الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8الرجوع إلى "الفكر"

شيخ ادباء تونس لهذا الجيل، محمد العربي الكبادي ، 1961 - 1881

Share

شهرته وأدبه

منذ 25 سنة وتونس تطلق على صاحبنا هذا لقب شيخ الادباء ، ومجالسه تقصد ، والطبقات الناشئة تتعلق به وتلزم ظله حيثما حل، وكانت الصحافة التونسية تنشر له قصائد الشعر منذ نهاية الحرب الاروبية الاولى . ومع ذلك فانى لم ادمجه فى كتابى " الادب التونسى فى القرن 14 ه ". لا في المجلدين الذين اخرجت فيهما تراجم الشعراء ، ولا فى المجلد الثالث الذى خصصته بالناثرين وحجزته الحكومة الاستعمارية حينئذ .

ذلك انى كنت اراه صنفا آخر ، غير صنف الشعراء وغير صنف الناثرين والكتاب المرسلين .

ويمكننا ان نعترف باننا قد حشرنا فى زمرة الشعراء بعضا ممن هم دون شعره الذى كنا نحتفظ بقسم طيب منه . ولم نضمه اليهم !.. لان قيمته الادبية كانت اعظم من نظمه ، بكثير .

ولو حشرناه فيهما واتينا بمختارات ادبه لما خلدنا للاجيال معالم عظمته فينا ولا عبرنا على شىء من قيمته الحقيقية الجليلة

انما هو ابو المجلس الادبى وقطب الدائرة حيثما حل ، بمحاضراته التى لا يفنى معينها ولا ينضب رقراقها الشهى . ومع ذلك فان حضوره كان قليلا في اجتماعات " النادى الادبى " الذى كان يحضره زملاؤه وخواص الادباء بالعاصمة التونسية ومن يفد عليها من الآفاق . فى حقبة ما بعد الحرب الاروبية الاولى .

واذكر ان الاستاذ مصطفى آغة قد عارض فى الالحاح عليه فى موالاة حضور " المجلس الادبى " بقوله :

" الشيخ العربى ، فيض يغمر كل نظام ويحل عقدة كل التزام ، فيكتسحه. وهو قد اعتاد مجالس تلاميذه المستمعين المنصتين ، فلن نثقل عليه بمناظراتنا ومباحثاتنا ، ولا هو بمستجيب لشىء مما نفرضه من تبادل الآراء والتزام منهج

المناظرة وتبادل الكلمة . وحديثه تاخذ فيه المواضيع باعناق بعضها ، حتى لا تبقى لغيره مجالا ويمكن ان تحصر ، ولن يشتهى عاقل ان يقطع تسلسلها "

وكان الحقوقى الشيخ محمد العتكى ينصت اليه بشراهة وتشجيع . ولكنه اخذ الكلمة بعده فى موضوع آخر ، لم يبق معه مسلك للتفكير في مراجعة موضوع هذا الترشيح الذى كنا نتوق اليه ، وليس فينا الا المعجب ببراعة الكبادى ، المكبر لسياقاته وعذوبة مجلسه .

وهذا الاسلوب الذى امتاز به الشيخ العربى الكبادى وكون حوله هالة الاكبار والاعجاب ، وجعل طبقات من الناشئة تلزم مجالسه على التعاقب وتتتلمذ له . . . هذا الصنف من ادب المجالس قد خصصناه بدراسة مستفيضة لانه صنف أدبى عزيز كريم ، قل من حدده ودرس عناصره وجاذبيته .

اسمه

كنا نطلق عليه الشيخ العربى الكبادى ونكنى عنه شيخ الادباء . بينما هو كان يهتبل كل فرصة لتدقيق ان لقبه العائلى قد تحول مع الزمن ، فهو قد كان فى الجيل الماضى ينطق به بضم الكاف الكبادى ، ولم يتسم به الا جده وابوه فقط . بينما اسم العائلة قد كان فى القرن قبله في نسبتهم " الشبلى "

" فجدنا الخامس محمد الشبلى انما جاء مهاجرا من الريف المغربى الى مدينة تونس مصحوبا بزوجته وابنهما الصغير الطيب الشبلى ، جئناكم من المغرب الاطلسى تجاه بلاد البرتغال فى مدة صولتهم العاتية وقرصانهم وتهديدهم الدائم للشواطئ المغربية ، اذ كان هؤلاء الاسبان والبرتغاليون قد شبعوا من خيرات الهنود الحمر من امريكا وزادت شراهتهم للبلاد الافريقية المجاورة اليهم فنزلوا شواطئ سودانها . . ولكن ارض المغرب الاسلامى كانت صنفا آخر يزداد منعة وصلابة كلما ازدادوا نهمة ، . . فتتوالى غاراتهم وتتدارك على ارض الريف حتى بلاد شنقيط من مساكن الامة الاسلامية المستعربة والامة العربية التى استوطنت تلك البلاد من مغرب افريقيا واعمرتها . وكنا نحن ، اعنى ان جدى الخامس كان من الامواج الاسلامية التى هاجرت من الشرق واستقرت فيه ، محافظة على لقبها الشرقى الصميم الشبلى نسبة لشبلة من وراء سمرقند فى جمهورية الازبيكية فى قلب البلاد السوفيات الاسلامية ، قال القاضى احمد البرمكى الازبلى الشهير ، كما تعرفونه بابن خلكان فى كتابه وفيات الاعيان وانباء ابناء الزمان ، ما نصه :

" شبله بكسر الشين وسكون الباء الموحدة وبعدها لام مفتوحة ثم التاء فى آخرها ، قرية من قرى اسروشنة بضم الهمزة وهى بلدة عظيمة من وراء

سمر قند من بلاد ما وراء النهر . وحدث ابن خلكان عن جعفر بن يونس الشبلى بعد ان زهد في ولايته على تلك الجهات من المشرق الاقصى واخلد للعبادة ، فيقول :

" مضت الشبيبة والحبيبة فانبرى                 دمعان فى الاجفان يزدحمان

" ما انصفتك الحادثات ، رميننى                 بمودعين وليس لى قلبان

وكان له مجالس مذكورة فى بغداد لاعصر تاسيسها وازدهارها . . .

ثم يعقب على روايته وما يورده من اشعار ونصوص ، بانه لا يريد ان يقول بانه جازم بتسلسله من ظهر هذا التلميذ النابغ للامام الجنيد " ولكنى اسوق لكم التحقيق عن هاته النسبة الشبلى التى جئنا بها من بغداد الى المغرب الاقصى وقد وجدت فى رحلتى الى تلك الارض الكريمة من المغرب ذكرا لعائلة الشبلى ، مازالت محافظة على لقبها فى مدينة تطوان ، كما حدث به معاصرنا الباقعة محمد داود مؤرخ الريف العربى من مغربنا الاقصى

" بحيث هاجر من المغرب هذا الجد محمد الشبلى فنزل تونس مع شبله الصغير الطيب وقرء هذا الولد فى تونس وتزوج فيها وانجب ابنه محمد الصغير الذى تسلسلنا منه ، الا انه فقد بحبه لابنه هذا نسبة عائلتنا التى حافظت عليها للارتباط بالمشرق الاقصى . فقد كان حدوبا عليه لايكاد يطيق غروبه عن عينه ، وهو دائما يلهج " ياكبيدتى ! اين كبيدتى ؟ " هكذا ، برفع الكاف على صغه التصغير للكبد من الاحشاء ، ومن هاته الترديدة للحرقة على كبيدته، كناية على ابنه محمد الصغير اصبحت كنية الولد الكبادى هكذا يرفع الكاف ، وتونسيت نسبة العائلة الى شبلة ، ثم ولد لهذا الجد " محمد الصغير الكبادى " ابن اسماه محمد الشاذلى الكبادى ، الذى هو والدى ومشترى هاته الدار التى نحن فيها ، وقد ولد له ست بنات وثلاثة من الذكور قد اسماهم جميعا باسم واحد محمد ثم فرق بينهم باسم ثان ، فاولهم محمد الاكبر وثانيهم محمد الصغير وانا محمد العربى وكانت ولادتى . ." الى آخر ما يذكره من تدقيقات يحليها برواية الابيات الشعرية ويزيدها وضوحا بذكر العائلات النابهة فى تونس ممن اصهر اليهم ابوه ببناته ، ويذكر تاريخ كل بناية مما اشتراه ابوه وجمع به قسما من املاك العائلة فى جهة واحدة من العاصمة التونسية ، وقد بسط عادة ذلك الجيل من عائلتهم المتشبثة بالروح الاسلامية من التيمن بتسمية ابنائهم باسم النبى العربى محمد ( صلعم ) ويذكر ان التفرقة بين هؤلاء المحمدات قد تكون باضافة صفة او اسم ثان كما كانت فى عائلتهم كما لمحناها ، وبعضهم يفرق يفرق بين المحمدين بالارقام كما هو الحال فى العائلة البيرمية من محمد بيرم الاول حتى محمد بيرم الخامس صاحب كتاب صفوة الاعتبار فى

الممالك والامصار الذى طبعه سنة 1585 بعد ان هاجر الى مصر لكى يبدل عن نفسه جو " الحماية الفرنسية " التى هيمنت على البلاد . ومن هنا يتسرب لذكر محاول بيرم الخامس كتابة الحروف العربية مقطعة كلها ، غير متصلة ، مثل الحروف اللاتينية ، رجاء تسهيل الطباعة ، ولكن هاته المحاولة التى ظهر بها فى عناوين ما طبعه من كتابه الكبير ، لم تنجح ولا اخذ بها الطابعون من بعده .

لقد اوردنا من مجلسه هذا مبلغ ما يتنقل اليه من المواضيع والافادات بمطالعاته المتنوعة ، وملاحظاته الدقيقة ، ونقله المفيد وما يسرده من اشعار ولطائف ، ليكون انموذجا ظريفا لنوع ادبه الذى دققنا عناصره فى كتابنا " تاريخ الادب التونسى وعناصره "

حياته

        ولد صاحبنا محمد العربى الكبادى فى مدينة نونس قبل منتصف          الليل من يوم الثلاثاء غرة يناير ( جانفى ) 1881- 28 المحرم 1298 ه اى قبل اربعة اشهر من كارثة الهجوم الفرنسى واكتساحه الحدود البرية والبحرية للبلاد التونسية لفرض تحكمه ونصب هيمنته التى لقبها " الحماية "

وصاحبنا قد تربى وترعرع فى حماية والده الشاذلى الكبادى وهو فى بحبوحة من نعمة وخير عائلته الواسع من عهد الاستقلال وفجر الاحتلال بما يصنعه مع موظفى الدولة . . . وكانت املاكهم العقارية فى ربضى المدينة العاصمة ، وكان والده قد جمع لنفسه ملكية تتصل بين شارعين متماشيين من قلب المدينة " تونس " ، من شارع الحبيب بورقيبة الذى كان يقع فوق السور القديم للمدينة ، وشارع : المر . وكانت بوابة دارهم الكبرى على الشارع الاول من حيث يتصل القصاد والزوار ، بينما تفتح من القفا ، فى زنقة " ام هانى " فى شارع المر " ، على عادة البيوتات " البلدية " ، التى تخص " الحريم " وقضاء الحوائج المنزلية اليومية ، تخصها بباب ثان يقع فى زقاق ، بعيدا عن الاعين ، حيث ان الازقة الحادة لا يدخلها الا سكان الزقاق . فهكذا كانت هندسة بيوت الافذاذ المقصودين من اصحاب المال والوجاهة . فهم قد تأثلوا فى تونس واصبحوا من خير عائلات البلدة ، وتسلسلوا فى العلم ومباشرة خطة " التوثيق " التى كانت تعتبر ارقى الوظائف الثقافية فى خدمة المجتمع المدنى بالحواضر الاسلامية

وكان والده الشاذلى بن محمد الصغير الكبادى عضوا فى المحكمة بالقسم المدنى بعد ان ولى عضوا فى القسم الجنائى ، فهو من الطبقة الثانية لموظفى هاته " العدلية التونسية " التى انتصبت محاكمها النظامية الحرة منذ عهد

الاستقلال ، وكانت باكورة المؤسسات الدستورية فى البلاد ، وكانوا يعبرون عن وثيقة الدستور سنة 1857 " عهد الامان "

وجهه ابوه الى جامع الزيتونة ، وهو المؤسسة العلمية الكبرى فى الشمال الافريقى ، وصاحبنا فى 12 من عمره ، فاحرز عن جائزتها العلمية المعبر عنها " التطويع " . اى التى يخول بها ان يتطوع صاحبها بالقاء دروس فى المعهد ، والانتصاب للافادة العلمية . وكان لهؤلاء " المتطوعين " نظام خاص يجعلهم من صف ما نعبر عنه اليوم بالاساتذة المتمرنين ، يتقاضون دخلا نسبيا محدودا عن دروسهم فى المعهد ، ريثما يصبحون مدرسين رسميين فى المعهد " جامع الزيتونة " او غيره من المعاهد والجوامع والزوايا ، التى يترتب فيها التعليم وينتشر بها فى حومات العاصمة وغيرها من البلدان والافاق . وكان صاحبنا في عنفوان شبابه ، قد بلغ الثانية والعشيرين ، وذلك سنة 1902 ، ولكنه لم يباشر التطوع بالقاء الدروس ، الا بعد ان تزوج وشبع من حياة الشباب ، عشر سنوات اخرى سنة 1912 ، حسب ارادة والده الذى يرعاه بعين الابوة والمعذرة والارشاد . . . حتى توفى عنه سنة 1914-1333 ه وهو قرير العين بما تركه له من ثراء وما بثه فى نفسه من اخلاق وما وصل به اليه من ثقافة وعلم ، مع صحة جيدة وكمالات ظاهرة شريفة .

وكان قد بدأ بدخول " المناظرة " على خطة " مدرس بجامع الزيتونة " الا ان تطوحاته الادبية فى تلك المناظرات العلمية لم تيسر له التفوق على مناظريه المتمحضين لعلوم اللغة والعقائد وعلم الكلام واحكام التشريع الاسلامى و " الفقه " وفى سنة 1916 التحق بادارة الاوقاف الاسلامية

وفى سنة 1917 عين مدرسا للآداب العربية فى مدرسة اللغات الشرقية بتونس " مدرسة سوق العطارين " . فكان يجمع بين الوظيفين ، وثابر عليهما حتى موفى سبتمبر سنة 1934 ، اذ استقال من خطته بالاوقاف ، ليتمحض لدروسة في الآداب العربية ، وكان درسه اعذب مجلس ادبى عرفه الطلبة ، مما جعله يضيق بقصاده من الطلبة المتحضرين له وغيرهم من طلبة مختلف المعاهد الذين يتزاحمون على ساعات درسه ، ولن يملوا امتداد حديثه وراء حدود الساعات المعينة . . . بل انهم ليخرجون معه زرافات الى الشارع يشايعونه وهو يعاقب رواياته واحاديثه الادبية ، حتى يصل الى بيته والحديث لا ينقطع والتجاذب متين والشوق معقود خلوب . وغرائب الابيات الشعرية والنكتة الادبية تتتالى على بسماته وملاطفاته لهؤلاء الاصدقاء من الشباب المتعشق . . .

 وانهى دروسه فى مدرسة اللغة والاداب العربية ، وقد انتدب في شهر اكتوبر 1945 - بغير مناظرة - لالقاء محاضراته بالجامعة الزيتونية فدرس الاداب العربية فى اقسامها العليا .

وكان سافر فى تمثيل تونس فى مؤتمر اللغة العربية ، الذى انعقد فى رباط الفتح العاصمة الادارية للمملكة المغربية فى شهر مارس 1933 حيث القى مسامرة ارتجالية ، كما القى فى مدينة فاس بادرهم فيها بقوله السهل الممتنع :

خضراء تونس حيث بالثنا العطر             معاهد المغرب الاقصى منى النظر

وحملتنى تحيات لساكنها                       اذكى من المسك انفاسا لمعتبر

لما بدت من حمى فاس معالمها                ما بين مرتفع منها ومنحدر

كادت تطير لها الارواح تاركة                من شوقها قفص الاشباح والصور. الخ

وكان ذلك الوفد متركبا من الاساتذة : حسن حسنى عبد الوهاب الذى اصبح اليوم مديرا للأثار التونسية والسيد محمد التركى والاستاذ وليام مارسى المستعرب

وفى سنة 1930 و 31 و 32  كان يلقى سلسلة من محاضرات اسبوعية فى معهد الجمعية الخلدونية ، قد تولى بعضهم تلخيصها لجريدة " النهضة " حيث نشرت . وتجدها هناك قد كانت فى العام الاول حول الادب العربى وخصائصه فى عموم اقطار العروبة ومهاجرها . وفى العام الثانى عن الادب فى المغرب والاندلس . وفى الثالث خصصت بالادب فى تونس لعصورها العربية

  كما انه رأس لجنة مراقبة الاغانى التى عقدتها " جمعية الرشيدية " لتحقيق وتهذيب نصوص الاغانى القديمة والاغانى الجديدة التى تقدم .

  وهو نفسه قد قدم اغنية سارت على الالسن " ام الحسن غنات ، فوق الشجرة " فقد تسجلت فى المذياع بصوت " صليحة " وما زالت تطلب وتذاع

  كما رأس " لجنة الدفاع عن المسرح " منذ تاسيسها سنة 1944 ، شهر ديسمبر ،وقام لها بمسامرة عن" التمثيل فى اللغة العربية " يوم 24 نوفمبر 1945

ومنذ سنة 1938 وهو يلقى محاضراته الادبية بالمذياع التونسى حتى عجز على التنقل اليه فأصبحت السيارة المتنقلة للمذياع تذهب الى بيته لالتقاط محاضراته ومجالسه فى ناديه من بيته . . . حتى اسبوع وفاته .

فلقد اصابته نزلة خفيفة اخذته فى ظرف اسبوع لانحلالات الشيخوخة ، وهو يبسم لزواره مستهينا بما كان ينتظره من الموت المقدر على الحياة . فهو قد جاوز الثمانين ، بشهر واسبوع تام ، اذ توفى يوم الثلاثاء 7 فبراير من عامنا 1961

اشترك في نشرتنا البريدية