الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8الرجوع إلى "المنهل"

شيخ الإسلام ابن تيمية

Share

إن الإمام ابن تيمية لما كان مجاهدا فى سبيل الله ، مجتهدا فى نصر ، دينه جادا في إحياء السنة النبوية ، قامعا للبدع المضلة ، رادا على أهلها بأقوى الحجج وأصح الادلة - كثر لذلك المعارضون له من أنصار البدع فى الدين الذين لا يستطيعون له مقاومة وليس فى مقدورهم الانتصار لآرائهم المبتدعة ؛ لان حجته هى القوية ودليله هو الصحيح لاعتماده فى غالب ما يذهب إليه على كتاب الله وسنة رسوله وإجماع السلف الصالح ، أو على الراجح من الاقوال عند اختلاف الائمة ؛ كما يعلم ذلك من له عناية بدراسة كتبه ورزقه الله فهمها ، وأما خصومه فهم : اما متكلم معطل جاحد لصفات الله منكر لما دلت عليه من المعاني أن تكون قائمة بذات الله اعتمادا على عقله لا حجة شرعية ، وإما صوفي قد تلاعب به الشيطان حتى شرع من الدين ما لم يأذن به الله.. وإما غالٍ فى دعوة الأموات صارف لهم مخ العبادة التى هى محض حق الله الى غير هؤلاء من أرباب النحل والمذاهب المنحرفة عن طريق الحق الموصل الى مرضاة الله ، وليس عند أحد من هؤلاء حجة صحيحة ولا دليل معتبر يُعَوّل عليه فى الدين؛ لهذا انضم بعضهم الى بعض وأجمعوا ، معارضة شيخ الإسلام انتصارا لبدعتهم لا دين الله فحاربوه بسلاح الكذب والبهتان ، فحرفوا كلامه وذهبوا به الى غير مراده ونبسوا إليه من الاقوال ما قد أنكرها ورد على أهلها ، ولم يكن ذلك صادرا من كثير منهم عن جهالة وعدم معرفة بقدر شيخ الإسلام فإن أقوالهم فى كثير من مؤلفاتهم صريحة بالثناء عليه والاعتراف بفضله والشهادة له بالإمامة فى الدين وسعة اطلاعه وقوة تحقيقه والاعتماد على نقله . يعلم  ذلك من طالع كتبهم كأبي الحسن السبكى وابنه عبد الوهاب ومن  جاء بعدهما كابن حجر الهيتمي ومن جاء بعده من الغلاة كالنبهاني،  بل أطلق عليه بعضهم ألفاظ مدح نحن نعدها من الغلو انظر الى قول الزملكانى فى مدحه :

ماذا يقول الواصفون له وصفاته جلت عن الحصر

هو حجة لله قاهرة هو بيننا أعجوبة الدهر

هو آية فى الخلق ظاهرة أنوارها أربت على الفجر

وقد قيض الله رجالا من علماء الحديث والفقه فى الدين - وهم أكبر علماء عصره والعصور التى بعده فألفوا المؤلفات القيمة فى ترجمته ومناقبة والرد على أعدائه والانتصار له لأنه ناصر السنة وقامع البدعة ونحن نذكر هنا أسماء بعض من حضرنا ذكره عند كتابة هذا المقال مبتدئين بأصحابه ثم بمن بعدهم.

فمن أصحابه الذابين عنه ، الإمام الحافظ شمس الدين الذهبى فقد ترجم شيخ الإسلام فى كثير من مؤلفاته وأفرد له ترجمة سماها ( الدرة اليتيمية في السيرة التيمية) لخصها الإمام ابن الوردي فى تاريخه ، ولما مات رثاه بأبيات منها :

يا موت خذ من أردت أو فدع محوت رسم العلوم والورع

أخذت شيخ الاسلام وانقصمت عرى التقى واشتفى أولو البدع

غيبت بحرا مفسرا جبلا حبرا تقيا مجانب الشبع

ومنهم العلامة سراج الدين البزار صحب شيخ الاسلام واستفاد من علمه وألف كتابا حافلا فى ترجمته سماه: (الأعلام العلية فى مناقب الإمام ابن تيمية) وقد نسخته بيدي واستفدت منه ، رحمه الله .

ومنهم العلامة أبو العباس شهاب الدين أحمد بن فضل الله العمري ، فقد كتب لشيخ الإسلام ترجمة فى كتابه : ( مسالك الإبصار في ممالك الأمصار) قال فيها : " جاء - يعني شيخ الإسلام فى عصر مأهول بالعلماء مشحون بنجوم السماء تموج في جوانبه بحور خضارم ويطير بين خافقيه نسور قشاعم وتشرق فى ندبته بدور دجنة وتبرق فى ألويته صدور أسنة ، إلا أن شمسه طمست تلك النجوء وبحره أغرق تلك العلوم ، ثم عبيت له الكتائب فحطم صفوفها وخطم أنوفها وابتلع غديره المطمئن جداولها واقتلع طوده المرجهن جنادلها وأخمدت انفاسهم ريحه وأكمدت شرارتهم مصابيحه :

تقدم ركبا فيهم إماما ولولاه لما ركبوا وراءه

ومنهم الإمام محمد بن أحمد بن عبد الهادى ، فقد ألف في مناقبه : ( العقود الدرية من مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية ) وألف أيضا : " الصارم المنكي فى الرد

على السبكي " انتصارا للحق الذي قرره شيخه شيخ الإسلام .

ومنهم أبو المظفر يوسف بن محمد السرمري ، فقد ألف ترجمة لشيخ الإسلام مفيدة وألف أيضا منظومة سماها : ( الحمية الإسلامية في الانتصار لمذهب ابن تيمية) يقول فيها :

معارض فرقة قد قال أمثلهم إن الروافض قوم لا خلاق لهم

يشير بذلك إلى أبي الحسن السبكي كما سنذكره فيما بعد .

فهؤلاء الذين ذكرناهم هنا من أصحاب شيخ الإسلام وقد كتبوا سيرته ومناقبه عن علم ومشاهدة وخبرة تامة ، وقد جاء بعدهم عدد كثير وجم غفير عرفوا قدر شيخ الإسلام وما أجراه الله على يديه من نصر الدين فكتبوا فى الذب عنه مؤلفات جليلة قصدوا بها نفع المسلمين والانتصار لإمام هو من أكبر علماء الدين المجتهدين كما قال فيه ابن فضل الله :

مثل الأئمة قد احيار زمانهم كأنه كان فيهم وهو منتظر

أن يرفعوهم جميعا رفع مبتدأ فحقه الرفع أيضا أنه خبر

فمن أولئك الافاضل : الأمام الحافظ شمس الدين ابن ناصر الدين الدمشقي فقد ألف كتابه القيم المسمى : ( بالرد الوافر على من زعم أن من سمى ابن تيمية شيخ الإسلام كافر ) وذلك أن بعض علماء الضلال فى عصره قال هذا القول المنكر فجمع في كتابه المذكور نحوا من تسعين عالما من علماء القرن الثامن والتاسع وكلهم أطلق على ابن تيمية ، شيخ الإسلام ، كابن دقيق العيد والذهبي والمزي والبرزالي وابن القيم وغيرهم . وقد قرظه علماء عصره كالحافظ ابن حجر العسقلاني والإمام العيني ، وقال العينى فى تقريظه : " ومن الشائع المستفيض أن الشيخ الإمام العالم العلامة تقي الدين ابن تيمية من شم عرانين الأفاضل ، فمن قال هو كافر فهو كافر حقيق ، ومن نسبه الى الزندقة فهو زنديق...)

وهذا الحق ليس به خفاء فدع عني بنيات الطريق

ومنهم العلامة صفي الدين الحنفي البخارى نزيل نابلس ، فقد ألف ترجمة لشيخ الإسلام مفيدة ودافع عن عقيدته السلفية وسمى هذه الترجمة : (القول الجلي فى ترجمة شيخ الإسلام بن تيمية الحنبلي).

ومنهم العلامة الشيخ مرعى بن يوسف الحنبلي مؤلف "الغاية والدليل" فى الفقه وقد أكثر فى " الغاية " من ذكر اختيارات شيخ الإسلام للاعتماد عليها وجمع له ترجمة سماها : (الكواكب الدرية فى مناقب الإمام ابن تيمية) وهو القائل فى شيخ الإسلام :

إمام المعاني والمعالى يعيبه على فضله من كان فى الرتبة الدنيا

وهل جاء فى الدنيا كأحمد بعده ؟ وهل حل بدر فى منازله العليا ؟

ومنهم العلامة شيخ مشايخنا السيد نعمان الألوسي ابن الإمام المفسر الشهير فإنه لما وقف على "الفتاوى الحديثية" ورأى ما فيها من الظلم والعدوان والكذب على شيخ الإسلام ألف كتابه : (جلاء العينين فى محاكمة الأحمدين) : أحمد بن تيمية وأحمد بن حجر ، وقد نفع الله بهذا الكتاب وأزال الأكاذيب عن شيخ الإسلام وقد قرظه أكابر علماء العراق حتى قال بعضهم فى تقريظه : "وقد صار مؤلفا جامعا لما تشتت فى غيره من الفوائد ونفائس العوائد حتى حسن أن يقال فيه :

جميع الكتب يدرك من قراها ملال أو فتور أو سآمه

سوى هذا الكتاب فإن فيه معاني لا تمل الى القيامة"

ومنهم شيخنا علامة العراق السيد محمود شكري الألوسي مؤلف " بلوغ الأرب فى أحوال العرب" فقد ألف كتابه : ) غاية الأماني في الرد على النبهاني ) وذلك أن النبهاني بالضرورة ألف كتابه شواهد الحق فى الاستغاثة بسيد الخلق وحيث إن ابن تيمية يعلم من دين الله أن الاستغاثة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله شرك اكبر يناقض دين الإسلام أكثر النبهانى فى كتابه من الرد على التوحيد الذى قرره ابن تيمية مع انه مدح ابن تيمية فى هذا الكتاب مدحا عظيما وقال عنه :  "إنه إمام من أئمة الإسلام" فرد شيخنا على النبهاني بالكتاب المذكور.

ومنهم العلامة الشيخ عبد العزيز المراغي فقد ألف ترجمة لشيخ الإسلام فى مجلدين اختصر منها رسالته المطبوعة المفيدة كما أفادني بذلك العلامة الشيخ أبو الوفا المراغي مدير مكتبة الأزهر ،

ومنهم العلامة الشيخ محمد خليل هراس المصرى فقد ألف رسالة قيمة فى " ابن تيمية وبيان عقيدته السلفية" وقد تقدم بهذه الرسالة لنيل شهادة العالمية من درجة أستاذ في التوحيد فنالها بدرجة (جيد) ولقد ترجم شيخ الإسلام واعتمد على مؤلفاته وتحقيقه علماء مصر والشام والعراق والهند وأما اهل نجد فهم كسائر الحنابلة لا يعدلون بكلامه كلام أحد من العلماء . ومما شرح صدري وأنار فكرى ما رأيته فى رحلتى الأخيرة الى مصر من علماء الأزهر الشريف لاسيما لجنة الفتوى التى يرأسها العلامة الإمام عبد المجيد سليم ، من إقبالهم على مؤلفات ابن تيمية ومعرفتهم بقدره وعلمهم أن ما نسبه إليه أعداؤه من الأقوال الباطلة محض كذب وافتراء وبهتان : (يريدون أن يطفؤا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره).

" يتبع " الطائف

اشترك في نشرتنا البريدية