ذلك أن الخميرى كان بأمل اصدار أجزاء أخرى تتناول بقية أعلام الادب الحديث ،

كما يفهم من المقدمة ... أو من قول المستشرق نفسه فى كلمته العربية : " وحيث اننى منذ زمن أشكو جهل الغرب لافكار الشرق ونهضته المباركة لذا لبيت طلبه ( أى طلب الاشتراك مع الخميرى ) مع العلم أن ما قام به  الآن ليس الا جزأ لا بد له من تكملة تتناول بقية زعماء الادب العربى العصرى ليطلع القارىء على مختلف النزعات الراقية والقوى السامية التى أنعم بها الله على الامة العربية فى شتى الاقاليم خصوصا الامة المصرية التى جمعت بين تراث الفراعنة وتراث العرب ..."... إن فى هذه الكلمات وسواها من الملاحظات الواردة في مقدمتى المؤلفين دلالة واضحة على ضآلة ما كان يعرفه الغرب - حتى مطلع الثلاثينات - عن الادب العربى الحديث وبدء نماء الاحساس لدى بعض المستشرقين بضرورة تيسير معلومات أولية عنه ، وترجمة نماذج من نتاج اعلامه ، مما دفع المؤلفين الى إعداد هذه الدراسة واختيار

الانقليزية - وهى اكثر اللغات الغربية شيوعا - لغة لها وقد تناولت بايجاز ثلاثة عشر من رجال الفكر والادب فى مصر والمهجر : على عبد الرازق ومصطفى عبد الرازق وعباس محمود العقاد وابراهيم عبد القادر المازنى ومنصور فهمى ومحمد حسين هيكل ومحمد عبد الله عنان وسلامة موسى وطه حسين ومى زيادة ( من مصر ) وإيليا أبو ماضى وجبران خليل جبران وميخائيل نعيمه ( من المهجر ) .

وقد شهدت الحقبة المذكورة محاولات غربية أخرى للتعريف بشوقى أو الادب المعاصر فى مصر عامة أهمها - حسب تاريخ ظهورها - محاولات جويدى وجب وهنرى بيرس وآربري وبروكلمان . أما محاولة المستشرق الايطالى " جويدى " المنشورة عام 1927 فهى أقرب الى الرسالة الادبية منها الى التحليل والدراسة ، إذ كان هدفها إعطاء صورة عن المهرجان الذي أقيم فى القاهرة لتكريم شوقى أميرا للشعراء ، واستعراض ما ألقى فيه من القصائد والكلمات ،

وبيان منزلة شوقى فى مختلف الاقطار العربية ، بينما تميزت دراسات المستشرق الانقليزى " جب " عن الادب العربى المعاصر ( وقد نشرت بين 1928 و 1933 ). . . بغزارة مادتها العلمية وعمق تحليلها لأهم التطورات والاتجاهات الادبية التى شهدها النثر العربى الحديث منذ أواخر القرن التاسع عشر حتى أوائل الثلاثينات من هذا القرن . وقد كان له الفضل فى التصدى لسوء الفهم الشائع لدى الغربيين وموقفهم السلبى تجاه الادب العربى الحديث مستغربا - بوجه خاص - وروده فى كتاب عن مصر كان قد صدر عام 1927 للسير جورج يانج حيث جاء قوله : " ليس لمصر الحديثة لغة أو أدب أو أساطير خاصة بها " ... (15) كما كان له

الفضل فى إبراز معالم النهضة الادبية فى مصر خاصة ، غير انه - بحكم الهدف الذي رسمه لنفسه - اقتصر على فنون المقالة والرواية والنقد ولم يخص الشعر الا بملاحظات عابرة ، ولهذا السبب لا نجد فى دراساته ما يستحق الذكر عن شوقى - سوى التلميح الى مكانته الشعرية وتعليق موجز على محاولته القصصية عذراء الهند أشار فيه إلى غرائب أحداثها واعتمادها القوى

الخارقة ( الفوقطبيعة ) واطارها التاريخى الذي يعبر عن روح الاعتزاز بمجد مصر القديمة وبراعتها الفنية . ومما جاء فيه قوله :"ان الملمح الذي يعطى هذه الرواية اهميتها الادبية الخاصة انها كتبت بما كسب لشوقى مكانته البارزة فى الشعر العربى الحديث من تضلع فى اللغة وتغن لفظى"  مشيرا الى اسلوب السجع وما تناثر فى الرواية من مقطوعاته الشعرية ...

ويعتبر المستشرق الانقليزى " آربرى " أول من ترجم لشوقى احدى مسرحياته كما سنرى بعد قليل كما تعتبر دراسته عن شوقى وحافظ ابراهيم . . ( وقد نشرت عام 1937 ) أولى المحاولات الانقليزية للتعريف بشوقى شاعرا .

ان اول ما يلاحظه القارىء فى هذه الدراسة اعتراف المؤلف بأن الغرب لا يولى الشعر العربى الحديث أى اهتمام ، وقوله بأن هناك نوعا من التباطؤ فى اكتشاف الجوانب المتميزة فى الادب العربى عامة ، غير ان " آربرى " لم يشأ ان يلقى اللوم على الاجانب ( أو الغربيين ) وحدهم فى موقفهم السلبى ، بل وجد له بعض التبرير فى موقف النقاد المصريين أنفسهم من شعرهم الحديث مستشهدا ببعض آراء الدكتور طه حسين فى كتابه حافظ

وشوقي كقوله : ( 16 ) "... عندنا كتاب مجددون وعندنا كتاب أحيوا النثر القديم وللكتاب فضلان : فضل هذا التجديد الذى لم يكن وفضل هذا الاحياء لما كان قد عبث به الزمان ، وعندنا شعراء ولكنهم لم يجددوا شيئا ولم يبتكروا ولم يستحدثوا وانما اكتسبوا شخصيتهم من القديم واستعاروا مجدهم الفنى من القدماء فليس لهم الا فضل واحد هو فضل الاحياء وما زال ينقصهم فضل اخر وهو فضل الانشاء والابتكار" ...  غير ان ذلك لم يحل دون قيام الاستاذ آربرى . بتحليل بعض أعمال شوقى الشعرية والمسرحية ، وذكر نماذج مترجمة من شعره ومن مسرحية مجنون ليلى ، مشيرا الى دور شوقى ىي

التحديد كلجوئه الى " الملحمة " أو الطابع الملحمى فى أرجوزته دول العرب وعظماء الاسلام وان لم يحالفه التوفيق فى ذلك وتطويره المسرح الغنانى معلنا ان مسرحياته تعتبر اسهاما ذا قيمة فريدة وخالدة ...(17 ) ولكن هذا الاهتمام النسبى لشوقى لم يضمن له مكانا فى محاولة اخرى لآربرى مهمة تاريخيا ، وذلك عندما اصدر مجموعته الشعر العربى الحديث عام 1950 ، على أساس أن شوقى - كمعاصره حافظ - ينتمى الى مرحلة سابقة ، وانهما ( أى شوقي وحافظ ) اكتسبا شهرة واسعة فى الخارج ...

وعندما ننتقل الى دراسة " بروكلمان " عن شوقى المنشورة عام 1942 نلاحظ انها أغزر مادة وأشمل فى معالجتها لاعماله من أية دراسة عربية اخرى ظهرت قبل الخمسينات ، بفضل ما عرف عن بروكلمان من منهج ببليوغرافى موسوعى فى دراسة الادب العربى فهى تحفل بتعليقات مركزة مفيدة على مختلف اعمال شوقى من شعر وقصة ومسرحية ، وبآراء عدد من النقاد العرب الذين تناولوه كالعقاد وطه حسين ومحمد لطفى جمعة وادوارد حنين ، وباشاراتها المتعددة إلى المصادر العربية وغير العربية المتصلة بشوقى . واذا كان بروكلمان قد كرر ما قاله بعض النقاد العرب كتأثر شوقى المحدود بالادب الفرنسى أو الآداب الاوربية عامة ، وميله الى تقليد اعلام الشعر العربى القديم وطموحه الى ان يكون شاعر الخديوى والخليفة العثمانى وشاعر الشعب والاسلام والشرق فانه قد اسهم فى بيان مدى اعتماد شوقي على رواية " الاميرة المصرية " لعالم الآثار الالمانى " جورج ايبرس " ( 1837-1898 ) عند كتابة " دل وتيمان " ...

- 5 - ان التعريف بشوقى - كالتعريف بالادب العربى الحديث جمله - ظل محصورا فى الغرب فى مراجع المتخصصين من دوريات وكتب وموسوعات حتى نهاية الحرب العالمية الثانية باستثناء بعض الكتابات التى ظهرت - كما يبدو - فى الصحف الفرنسية كمقالة ادجار جلاد فى " الاخبار الادبية " الباريسية ... غير ان هذا الاطار الضيق من التعريف يأخذ بالاتساع تدريجيا بعد نهاية الحرب العالمية الثانية فيجد شوقى أو الادب العربى الحديث عامة

طريقه الى الدوريات والكتب العامة ومجموعة من المعاجم والموسوعات العالمية المحتوى كما تشير الى ذلك الببليوغرافية . وقد تكون دراسة المغترب العربى ادوارد جورجى المنشورة عام 1946 ضمن موسوعة الادب ( نيويورك : 1946 )

أولى المحاولات للخروج بالادب الحديث من دائرة المتخصصين الى نطاق أوسع من القراء . وتضم دراسته ... آراء معروفة عن شوقى وأعماله كالقول بأن مسرحياته تمثل نقطة التحول الحقيقى فى تاريخ المسرحية العربية ، وان براعته الادبية رمز او مظهر للتغير الذي شهده الادب العربى ككل ، وان مسرحه كان ملتزما بالدفاع عن تراثه القومى والتأكيد على مزايا الثقافة العربية ، وغير ذلك من الاحكام التى يراد بها بيان ما يتميز به شوقى من دور ومكانة ، غير ان الدراسة لم تسلم من العيوب فى ذكر الحقائق كالقول عن الشوقيات بأنها مقالات تمثل الروح التقليدية القديمة ...

ما ترجم من أعمال شوقى :

ان ما ترجم لشوقى حتى الآن يشتمل على المقدمة التى كتبها الشاعر للجزء الاول من شوقياته ، ومسرحية مجنون ليلى ومختارات من شعره ومقتطف قصيرة من بعض مسرحياته الاخرى .

(أ) اما المقدمة فتعتبر وثيقة أدبية مهمة تاريخيا لا لانها تكشف عن نشأة شوقى وشخصيته ومفهومه للشعر فحسب بل لانها تمثل كذلك اسهاما وان كان محدودا فى نشوء الترجمة الذاتية فى الادب العربى الحديث ، وقد اتسمت بشئ من الصراحة لم نألفها قبل شبوقي عند الحديث عن أمور عائلية أو شخصية تتصل بالشاعر . وليس من الغريب ان يعتبرها المستشرق الفرنسى

"هنري بيرس " وثيقة ذات قيمة ناردة عن الشاعر فى النصف الاول من حياته وان يقوم بترجمتها الى الفرنسية معلقا عليها أو محققا بعض ما ورد فيها من اشارات تاريخية وأدبية ... ويبدو ان المستشرق حاول التثبت مما درسه شوقى فى مونبلبيه معتمدا على الرواية الشائعة عن تاريخ دراسته هناك ( 1887-1889 ) ولكنه لم يعثر على أثر له فعلل ذلك بالنقص الحاصل فى وثائق الكلية ومحفوظاتها كما حاول تصحيح بعض التواريخ التى ذكرها شوقى عن رحلته الى الجزائر ومشاركته فى مؤتمر المستشرقين ولم يكن

التوفيق حليفه دائما كما بين الباحث التونسى المنجى الشملى فى مقاله: مراجعات فى ترجمة أحمد شوقى (18 )

ويجدر بنا ان نقف قليلا عند موضوع دراسة شوقى فى فرنسا متسائلين عما استطاع الباحثون ان يكشفوه عن الغموض والاضطراب اللذين يحيطان به.

فالشائع لدى الباحثين كما نعلم أن مرحلة اقامة شوقى فى فرنسا امتدت 1887 الى 1890 ولم يشذ عن ذلك الباحثون من الغربيين كهنرى بيرس فى الثلاثينات وبودو -لاموت فى دراسته الحديثة عن شوقى وقد ظهرت عام 1977 ... ولكن الدكتور محمد صبرى قد دلل فى كتابه القيم الشوقيات المجهولة ... بما لا مجال للشك فيه من الوثائق ان دراسة شوقى امتدت بين أوائل 1891 ونهاية 1893 .

وجاء بعده الباحث التونسى "الشملى"ليخرج بنتائج مماثلة حيث حدد مرحلة دراسة شوقى بين نهاية 1890 وأواخر 1893 مستعينا ببعض الوثائق التى ذكرها الدكتور محمد صبرى وان لم يرد فى بحثه ما يوحى بأنه اطلع على كتاب الشوقيات المجهولة واذا كان ما توصل اليه الدكتور صبرى قد ازال الاضطراب

فى الروايات حول مدة الدراسة ، فاننا ما نزال نفتقر الى دراسة موثقة تزيل الغموض حول تجربة شوقى فى فرنسا أكاديميا وثقافيا ومدى تأثره بالادب الفرنسى بالرغم من تردد الآراء العامة التى يبديها دارسوه وهم بين مؤكد لسعة استيعابه للتراث الفرنسى ، وقائل بضآلة علمه له أو تأثره به كما أشار الى ذلك طه حسين فى كتابه حافظ وشوقى ( ص ص 200-203 ) ، أو محمد صبرى فى شوقياته المجهولة ( 29:1-30 ) .

(ب) ترجمة مجنون ليلى . لقد ظهرت هذه الترجمة التى اعدها المستشرق آربرى عام 1933 ، وبفضلها تيسر للقراء فى الغرب على النص الكامل لاحدى مسرحيات شوقى ، وإن أخذ أو يؤخذ عليها انها جاءت خلوا مما يعين القارئ غير المتخصص على تذوق المسرحية وتفهمها من مقدمة تعرف بالمؤلف أو خلفية تاريخية تلقى الضوء على قصة مجنون ليلى ذاتها بالاضافة الى ما ورد فيها من هفوات فى الترجمة كما ذكر المستشرق جب ...

وبالرغم من مرور خمسين عاما تقريبا على ظهورها تظل - أى مسرحية مجنون ليلى - العمل المسرحى الوحيد المترجم الى لغة غربية وفقا للمصادر المتيسرة لدى ، وقد ظهرت لها ترجمة ايطالية فى الخمسينات ... وهناك اشارة الى محاولة قامت بها السيدة راسكين لترجمة مسرحية مصرع كليوترة الى الانقليزية كما جاء فى كتاب لاندو عن المسرح والسنما عند العرب ...

غير ان ما يحب ذكره ان هذه الترجمة لم تلق اهتماما ملموسا ولم يعلق عليها الا عدد قليل من المعنيين كالمستشرق جب ... وأحد كتاب مجلة العالم الاسلامي فى الولايات المتحدة ...( 19 ) اما الكاتب الانقليزى " بربور " فلم يذكر فى دراسته عن المسرح العربى فى مصر ... سوى قيام الاستاذ آربرى بترجمة مجنون ليلى ونشرها فى مصر علما بأنه خصص بضع صفحات للمسرحية واستشهد ببعض مقاطعها فى نصها العربى .

وقد قام آخرون بترجمة مقتطفات من المسرحية ذاتها بأسلوب أقل تكلفا من أسلوب آربرى كما فعل صاحبا صور من العالم العربى ... ونجيب الله ... مما يدل على أن ترجمة آربرى - على ما لها من قيمة تاريخية - لم يكتب لها الشيوع بين قراء الغرب من المتخصصين أو غير المتخصصين.

(ج) شعر شوقى المترجم :

إنه لمن معاد الكلام ان نرد مقولة الجاحظ الشهيرة " والشعر لا يستطاع ان يترجم " أو ما يبديه اليوم المنظرون المعنيون بترجمة الشعر من آراء أكثر تفصيلا حول الموضوع ، ولكنه من المفيد ان نذكر أنفسنا بذلك عندما نقرأ ملاحظات حول ترجمة شعر شوقى كتلك التى أوردها طه حسين أو محمد

صبرى أو حين يعلن الدكتور محمد مصطفى بدوى وهو من أهم المعنيين بالشعر العربى الحديث فى الغرب قائلا : قلة هم الشعراء الذين يعدون اصعب من شوقى أو فى الاقل يفقدون أكثر منه فى الترجمة " ... أو حين نكتشف أن ما ترجم من شعر شوقى - قليل نسبيا إن قورن بغيره من شعراء العرب المعاصرين .

لقد أحصينا ما لا يقل عن ثمانين قصيدة ترجمت ترجمة كاملة أو جزئية ، من غير أن ندخل فى هذا الاحصاء قصائد شوقى أو مقطوعاته الزجلية التى ترجمها الى الفرنسية حديثا بودو - لاموت ... وادرجناها فى الملحق حسب ورودها فى الشوقيات لبيان نوعيتها او موضوعاتها . وفى ضوء ما جاء فى الملحق المذكور من معلومات يتضح لنا أن معظم القصائد او المقطوعات ترجم الى الفرنسية وان عددا كبيرا منها لم ينشر الا فى وقت قريب فى دراسة طبعت قبل بضع سنوات ( بودو - لاموت : 1977 ) . أما من حيث الموضوعات فسدو أن القصائد التى تدور حول السياسة والتاريخ والاجتماع لقيت اهتماما أكبر تليها قصائد الوصف والنسيب ثم المراث وعدد محدود من قطع حكاياته ويلاحظ كذلك أنها جميعها باستثناء بضع حالات - نشرت فى بحوثيمية أو مراجع متخصصة مما يدل على أن اختيار ما ترجم من القصائد لم يتم بسبب الرغبة فى الوصول الى عامة القراء بل كان لدافع علمي أو أكاديمي .

وليس من شك فى أن هذا اللون من الترجمة ضرورى ويؤدى وظيفة مهمة فى الدراسات المنهجية ومن ثم فى التمهيد لنشر الادب المترجم على مستوى عالمى ،  غير أنه لا بد أن يشفعه نوع آخر من الترجمة يستهدف غير ذوى التخصص وهو لما يتحقق بعد بالنسبة لاعمال شوقى ، أى بمعنى آخر ، نحن ما زلنا بحاجة الى محاولة جادة لاختيار نماذج من شعر شوقى تتسم بطابعها الانسانى وطاقتها على تجاوز الظروف المرحلية أو المناسبات التى اقترنت بها ، والقيام بترجمة هذه المختارات الشعرية ترجمة فنية تليق بمكانة شوقى ، وتتيح لشعره أو نتاجه الخروج من دائرة طلاب الدراسات العربية الى عالم أوسع من القراء أو الادباء الذين يتذوقون الآداب العالمية .

اشترك في نشرتنا البريدية