كنا جالسين أمام مقهي قدماء المحاربين(Cafee des anciens Combattants ) بقبلى نحتسي كؤوس الشاى المترعة التى وضعها أمامنا الشوشان ( باك على ترمبيطة ) ( 1 ) عامل المقهى تظللنا دوحة الصفصاف الكبرى الحانية على رواد المقهى ، تلطف بغصونها الهفهافة من حر قيظ قبلى الخانق ، وتسعد آذانها بخشخشة ناعمة صادرة من حركات أوراقها المهدلة أمام النسمات ، تصاحبها زقزقات الخطاطيف المعششة فى أقرب أغصانها الى الجو .
كنا نتحدث ، وكان حديثنا فى السياسية طبعا ، وحتى اذا تحدثنا خارج السياسة فان السلطة العسكرية الفرنسية والسلطة التونسية ، تعتقدان أن حديثنا لا يخرج عن السياسة ، وتسربت هذه العقيدة الى السكان أنفسهم فهم لا يتصورون أن يتحدث مبعد مثلى ، محكوم عليه بالاقامة الجبرية فى قبلى فى غير السياسة وفي غير الحزب الدستورى وزعمائه .
كنا نتحدث فى صوت خافت يكاد يكون همسا ، لأن الأذان كانت مفتوحة لتلققف كل ما يخرج من أفواهنا ، ما دام حديثنا فى السياسة ، ولكننا نرفع أصواتنا عندما نتحدث حديثا عاديا فى الجد أو فى الهزل
كان ذلك فى صائفة 1941 ، وكانت الحملة الأولى التى باشرتها السلطة المحلية منذ قدومنا إلى قبل فى ريع 1940 قد فشلت فشلا ذريعا ، إذ
وضعت علينا الارصاد وكل من جالسنا أو تردد علينا ألقته فى السجن خمسة عشر يوما بأحد الاتهامات والذرائع الباطلة . ولكن الطلبة - بارك الله فى الطلبة - من الزيتونة ومن المدارس الثانوية بتونس قد قاوموا هذه الحملة ، وتحمل بعضهم السجن ، وبعضهم التحقيقات والتضييقات ، حتى قضوا على الحملة وخمدت النار وأصبح الناس أحرارا فى مجالستنا
وكان مبرر الطلبة فى مجالستي - شخصيا - أني أديب وانهم فى حاجة الى مراجعة معلوماتهم الادبية والاستزادة مما عندى فى هذا الباب . أما مبرر الجلوس مع رفيقى المرحوم أحمد عياد (2) فهو أنه يمارس التجارة فى أنسجة قصر هلال الصالة لتلك الجهة ، وأنهم يترددون عليه لشراء ما يلزمهم من حاجبات .
كنا جالسين أمام المقهي نتحدث ، فاذا بأحد الاصدقاء من تجار ( سوق البياز ) البارزين ، وأحد أصدقاء ( القبطان أبادى ) رئيس مكتب الامور الاهلية يقف بجانبى ويرجو مني السماح له بالتحدث الى على حدة . فنهضت مودعا الجماعة - واعدا بالرجوع اليهم - وتبعته خطوات ، وكان وجهه مكفهرا وحالته غير طبيعية ، وكنت أعرف أنه من التونسيين المخلصين الصادقين ، وما كانت صداقته للقبطان الا ظاهرية يستخدمها فى مصالحه الخاصة .
استندنا الى جدار قريب وبادرني بقوله : - لقد قدمت حالا من صفاقس ، وبدون أن أتم شؤونى التى سافرت من أجلها - ماذا وقع لك ؟ ان حالتك لا تبشر بخير ! - بادرت بالقدوم لاعلمكم قبل أن يباغتكم الملعون بما خبأه لكم - من هو هذا الملعون ؟ وماذا فى قدرته أن يخبئ لنا ؟
القيطان أبادي كان يقضي عطلته ، فقابلته صدفة فى صفاقس - وانت تعرف انه رجل ثرثار - فلم يكد يرانى حتى بادرنى بأنه قرر ابعادك أنت وأحمد عياد مع جماعة أخرى من قبلى من أصدقائكم الى محتشد قفصة الفظيع ، وأخبرنى أنه يصل غدا الى قابس ليحصل على موافقة الجنرال قائد المناطق العسكرية وبعد غد يصل قبلى لينفذ قراره فى الحال ، فرأيت من واجبى أن أبلغكم الخبر قبل قدومه حتى تعدوا أنفسكم للامر
قلت لصاحبى : - لا يحزنك هذا ، فقد رأينا أهوالا أكثر مما سنجده فى محتشد قفصة ، وقد اعتادت نفوسنا مثل هذه التنكيلات ، ولا تكون النتيجة الا فى صالحنا وخسرانهم ، وطمأنته بأنى سأبلغ الخبر الى أحمد عياد بنفسي
كان المرحوم أحمد عياد قد سبقني الى منفى قبلى بأيام ، والتحقت به يوم 4 ماي 1940 ، وعند وصوله الى قبلى بادر بفتح د كان للتجارة فى سوق (البياز) لبيع الالبسة من صناعة ( قصر هلال ) وعرف بين الناس بالمعاملة الطيبة والحديث اللذيذ ولف الجد في قوالب الهزل ، حتى ظن كثير من السكان - بما فيهم أعوان السلطة - ان الرجل فيه نصيب من البله وطيب السريرة . ولكنه كان يظهر بمظهر الجد الصارم كلما حاول بعضهم المس - ولو من بعيد بعقيدته الوطنية أو بأشخاص القادة الدستوريين ، وخاصة الرئيس بورقيبة ، وكان بصرح على رؤوس الاشهاد بأن بورقيبة رجل يساعده القدر ، وانه من الاولياء الصالحين الذين يتولى الله حمايتهم ويسدد خطاهم
وحل بقلبى قبطان جديد هو ( أبادى ) على رأس مكتب الامور الأهلية ، وهو رجل ثرثار ، شرس الاخلاق ، يلبس ( الشورت ) والقميص ( البولو ) قصير الاكمام ، رأسه محلوق ، ويدس رجليه فى ( عفاس ) .
استدعانا اثر تسلم مهامه - أنا وأحمد عياد وقبل التحية بادرنا بقوله : - أنا لا أحب الدستور ولا الدستوريين ، وقد جئت الى قبلى لأطهرها من هذا الوباء وسوف أفكر فيما اصنعه معكما ، وقبل ذلك يجب أن تلزما الصمت وأن لا تتحدثا فى السياسة مع الناس ، بل انى لا أحب أن تجالسا السكان البرآء ، يجب أن يبقى الدستور خارج ( البلاكة ) - لافتة الحلى بين قبلى والحامة .
فتولى الجواب أحمد عياد قائلا : - اطمئن ياحضرة القبطان فعقيدة الدستور قمح جيد ، لا ينبت فى السباخ فظهر الغضب على وجه القبطان وقال - أتسمى واحة قبلى سبخة ؟
قال أحمد : - يل انها عندى أتعس من ( كيان )التى يحدثوننا بأن فرنسا تبعد اليها المجرمين - اذن فأنا فى اعتبارك مبعد مثلك ؟
قال أحمد ضاحكا : - لا ، أنت حاكم بهذا السجن ، مثلك مثل حاكم ( كيان ) - يظهر أن لسانك طويل ، وفي حاجة الى التنقيص من طوله
قال أحمد متحمسا : - ليست لك قدرة على ذلك - بل انى قادر على نفيك فى (برج سعيدان ) . - وما هو برج سعيدان ؟ وهل هو اتعس من هذا المكان ؟ - انه برج فى الصحراء بين الحامة وقبلى ؟ - أوه ! أنت لا تعرف يا حضرة القبطان أن الدستوريين مثل عشبة النجم ، تنبت وتعيش فى الصخر ، واذا نبتت امتدت عروقها فلا يقدر أحد على قلعها والقضاء عليها - اخرج عنى ، فسوف ترى ماذا أصنع ؟
وشاعت أخبار هذه المشادة بين السكان ، ويظهر أن القبطان قد تحدث عن طول لسان أحمد عياد ، فشهد الناس - وفى مقدمتهم اعوانه الذين كانوا بحبون أحمد عياد ، لحسن معاملته لهم فى التجارة - بأنه رجل (نصف مجنون) لا يتحدث فى السياسة وانما هو مشتغل بتجارته وبالثرثرة الهازلة ، وما دفاع عن الدستور والدستوريين الا شطحة من شطحات جنونه ، يقصد منها العناد وإثارة محدثه .
ودلفت الى دكان أحمد عياد لأخبره بقرار القبطان القاضى بابعادنا الى محتشد قفصة وكنت شخصيا على علم من جحيم محتشد قفصة فقد كانت رسائل الاخوان الدستوريين تصلنى من المحتشد بين الحين والآخر بواسطة بعض حراسهم من أعوان ( القومية ) من المرازيق ، متحدثة عن هذا المحتشد
الجهنمى القائم فى أرض جبلية خالية تحرقه الشمس نهارا ، ويقاسى فيه الاخوان من هجومات البق - ليلا - بما لا يحتمله البشر ، وكانت المساكن عبارة عن ( براكات ) من اللوح المتآكل الذي لا يمنع حرا ولا قرا .
أخبرت الاخ أحمد - وما اعجب صبر ذلك الرجل - فما زاد على ابتسامة مرحة أردفها بقوله فى هدوء :
- هذا حكم القبطان ، أما حكم الله فهو غيب لا ندريه نحن ولا القبطان قلت :
- يجب أن تستخلص ديونك وتحزم أمتعتك ، ولا تقابل هذا الخبر بعدم الاكتراث .
قال جادا : - والله للن استخلص دينا ، ولن أحزم أمتعة ، وليحكم القبطان بما أراد . إن حكم الله فوق حكمه ، واني أعتقد أن شوكة بورقيبة أشد مضاء من شوكته ثم من ضمن لك أن يعيش القبطان حتى ينفذ قراره ؟
قلت : - انك دائما تخلط الجد بالهزل ؟ . قال فى لهجته الساخرة : - ما تخافش توا يدقه بورقيبة . قلت فى مرارة :
- ان شاء الله يا سى أحمد . وذهبت الى مسكنى ، وحزمت أمتعتى، وأعددت نفسي للرحيل ، أما أحمد عباد فلم يغير شيئا من حياته العادية . وتلاحقت الاحداث بعد ذلك اليوم فى سرعة غريبة ، وكانت الانباء تصلنى بواسطة اخوان مخلصين موظفين بمكتب الامور الاهلية . - فى اليوم الموالى أبلغوني أن القبطان ( أبادى ) وصل قابس ، وطلب
مقابلة الجزال ، وحدد وقت المقابلة فى الثامنة والنصف من صباح اليوم الموالى .
- وفي ضحى اليوم الموالى أبلغوني أن القبطان أصيب في الليلة البارحة ، بمرض مفاجئ في المصران الاعور ، وأجريت عليه عملية استئصال الزائدة الدودية فى الساعة الثانية بعد منتصف الليل وقد نجحت العملية . وسوف لن يرجع الى قبلى الا بعد ثمانية أيام على الاقل
هذه الانباء جعلتني أرجع شيئا فشيئا الى عقيدة أحمد عياد ، واصبحت أفكر جديا فى أن بورقيبة يساعده القدر حقا وان الله مع الدستوريين
- وفي صبيحة اليوم الموالى كنت أمام المقهى - وكان قريبا من مركز الامور الاهلية - فرأيت ما أدهشني : أعوان الصبايحية يقفون فى صف واحد أمام المركز منكسى السلاح ، واليوطنان مساعد القبطان يكلمهم فى حزن ، ولاحظت على واجهة المركز العلم الفرنسي منكسا .
سألت أحد الجالسين - ماذا وقع ؟ - لا أدرى ، يظهر أن أحد الكلاب قد مات ، هذه عادتهم اذا مات حاكم كبير وبعد قليل خرج أحد الموظفين بالمركز ، واتجه نحو المقهى ، فاستبشرت برؤية وجهه المبتهج وعلى فمه ابتسامة مشرقة ، وقبل أن اسأله بادرنى بقوله :
- لقد مات عدوكم - من ؟ - القبطان أبادى مات الليلة البارحة ، صحه ليكم أنتم ناس أولياء صالحين يلزم نزوروكم ونتبركوا بيكم . هو قصد باش يمرمدكم يأخذ دقيتوه
وقررت - حالا - أن أزف البشرى الى رفيقى أحمد عياد ، ولكن قبل أن أتحول من مكاني لمحته خارجا من مدخل السوق القبلى متجها إلى ، وجبته
مصلوبة الى يمينة ، - حسب عادته - واللحفة الهلالية البيضاء ، ثبت طرفها على كتفه ، بينما انساب طرفها الثاني على الارض ، يجر معه الاعواد والغبار وقبل أن يصلني صاح فى صوت جهير :
- قول شاى لله يابورقيبة ها هوكه دقه وارتحنا منه .
رحم الله أحمد عياد الوطنى المؤمن المخلص الذي قضيت بجانبه فى المنفى عامين وأربعة أشهر ، كان لى فيها ذكريات يطول شرحها ويلذ سردها ، وكانت له مواقف مشرفة عطرة مع سلطة قبلى المحلية ، العسكرية والتونسية ، ولعل القدر يساعدنى على كتابتها ونشرها يوما ، فيستفيد منها الادب والتاريخ .

