الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3الرجوع إلى "الفكر"

صالح سويسي القيرواني

Share

عبقرية عصامية :

هو شاعر لم يتتلمذ على أستاذ ولم يضمه مجلس درس ولم يثقفه غير عالمه الذي خلقه لنفسه فعاش فيه حياته محلقا بين أجوائه الزاخرة بالعواطف ، الفياضة بالأحاسيس الجياشة بالمشاعر .

انه صالح سويسى القيروانى الذى ولد سنة 1878 م . بمدينة القيروان واستطاع أن يخلد ذكره - بفضل عصاميته - فى سجل الادب العربى بتونس وأن يساهم فى بعث الشعور الوطني بين مواطنيه مما دفع الاستاذ زين العابدين السنوسى الى أن يقول عنه :

" هو أديب القيروان وحامل راية بيانها طيلة هذا الربع قرن الماضى ...

لقد شب أديبا واكتهل محترفا مهنة الادب برغم صعابها وما حفها الزمان به من ضيق اذ سحر مماشيها المسلوكة بما عبده حذوها من الطريق الرحبة الممهودة الباذخة " .

هذا ما شهد به له الاستاذ السنوسى فى كتابه ( الأدب التونسى فى القرن الرابع عشر ) أما شهادة الاستاذ محمد الفاضل بن عاشور فانها لا تقل دلالة على نبوغه وعبقريته وها هو يقول فى كتابه ( أركان النهضة الأدبية بتونس ):

" إن هذا الرجل الذى نعده نحن - وقد عده الناس قبلنا - ركنا من أركان النهضة الأدبية وعلما من أعلام الاصلاح الديني

والفكرى وموجها من موجهى الشعر الى أسمى مراقيه فى تصوير الحياة القومية الفكرية هو رجل لا يعد من المتعلمين لأنه لم يزاول دراسة منظمة ولا انتسب الى معهد علمي ومع ذلك استطاع أن يبرز من خوالد الأفكار والآداب ما كان منارا للعلماء ومادة لتغذية النتاج الأدبي الرفيع " .

لا مجال ازاء هاتين الشهادتين الى الشك فى نبوغ الشاعر وعبقريته . ولكن الا يدفعنا الأمر الى التساؤل عن الاسباب التى هيأت له سبيل هذا النبوغ وتلك العبقرية ؟

طبعا لا أحد يتصور أن تكون هذه الثقافة قد نزلت عليه من السماء فلا بد اذن أن تكون لها مصادرها واذا لم تكن هذه المصادر مجالس الأساتذة وقاعات الدرس ، فلا بد أن تكون كتب المطالعة المختلفة ، فهى التى ثقفته وصقلت مواهبه وكانت هى أحد الأسباب التى هيأت له سبيل النبوغ والعبقرية ومما يؤكد على ذلك ما ذكره الأستاذ محمد الحليوى فى كتابه ( فى الأدب التونسي ) اذ يقول :

" ان الشيخ صالحا كان من كبار القراء فيندر أن يسمع بكتاب جديد أو مجلة ، ولا يعمل جهده ليحصل عليها ويطالعها . وكان يكتب الى أحبابه الكثيرين من عمال ومتوظفين طالبا امداده بما عندهم من الصحف والمجلات فيمدونه بها عن طيب خاطر . وكان يقيد ما يروقه من هاته المطالعة في دفاتر أسماها ( سفينة نوح ) قد بلغت بضعة أجزاء ولا أبالغ اذا قلت ان جل ما أخرجته المطابع بمصر والشرق منذ أربعين سنة قد قرأه الشيخ وأفاد منه " .

إن عقلا يستوعب مثل هذه الآثار لا بد أن تكون له الطاقة القوية على الادراك . ومتى كان الادراك كان الانشاء والخلق ولذلك فنحن لا نعجب من تأدب الشيخ الشاعر رغم عدم تربعه فى مجالس الدروس التقليدية . والاستاذ الحليوى يورد عنه شيئا آخر ربما كان له اتصال بالسبب الماضي وربما أمكن لنا أن نعده سببا مستقلا وهو أن الشاعر كان يلم بالكثير من الحكايات والأشعار ويحفظها ، وكانت له حافظة زاخرة بالذخيرة تفتح لها قلبه وانطلق بها لسانه وتهيأ له بها أن يستميل القلوب ويمتلك المشاعر .

يقول الأستاذ الحليوي :

" وكان رحمه الله يحفظ الشئ الكثير من الحكايات والأشعار التى فيها ايقاظ للهمم وشد للعزائم فكان يوردها فى حديثه بلا حساب ويكسوها من حيوية نفسه وفصاحة لسانه ما يقربها الى القلوب ويشوق النفوس لسماعها ، فتعمل فى مستمعيها ما لا تعمله الخطب الطويلة والمواعظ الأنيقة " .

ثم لا بد أن يكون للمجتمع القيروانى تأثيره على نفس الشاعر وثقافته وتفتح شاعريته فالمعروف عن القيروان أنها كانت منذ عصور الفتح الاولى موطن العلم والأدب فى افريقيا . وقد نبغ الكثيرون من أبنائها عبر الأجيال المختلفة . وفي عصر الشاعر كانت الأسمار الأدبية وكانت النوادى وكان التلاقح الفكرى ، وقد تجمع التراث التاريخي مع الوجود الحاضر في جعل الشاعر ينصرف الى التيار الأدبي ينهل منه ويدر عليه بانتاجه .

ولعل الأهم فى الوجود الحاضر أن الجهل كان يخيم عليه وأن التأخر كان يغلل خطواته وقد لاحظ الشاعر الفارق بين الوجود الزاهر للقيروان فى القديم وبين الوجود المؤلم الذى أصبحت تعيشه من ناحية ، وبين تقدم الغرب وتأخرها هى من ناحية أخرى فكان لكل ذلك أثره فى ايقاظ مشاعره واثارة عواطفه واطلاق لسانه ، وقد قال فى بعض ذلك الأستاذ محمد الفاضل بن عاشور :

" ... فقد نشأ فى مدينة القيروان يستلهم من معالمها وآيات عظمتها الباهرة وذكريات المجد الاسلامى التى تملأ جوها النير العبق موقظات للحس الباطني ومحركات لرواكد العزائم والهمم "

وفي البعض الآخر من ذلك يقول الاستاذ محمد الحليوى مشيرا الى مكانة القيروان وتأثيرها فيه :

" ألم تكن عاصمة من عواصم الاسلام الكبرى ؟ أو لم يكن لها تأثير فى مصائر افريقيا وتحكم فى مجرى التاريخ الاسلامى ؟ أليست المعالم والآثار والمعاهد التى تركها الأسلاف بالقيروان توحى الى ضمير الرجل المستنير بشئ من المسؤولية أمام التاريخ وتدعوه الى أن يعمل فى أبناء قومه على بعث اليقظة والشعور لاسترجاع العزة المفقودة واحياء المجد الدائر ومجاراة

أمم الشرق فى التطور والنهوض والأخذ بأسباب الثقافة العصرية التى تضمن لها حياة العزة والكرامة ؟ "

وقد كان الشاعر السويسي الرجل المستنير فسعى الى انارة الطريق أمام أبناء مجتمعه باستفزاز مشاعرهم واثارة حميتهم ودعوتهم الى العمل من أجل استرجاع العزة والمجد مما سنلاحظه فى آثاره خاصة منها الاجتماعية .

ألوان ومؤثرات :

لقد عالج الأديب القيروانى صالح سويسى نظم الشعر وكتابة القصة والمقالات . ولكنه كان فى عالم الشعر أحذق منه فى غيره وفي الشعر الاجتماعى أروع منه فى ألوان الشعر الأخرى .

وحتى تكون لنا فكرة ولو عامة عن مختلف انتاجه يمكن أن نشير أولا الى آثاره النثرية وخاصة الى روايته ( الهيفاء وسراج الليل ) وبعض الآثار الأخرى التى صاغها فى قالب مقالات .

لقد صور فى روايته حياة شاب نشأ على الفطرة وحين ارتحل الى المدينة لطلب العلم لاحظ تقصير العلماء فى محاربة البدع والفساد فأخذ يبدى تعجبه من موقف العلماء السلبى ...  وباختصار يمكن أن نصف هذه الرواية بأنها رواية اجتماعية لا تكاد تختلف فى اتجاهها عن مقالاته وقصائده . وقد قال عنها الأستاذ محمد الفاضل بن عاشور :

" فى سنة ألف وثلاثمائة وأربع وعشرين ، نوهت الصحف بأن شاعر القيروان صالح سويسى قد ألف رواية أدبية انتقادية اجتماعية سماها رواية ( الهيفاء وسراج الليل ) فكانت رواية الهيفاء وسراج الليل أول رواية ظهرت في تاريخ الأدب العربى بتونس . وهي وان كانت مقامة على هيكل القصة البسيطة ضعيفة العقدة الروائية الا أن أولويتها من جهة وابتناءها على فكرة الاصلاح من جهة أخرى يمكن لها منزلة مهمة فى تاريخ الفكر وتأسيس نهضة الأدب " .

هذا ما قاله الأستاذ ابن عاشور ومثله يمكن أن نطلقه على المقالات فهي بالرغم من ضعف صياغتها تعالج مواضيع قومية واجتماعية وقد ضم الديوان ( زفرات الضمير ) أربع عشرة مقالة استغرقت ما يقارب ستا وثلاثين صفحة

وهنا تجدر الاشارة الى أن ما تناوله سويسى فى آثاره سواء كانت نثرية أو شعرية يتصل اتصالا وثيقا بالجانب القومى الاجتماعى ، مما يدفعنا الى التساؤل عن الأسباب التى دفعته الى أن يتجه هذه الوجهة خاصة وشعراء عصره فى عمومهم لم يكونوا يعالجون فى آثارهم غير الأغراض التقليدية من مدح ورثاء وغزل وعتاب وتهان وما اليها .

والواقع أن الوجود الذى كان الشاعر يعاصره لم يكن الشعب فيه قد تنبه الى الأمراض التى تنخر جسمه اذ لم يكن قد أفاق بعد من صدمة الاحتلال ، واذ لم يوجد المصلح الذى يمكن أن يخلصه من براثن أغلاله . وقد لاحظ صالح سويسى ذلك وأدرك أن خلاص شعبه لا يتم الا متى تهيأ لايقاظه وإصلاحه مفكرون ينيرون له الطريق ويرشدونه الى مسالك النهضة . وعلى ذلك يكون الوجود الاجتماعى نفسه أحد الأسباب التى دفعته الى معالجة القضايا الاجتماعية ، فاذا أضفنا إلى هذا العامل عاملا آخر هو اتصال الشاعر بمختلف الطبقات الشعبية أمكن لنا أن ندرك كيف سهل عليه أن يتعرف على مشاكلها والعوائق التى كانت تصدها عن التقدم والرقي . وقد قال الأستاذ محمد الحليوى متحدثا عن هذه الخاصة فيه :

" يمتاز الشيخ صالح - رحمه الله - بأنه الأديب الوحيد الذي استطاع أن يختلط بجميع طبقات الشعب ، وأنه الأديب الوحيد الذى استطاع أن يفوز بحب الناس جميعا ، وكان فى اختلاطه بكل الطبقات يعمل عمل المصلحين المرشدين فهو لا ينى - فى كل موطن - عن التذكير بما كان عليه السلف الصالح من الاستقامة والغيرة والحرص على طلب العلم والقيام باجراء العدل وخدمة الدين " .

ثم إن من بين الأسباب التى دفعته الى هذا الاتجاه الاجتماعى اتصاله بالشيخ المصلح محمد النخلى الذى كان مواظبا على حضور مجالسه لا ينقطع عنها وقد قال الشيخ محمد الفاضل عن هذه الصلة الوثقى التى تجمع بين الأديب وبين الشيخ المصلح :

" كان مترجمنا صالح سويسى .... يقبل على مجالس الشيخ فى لهفة ويطلب منه أن يعقد مجالس للدرس لا ينقطع عن شهودها حتى أصبحت دعوة الشيخ محمد عبده متعة روحه وذكر الشيخ النخلى - لمقامه منها - سلواه وعدة ضميره

الاصلاحى . ففاض شعره ونثره بهذا الوجدان الذي أصبح مسيطرا على نتاجه ومؤثرا فى نتاج الأدباء من حوله ومن بعده " .

وعلى ذكر الشيخ محمد عبده يتوجب علينا أن نثير الى عامل آخر ، هو مقارنته بين الواقع التونسى الراكد وبين الواقع المشرقى الذى بدأت طلائع النهضة تشرق فى سمائه فقد كان الشاعر كما ذكرنا سابقا منكبا على دراسة الآثار المشرقية وقد كان أيضا كما قال الاستاذ الحليوى على صلة كبرى مع زعماء النهضة فى بلاد المشرق وها هو يقول فى هذا المجال :

" وكان الشيخ صالح - رحمه الله - من أبرز هؤلاء الأفراد القليلين الذين أولعوا بمطالعة ما يكتبه أعلام النهضة الاسلامية فى ذلك الوقت من أمثال جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده وتلامذتهما وهم سعد زغلول والمتفلوطي وشكيب أرسلان ومحمد رشيد رضا والشيخ على يوسف صاحب جريدة ( المؤيد ) التى كانت افسح ميدان لنشر آراء هؤلاء الكتاب والمفكرين . وفى مدرسة ( المؤيد ) تخرج الشيخ صالح سويسى وبدعوة الأفغاني ومحمد عبده وتلامذتهما تأثر ، وبهدى أفكارهم اهتدى ، وعن وحيهم صدر وعلى غرارهم ضرب ، ومن أسلوبهم اقتبس " .

وكما كان الشاعر يقارن بين الوجود التونسى فى خموله وجموده وبين الوجود المشرقى فى حركيته ومحاولته النهوض ، كان يقارن أيضا بين الوجود العربى عامة وبين الوجود الغربى وهذا ما نلمسه كثيرا فى شعره كما سنتبين .

وهكذا يمكن أن نقول باختصار إن العوامل التى دفعت الشاعر الى أن يهتم بالوجود الاجتماعى تتمثل فى اختلاطه بطبقات الشعب وتعرفه على أدواتها خاصة حين المقارنة بين وجودها وبين الوجود العربى الشرقى أو الغربي ، كما تتمثل فى تأثره بآراء الشيخ محمد النخلى بتونس وجمال الدين الأفغاني    ومحمد عبده وتلامذتهما بالمشرق . فهذه المؤثرات هى التى صبغت عموم شعره بالصبغة الاجتماعية حتى قال فى ذلك الأستاذ محمد الفاضل بن عاشور :

" كانت غايته من الشعر فى عامة مراحل حياته هي تلك الغاية الاصلاحية فكان لسان الاحساس القومى والنهضة

الفكرية ، وكان شعره ينزع أحيانا نحو الاطمئنان الى الخير فيفارق السخط على الحياة والتبرم بها عندما تلوح له بادرة من بوادر العمل الجدى فى سبيل النهضة والاصلاح  ".

حامل الراية الاصلاحية :

قبل أن نحاول التعرف على المواضيع التى كان الشاعر قد عالجها وقبل أن تحاول استعراض بعض الشواهد عليها أرى أن نشير ولو بايجاز إلى العصر الأدبي الذي كان قد عاشه ، اذ لا يتسنى لنا أن نحل أى أديب المكانة التى يستحقها ما لم نتعرف على الحياة الأدبية فى عصره ومدى ما ساهم به في تكوينها أو تجديدها وتطويرها .

كان الشعر يعاني مأساة جموده وتحجره ، لا يكاد يخرج عن المواضيع التقليدية التى أغرق فى تناولها شعراء عصر الانحطاط الى أن كان الشاعر صالح سويسى فحاول الخروج به - ومعه نخبة من الشعراء المعاصرين له - الى عالم النور والتحرر ليجعلوه معبرا عن الاحساس الدينى القومى ومنارا يهدى التائهين الى طريق الرشاد والخير ووضعوا له اسما مميزا هو اسم ( الشعر العصري ) وهي تسمية أخذوها عن أدباء الشرق الذين أطلقوها على شعر الاجتماع والحكمة والدعوة الى النهوض والمجد . وقد قال الاستاذ محمد الفاضل بن عاشور فى كتابه ( الحركة الادبية والفكرية فى تونس ) متحدثا عن هذا الشعر العصرى وعن معالجة الشاعر سويسى لأبوابه :

" ابتدأت الصحافة الشرقية تطلق هذا اللقب على الشعر الاجتماعى والحكمى لا سيما الذى يقصد الى التذكير بالمجد والتوجيه الى مسالك النهضة والتحرر والتجدد ...

وتلقف تلك الطريقة شاعر القيروان صالح سويسى .. فبدأ يتغنى بالقصائد المتوالية فى التنديد بسوء حال الأمة الاسلامية والفرق الواضح بين عظمة ماضيها وحقارة حاضرها . فكانت انغامه كلها تحرقا وعويلا ، يظهران من عناوين قصائده ... فكان بذلك حامل راية الشعر الاصلاحى التجديدى .. " .

وهكذا ، ومن خلال هذا القول يمكن أن نتوصل الى معرفة بعض الأغراض التى كان الشاعر يركز عليها دعوته وعمومها يتصل بالوجه الاجتماعى :

من أبرز هذه الأغراض الدعوة الى طلب العلم ، وهو غرض كان بعض شعراء المشرق والشعراء الذين عاصروه قد تناولوه .

ومن تناول الشاعر لهذه الأغراض يمكن أن ندرك أن الجهل كان متفشيا وأن تفشيه كان أحد الأسباب التى أدت الى تأخر الشعب واستعباده . والشاعر كثيرا ما كان يلجأ الى المقارنة بين الواقع الزاهر الذي كان المسلمون يعيشونه وبين الحاضر المر الذى أصبحوا يحيونه أو بين الواقع الاسلامي بتونس الذي خيم عليه الجهل وبين الواقع الغربى الذى سما الى الأوج بعلومه ومعارفه . يقول فى قصيدته ( الى بني وطني ) موازنا بين ماضينا المجيد وحاضرنا المؤلم :

أفيقوا يا بني وطني المعلى    فقد طالت بكم سنة الرقاد

أفيقوا واذكروا تاريخ مجد     لآباء لهم بيض الايادى

فقد كانوا ذوى عزم وحزم    وعلم قد أضاء على البلاد

وهم عمروا وساسوا الملك حقا  سياسة قائد سلس القياد

فدان الناس وامتثلوا وطاعوا     وفاؤوا للتمدن والرشاد

وهم عرفوا العلوم ودونوها     وهم ملأوا بعلمهم البوادى

فمالى لا أرى الا بقايا          كساها الحزن أثواب الحداد

تغيرت البلاد ومن عليها      ودون رجوعنا خرط القتاد

تلبد فى أفاق الفكر جهل     فأوجب كل شر فى العباد

ويتعرض الشاعر فى القصيدة نفسها الى الموازنة بين الواقع الغربى وواقعنا فيقول :

سواكم فاز بالقدح المعلى وأنتم ، مالكم حلفا الرقاد ؟

مدارسهم أوانس من علوم    ترقى النوع والمقصود بادى

صحائفهم صفائح للأعادى    وعائد وصلة لذوى الوداد

مجالسهم تدور على صلاح    عمومي مقررة المبادى

ونحن على النقيض أليس نحسا   بطالعنا وميلا عن رشاد ؟

والواقع أن محاربة الشاعر للجهل ودعوته الى العلم كانتا قد ملكا عليه مشاعره ومن ذلك تضمنتهما مواطن كثيرة من قصائده وقد أدرك الاستاذ محمد الحليوى هذه الحقيقة فعمد الى ابرازها مستشهدا بمقتطفات من آثار الشاعر. وكان من بين ما سجله فى هذا المجال قوله ضمن كتابه ( فى الأدب التونسى ):

" يجب المصلح أن يدعو قومه للنهوض من سباتهم فاذا فتحوا عيونهم وتحركوا وقالوا كيف تريد منا أن ننهض ؟ وما هى وسائل هذه النهوض الذى تزعج نومنا بالدعوة اليه عرض عليهم برنامجه الاصلاحى فى حرارة وايمان "

وبرنامج الشيخ صالح الذى عرضه على بنى وطنه برنامج بسيط لا تعقيد فيه ولا تشعب ، فهو يريد أولا الاقبال على العلوم خصوصا العصرية منها ومجاراة الأمم التى غلبت بالعلم وسادت به غيرها من الشعوب ... والعلم هو سبب التقدم وبه تتم السيادة والعزة :

هيا انتصوا لى فانى ابن موطنكم      لا أشتكى أبدا فى نصحكم تعبا

هيا املأوا من علوم العصر حافظة   فبالعلوم ينال المرء ما طلبا

انى افتكرت لداع فى تأخركم        فلم أجد غير نبذ العلم لى سببا

قد ساد غيركم بالعلم واجتهدوا    وحصلوا من فنون العلم ما نضبا

آفاق قومية :

الى جانب اهتمام الشاعر بالدعوة الى العلم كان اهتمامه بأهم مقومات القومية ، ومنها وحدة التاريخ ووحدة اللغة ووحدة الدين ووحدة الاحساس ، وكلها قد نالت حظها من اهتمام الشاعر وكان لها انعكاس كبير على شعره .

فعن وحدة التاريخ تجد القصائد الكثيرة التى تحاول ربط الماضي بالحاضر وذلك عن طريق التذكير بأمجاد الماضى والحث على التخلص من ذل الحاضر . وفى هذا المجال يقول الاستاذ الحليوى :

" هاته الدعوة الى النهوض واليقظة تراها هكذا فى أغلب شعره تعتمد على حجج مقتبسة من التاريخ ومن عظمة الأمة الاسلامية فلماذا لا ننهض ونحن ورثة مدنية عظيمة ومستودع تاريخ حافل بالعظائم ؟ ولماذا لا ننهض والدين الاسلامى لا يمكن أن يتدين به قوم أموات لأنه دين يقوم على عناصر

ومبادئ تبعث فى النفس حيوية وعزة وكرامة لا تتفق مع هذا الموت الأدبي الذي يراه الشاعر فى أبناء قومه ؟ " .

هذه هي شهادة الاستاذ الحليوى فى موقف الشاعر من حاضر قومه بالمقارنة بينه وبين ماضيهم . ومن بين الابيات التى أوردها فى استشهاده هذا المقطع من قصيدة ( يا أمة القرآن ) :

يا أيها الأحرار هبوا فانظروا    ما قد حوى قرآننا وتدبروا

قد جاء فى آياته : ان تنصروا .. قوموا اعملوا بأوامر الديان

          هيا انهضى يا أمة القرآن

ومن قصيدة أخرى بعنوان ( ما آن أن تنهضى يا أمة العرب ) يستشهد بهذين المقطعين :

الى متى أمة الاسلام فى كرب   وقد أحاط بكم جيش من النوب

والفكر أضحى من التأخير في تعب   والغير فى الجد أما نحن فى لعب

            ما آن أن تنهضى يا أمة العرب

أين الديار التى بالعز آهلة أين الربوع التى بالفضل عامرة

أين العيون التى بالحزم ساهرة هذى مآثرها من أعجب العجب

         ما آن أن تنهضى يا أمة العرب

والى جانب هذه اللفتة الواعية للماضى المجيد والتذكير به والدعوة الى جعل الحاضر امتدادا لأمجاده اهتم الشاعر كثيرا بمقوم آخر من مقومات القومية هو اللغة فانبرى يدافع عنها ويدعو الى التمسك بها والحفاظ عليها اعتقادا منه أن أية أمة لا يتسنى لها الحفاظ على شخصيتها ما لم تحافظ على لغتها ومن ذلك ارتفع صوته - كما ارتفع صوت حافظ ابراهيم فى المشرق - مصورا مأساتها التى أصبحت تعيشها ومحرضا على إحيائها حتى تكون الحياة لأبنائها يقول فى قصيدته ( دمعة على اللغة ) :

عجبا لهم قد ضيعوها جهالة واستبدالوها بموحش الكلمات

فاستنفرت من قولهم ولطالما جادت على الأسلاف بالنفحات

جاء الكتاب بها الى من أسعدوا ببشائر التذكير والآيات

سئمت من اللفظ الثقيل وحالهم فبكت على الماضي وحال الآتي

درست معالم مجدها وتجردت عن رونق ومحاسن نضرات

عظم السقام بها وطال أنينها وتململت من شدة العثرات

ويتخلص الشاعر من هذا الوصف المأسوى لحياة اللغة العربية الى الحديث عن المجد الذى أكسبته أبناءها فى ماضيهم . ولا غرو فهى لغة القرآن التى لم نضيع عزتنا الا باضاعتها :

كانوا بها بين الأنام أعزة      ومصاقعا فى أرفع الدرجات

ولكم بها نفروا خفافا نحو ما  يعلى النفوس ويصقل الملكات

ولكم بها خدموا الديانة حقبة  وتعاضدوا بين الورى بثبات

هذى فوائدها ولست بقادر   عن وصف ما فيها من البركات

لغة السعادة مذ أضعناها غدت  أحوالنا فى أسوإ الحالات

لغة الكتاب هي الحياة لكل من  يبغى الحياة ، ومن لنا بحياة

والدين هو أحد مقومات القومية وكان الشاعر قد لاحظ تخلى الشعب عن مبادىء دينه وتعلقه بأسباب الغي أو ببعض المعتقدات الخرافية التى لا صلة لها بالدين الحقيقي . وأدرك أن من أسباب تأخره وانحطاطه هذا التخلى عن المبادئ الدينية فأخذ ينبهه الى واقعه ويحرضه على حفظ الدين وتنقيته من الشوائب التى لحقت به ويهيب به أن يجانب مظاهر الفساد حتى يستعيد كرامته ويواكب الأمم فى نهضتها :

يا أمة الاسلام كم هذا العنا   أفما لنا عن زجرنا أحلام ؟

يا أمة الاسلام هذا ديننا      وكتابنا أفما لنا أفهام ؟

يا أمة الاسلام هل من عالم   ذى غيرة من شأنه الاقدام ؟

يسعى ويرفع مجدنا بين الورى   وبنفعه يستبشر الاسلام

قوموا لرفعة دينكم وتعاونوا   وعليكم بين الأنام سلام

ولا يهمل الشاعر وهو يحث قومه على التمسك بمبادئ الدين ملاحظة بعض الاوبئة الأخلاقية التى كانت تنخر وجودهم فهو يهتف بهم فى قصيدته ( يا أمة العرب ) قائلا :

يا أمة لعظيم النصح ما سمعت   أسلافها استيقظوا لكنها رقدت

وفى نوادى الهوى والفحش قد رتعت   وما أفاد لسان الوعظ والخطب

                   ما آن أن تنهضى يا أمة العرب

هذى المفاسد قد راجت بضائعها     كذا الفواحش قد عمت وقائعها

والخمر أثرى بين الناس بائعها     والفكر عن كل نفع صار فى حجب

                 ما آن أن تنهضى يا أمة العرب

وموقف الشاعر عن الوحدة القومية لم يكن أقل عناية من مواقفه السابقة فهو قد اهتم بهذا الجانب اهتماما كبيرا ونادى أبناء شعبه الى نبذ الخلافات والحزازات والاحقاد فى أكثر من قصيدة ويكفى أن نستمع اليه فى هذين المقطعين من قصيدته ( يا أمة القرآن ) ليتبين لنا ذلك . يقول :

هذا الكتاب أتى يؤلف بيننا   فلم التقاطع والتدابر والعنا

ان دام هذا الحال حل بنا العنا   أفما لنا رجعي الى الاحسان

               هيا انهضى يا أمة القرآن

اسلافنا فتحوا البلاد وعمروا   والى التكاتف والتعاون شمروا

هذى تواريخ الحقائق فانظروا   كم شيدوا بعواصم البلدان

            هيا انهضى يا أمة القرآن

هذه هي الاجتماعيات فأين السياسيات :

الملاحظ أن عموم شعر سويسى الذى وصلنا كان اجتماعية فى موضوعاته فاذا كنا متأكدين من أن وطنيته هى التى دفعته الى معالجة الاوضاع الاجتماعية راودنا سؤال موضوعى هام هو : كيف قعدت به هذه الروح الوطنية عن خوض غمار الوجود السياسي ؟ هل كان ذلك لأنه كان يفضل أن يستأصل الأدواء على أن يصور الأحداث الآنية العابرة ؟ أم هنالك عوامل أخرى لم تكشف عن نفسها بوضوح ؟

الذي أراه أن الشاعر لم يقصر اهتمامه على الشؤون الاجتماعية بل تجاوزها الى الاحداث السياسية وأن الذى جعلنا نعتقد غير ذلك هو اعتمادنا على ديوانه ( زفرات الضمير ) وهو ديوان كان قد أصدره سنة 1911 أى قبل تحول عامة الشعراء عن المنهج الذى سلكه هو الى المواضيع السياسية حيث كان اتجاههم

منذ عهد الاحتلال حتى هذه السنة قاصرا على الدعوة الى الاصلاح من حث على طلب العلم الى تحريض على التمسك بتقاليد الدين الصحيح الى تذكير بأمجاد الماضى وما الى هذه من الأغراض القومية الاصلاحية .

إن الشعراء عامة منذ عهد الاحتلال وحتى السنة الحادية عشرة من هذا القرن تقريبا لم يكونوا قد تفاعلوا مع أحداث النكبة بالاستعمار وكان أول حدث سياسى تفاعلوا معه لا يتصل بواقعهم الاقليمى ، وهو حدث حرب طرابلس الذي كان له تأثيره العميق على مواطنى تونس عامة وعلى قلوب الشعراء بصورة خاصة فتفاعلوا معه وتحمسوا له ونددوا بالغزو الايطالى واستثاروا الهمم لنصرة الاخوان العرب فى طرابلس وكأنهم برآء من الاستعمار خلصاء من العبودية .

يقول الأستاذ الفاضل بن عاشور :

" كان أقرب الأحداث مساسا باحساس الشعراء التونسيين هو حدث طرابلس فاندفع صالح سويسى وسالم بن حميدة والصادق الفقى يصرفون حماسهم فى وصف المعارك ومواقف الأبطال ويتطاولون على الغارة الايطالية بالتهكم والتحقير والتحدى فأخرجوا ضربا من الشعر صورت فيه الحرب الطرابلسية بمقابلاتها الدامية وبما وراء المقابلات من عواطف وانفعالات على طريقة شعر الملاحم "

اذن فالشاعر سويسى قد تفاعل مع حدث طرابلس وهو حدث سياسي ، كما تفاعل معه بعض الشعراء الآخرين - فلعل هناك بعض الأحداث السياسية الاخرى غير حدث حرب طرابلس كان الشاعر قد صورها دون أن نطلع عليها .

لا يبدو ذلك أمرا مستبعدا خاصة إذا علمنا أن وفاة الشاعر كانت سنة 1941 وان ثلاثين سنة كانت تفصل بين نشره لديوانه 1911 - وهو معتمدنا فى هذه الدراسة - وبين موته .

وعلى كل وحتى تكشف لنا الأيام عن انتاج الثلاثين سنة المغلقة يمكن لنا أن نتأمل هذه الأبيات من قصيدة ( جريح الحرب ) التى نشرتها جريدة التونسي وقدمت لها بما يلى :

" صاغ بلبل شعراء القيروان الصداح صديقنا الشيخ صالح سويسى تغريدا حماسيا يستندى به أكف الكرماء

لاعانة الهلال الأحمر ولذلك بادرنا لنشره تحريكا للهمم وايقاظا للشعور قال يصف الجندى فى موقف القتال .. "

وبعد هذه المقدمة تورد جريدة التونسى نص القصيدة وهذه بعض أبياتها :

شهم حوى فى سبيل الله رضوانا      قد خاض من بأسه فى الحرب ميدانا

بالحزم مرتفع ، بالعزم مندفع        يحمي بصارمه دينا وأوطانا

ابدى العجائب في الحرب التى شهرت   على بني وطنه ظلما وعدوانا

طارت له من رصاص البغى أربعة    فصادفت منه أعضاء وجثمانا

فسأل منه دم بالطهر ممتزج        قد فاق من جنسه فى العز الوانا

فخاطب الجند فى الهيجاء مبتسما    لا تجزعوا وثقوا قد كان ما كانا

هذا الوسام الذى تصبو القلوب له   دع عنك أو سمة صيغت وتيجانا

هذه هى صرخة الشاعر ابان حرب طرابلس ، ومنها نعلم انه لم يتوان عن استعراض الاحداث السياسية . ومن يدرى فربما كانت له مواقف سياسية لم يتهيأ لنا الاطلاع عليها .

رائد أول :

أول ما تجدر الاشارة اليه عند حديثنا عن زيادة الشاعر سويسى هو عصاميته وبطولته النفسية اذ استطاع بالرغم من قصور ثقافته المدرسية أن يكون له انتاجا زاخرا فيه الموعظة والعبرة وفيه النصح والتوجيه وفيه التذكير والتنديد وفيه القصيد الخليلى والقصيد المقطع والقصيد الموشح وفيه القصيد التام والقصيد المشطر وفيه بعد كل ذلك خروج عن المواضيع المطروقة المتداولة  بين شعراء عصره مما كان لها ارتباط متين بعصر الانحطاط.

ثم هنالك ناحية اخرى تجدر الاشارة اليها وهي أنه لم يقتصر في انتاجه على الشعر ، فله من الآثار الأدبية بعض المقالات والرسائل والقصص التى وان لم تكن قد بلغت الجودة الفنية بالنسبة لعصرنا فانها كانت تعتبر فى عصره من الانتاج الأدبي السامى الذى لا يصل الى مستواه الا من كانت له ثقافة أدبية واسعة .

اشترك في نشرتنا البريدية