الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "المنهل"

صخرة النجوى

Share

تابطت " نادية " كتبها وخرجت بخطى سريعة متجهة نحو الملعب الكبير الملحق بالكلية ، وكان على شفتيها طيف ابتسامة وعلى وجنتيها حمرة خفيفة . . تنم عما تشعر به من سعادة وسرور ، ففي عصر هذا اليوم ستقام مباراة لكرة القدم بين فريق الكلية وفريق آخر ، وتوجهت نادية الى المدرج وجلست فى الصفوف الاولى حتى تتمكن من مشاهدة المباراة وتتبعها بوضوح ، وبعد مدة قليلة امتلأ المدرج بالمشاهدين من طلبة وطالبات الكلية وهواة هذه الرياضة وتوافد اللاعبون الى الملعب فى خطى رشيقة . . . وبدأوا يتقاذفون الكرة برؤوسهم واقدامهم استعدادا للبدء بالمباراة . .

وأما فتاتنا فكانت جالسة بين جموع النظارة تجيل نظرها فى الملعب حتى يستقر على لاعبى الكلية هنيهة ثم تدير رأسها الى طالبة من زميلاتها جالسة بجنبها وتسألها بصوت منخفض : سمعت ان سامى سيلعب اليوم ! هل هذا صحيح ؟ . . فتجيبها : نعم . . لقد شفيت الضربة التى اصابته في ساقه وقرر الطبيب ان لاخطر عليه إذا اشترك في المباراة فتنهدت نادية بارتياح وعاد نظرها الى التحديق في اللاعبين . .

ولكن هل كانت حقا من هواة كرة القدم حتى غمرها هذا السرور والمرح

وعهدنا بها هادئة رزينة ، انها لم تكن تهتم بمشاهدة المباريات الرياضية أبدا ، ولكن دافعا من نفسها دفعها اليوم لتحضر هذه المباراة بالذات . . لانها سمعت ان " سامى " سوف يشترك مع فريق الكلية ، وها هى جالسة فى الصفوف الاولى لترى سامى وهو يلعب بعد ان شفيت ساقه .

وساءلت نفسها : هل هي تحبه ؟ انها لا تدرى . . ولكنها طالما اعجبت به فى السابق ، ففي شخصيته المرحة المحبوبة ولطف ورقة حديثه ما يجذب اليه القلوب ويجعله محط الاعجاب من زملائه وزميلاته ، لقد كان ذلك اعجابا ولا تدرى هل تطور الى حب . .

وبدأت المباراة وبدأ معها الهتاف والتصفيق والتشجيع للاعبى الفريقين اما نادية فكانت تنظر الى لاعب فقط وتصفق وتهتف من قلبها لهذا اللاعب الذي بدأ يلمع نجمه بين اللاعبين انه " سامى " الجناح الايمن للفريق وعندما سجل الاصابة الاولى لصالح فريقه ، وسمعت التصفيق والهتاف المدوى احست بالفخر والزهو وكأنها هى المقصودة بهذا الهتاف . وتساءلت لماذا تفخر ؛ وما شانها به ؟ وجاءها الجواب من نفسها غامضا رهيبا .. انها . . انها تحبه . .

وانتهت المباراة . . وانتصر فريق الكلية ، واحاط بسامى زملاؤه ..

وزميلاته يهنئونه ويصافحونه ... وتقدمت نادية على استحياء وصافحته وشعرت بهزة تسرى فى كيانها عندما لمست يدها يده ، وابتسم لها كما فعل مع الجميع وانطلق من بينهم ليلحق بفريقه ، واحست نادية بقلبها ينطلق خلفه وظلت ترمقه بعينيها حتى اختفى وعادت الى البيت فى هدوء ، ولكن نفسها كانت مسرحا تتصارع فيه عواطف متباينة انها تشعر بالسعادة والنشوة لهذا الحب الجديد ، ولكنها ايضا متوجسة لانها جديدة على الحب ولا تدرى هل ستكون طريقه حافلة بالسرور والهناء ، أم مليئة بالاشواك والعذاب ؟ . . والتقت به في الساحة مرات . . والتقى نظرهما ، ولكنها لم تستطع أن تجد فى نظراته ذلك الوميض السحرى الذى لا يتجاوب له الا قلب العاشق ولا يفسره الا المحب الواله ، وذات صباح رأته وحيدا فسارت نحوه فى وجل وقالت :

- صباح الخير يا سامى . . - أهلا ، صباح الخير نادية . . وحارت بماذا تتكلم ومابالها تشعر باضطراب وهي معه ، واين يذهب كل ما تحضره من كلام لتقوله لسامى فى مثل هذه اللحظات ، وقالت بعد فترة من الصمت :

- اننا جميعا فخر بك . . . فقد رفعت رأس كليتنا عالية فى ميدان الرياضة وحبذا لو كان فى فريقنا اثنان مثلك ، لكنا ضمنا الفوز الدائم

- شكرا ، اخشى أنك تغالين فى تقدير قيمتى ..

- ابدا ان الجميع يعتقدون بذلك ويوافقوننى على رأي ..

وضحكا في جذل وسارا معا . . يتحادثان فى شتى الموضوعات ، وبدأ قلب نادية يخفق بين  ضلوعها فى نشوة وهى تسير بجانب من تحب . .

وكثرت المقابلات وبدأ سامى يفتقد نادية إذا لم يرها . . وشحذ كيوبيد سهامه واصاب بها قلب سامي البكر فانفتح على مصراعيه ليضم بين حناياه صورة عزيزة لنادية التى شعر نحوها بالحب . .

وتفاهما سريعا وباح كل منهما بحبه للآخر وبدا ينعمان بالسعادة وينهلان من موردها العذب واختارا للقائهما مكانا صخريا خارج المدينة ، وكانت احدى هذه الصخور تشهد كل مساء نجوى الحبيبين السعيدين تلك الصخرة التى اتفقا على تسميتها " صخرة النجوى "

وسار قارب حبهما فى بحر الحياة هادئا ناعما تسيره مجاديف هواهما كل مساء حتى يرسو بهما هناك على " صخرة النجوى " ومن ثم يعود بهما قد طفح سعادة ، وهناء ، وكنل هذا الحب انهما اتفقا على الزواج بعد الانتهاء من الدراسة . .

وذات مساء اعتذر سامي لنادية عن الذهاب الى صخرتهما لاشغال عائلية طارئة ، مع شعوره الشديد بالاسى لفراقهما هذا المساء ، وشعرت نادية بالوحشة لفرقته ، لقد اصبح سامي كل شئ فى حياتها فهو الرفيق والحبيب وشريك حياتها المنشود . . وقضت ذلك المساء تناجى صورته ، وطيفة باعذب الالفاظ وارق الكلمات والتقيا في اليوم الثاني واطفات نادية

بصحبته وحديثه جمرة الشوق التى أوقدها فراق مساء واحد ، وهو فى قاموس الحب دهر طويل ، فمقاييس الحب خارجة عن المألوف ، فمقاييس الا خيال الحقيقة وأوهام الواقع ..

وبدات تظهر فى سماء العاشقين غييوم عابرة . فهذا سامى بدا يكثر من الاعتذارات والتخلف عن المواعيد وبدأت " صخرة النجوى " تفتقد اليفيها كثيرا ويوم يزورانها تسمع منهما لحنا جديدا . فهى تعتب وتلوم وهو يعتذر ويتأسف . وبدأت الامواج تعترض سبيل حبهما . ويوم تتبدل النجوى الى عتاب واعتذار فقل ان مد حبهما سيتبعه جزر . وان الاشواك ستنبت فى الطريق ..

مسكينة نادية . . انها اليوم شقيه تعيسة . لقد بدأت تحس ان قصور الأمال التى شيدتها للمستقبل على وشك ان تنهار وان سعادتها فى الحب ستنقلب الى شقاء . لقد خيل لها ان سامى بدأ يمل صحبتها وان جذوة حبها فى قلبه على وشك الانطفاء .. وان حوا اخرى شغلته عنها . ولكن هل هي " ليلى " لقد راته اليوم يسير واياها  ، ويتضاحكان فى مرح ولما ذهبت اليهما وسارت معهما خيل لها ان موجة من الاستياء المت به . وانه تضايق من وجودها معهما . . وانها افسدت الجو الشاعرى الذى كانا محتفان فيه . .

مشت على مضض وفي عينيها دموع حبيسه . لقد كان ذلك طعنة لكبرياء نادية اصابتها فى الصميم .

فحدث ذلك فى نفسها رد فعل عنيف صممت ان تستعمل سلاح التجهل

عل ذلك يثي فى نفس من الذكرى ويهيج من شوقه ما ي نفسه ذكريات لهما مشتركه على صخرة النحوى " وفى زورق الاحلام

وصارت نادية تتجاهل سامى فاذا ما حياها اجابت بهمزة من رأسها وان كلمها عقبت على كلامه باقتضاب .. وكان داخل هذا الاطار من اللامبالاة مهجة تذوب وجدا ، وقلب يحرقه سعير الفراق . . ووجدها سامى فرصة سانحة للتفرغ  لحبه الجديد .. وفاتنته الجديدة ليلى . وبرر ذلك بما يجده من نفور نادية البادى نحوه .. وتبينت ان سلاحها لم يجد نفعا . . وانها خسرته الى الابد فانطوت على نفسها وكتمت جراح قلبها وصارت ايام السعادة الماضية . . ذكريات حاضرها الكئيب ..

كانت ليلى فتاة لعوبا . صائدة للقلوب فوقع سامي فى شراكها وضحى من اجلها بمن احبته واخلصت له ، لقد كانت ليلى قشرة جميلة ولكن باطنها فاسد . أما نادية فكانت طيبة الجوهر نقية النفس رزينة للغاية من الطراز الذي إذا احب فانه يخلص الى الابد . .

وانغمس سامي مع ليلى فى أو حال المدنية . . فهما تارة فى هذه الحفلة الراقصة . وتارة فى السينما يشاهدان فيلما فرنسيا خليعا واخرى فى ملهي . . حياة كلها عبث ومجون انها قشور المدنية التى طبعنا بها الغرب . فتهافت عليها الشباب يتسابقون فى مضمار كله اوحال وحثالة ونفايات . .

لقد خسرت صفقتك يا سامى ..

فاستبدلت الذى هو ادنى بالذى هو خير ، خسرت الطهارة والاخلاص فى نادية . . وربحت المجون والفسق فى ليلى اللعوب المتقلبة وبئسها من تجارة

وذات مساء وقد غمرت المدينة شمس الاصيل ، كانت فتاة وحيدة بين الصخور . . . تنتقل من صخرة الى اخرى . . . حتى تجلس على صخرة لها شأنها وذكراها ، انها " صخرة النجوى " وما الفتاة الوحيدة الا نادية لقد هاجتها الذكرى وغمرها شوق الى الماضى والى ذكريات مشتركة عزيزة الى نفسها تقاسمتها مع سامى على صخرتها الحبيبة ، انها تجيء كل مساء الى مجلى حبها وتستعيد الماضى الجميل وتبكى فى أسى على الامل الحلو الذى ضاع وعلى خطط المستقبل السعيد التى حبطت واصبحت بعيدة المنال ، انها تبث أساها للشمس الغاربة والطير الصادحة ، وللصخرة الحبيبة التى كانت الشاهد الوحيد على ما تبادلاه من مواثيق وعهود ، على الوفاء والاخلاص ، فاذا ما غابت الشمس قفلت راجعة وحيدة كما جاءت . .

جلست نادية فى مكان قصى فى ساحة الكلية وبالقرب منها كانت طالبتان تتحدثان وتخوضان فى مشاكل الطالبات والطلبة واخبارهم وقالت احداهما للاخرى بصوت منخفض وصل الى سمع نادية :

- هل سمعت الجديد من اخبار اللعوب ؟ . .

- أى لعوب ؟ ! - ليلى . . ! ( واصاخت نادية سمعها )

- وماذا عن ليلى ؟ - انها متقلبة كما تعلمين لقد هجرت سامي الى غيره ، ألا ترينه يسير وحيدا بادى الاسى !

وقامت نادية وقد اجتاحها شعور هو مزيج من السرور والشماتة والحزن ان خيانة سامى لم تنزع حبه من قلبها ، بل زادها الفراق لوعة ولكن كبريائها وكرامتها تضطرها ان تتظاهر بالنسيان ، اذن فقد هجرته غريمتها وسيصيبه من الشوق والاسى ما اصابها ، وتسلل الى قلب نادية شعور من الامل وساءلت نفسها : هل يعود ؟ . .

وكعادتها خرجت في المساء الى خارج المدينة ويممت صوب " صخرة النجوى " وكان الاصيل رائعا والنسيم عليلا وجلست في استرخاء لذيذ . . وسرح بها الخيال الى الماضى تستعيد صوره وهناءه ، فهذا عزاؤها الوحيد بعد ان خسرت كل شىء . .

ولمحت عن بعد شبحا يتهادى ويسير فى الاتجاه الذى هى فيه . . وأوجست فى نفسها خيفة وهى وحيدة وبدأ الشبح يقترب ويتضح ، وخفق قلب نادية بشدة وتوارد الدم الى وجنتيها ، لقد عرفته انه " سامى " واقترب منها فى تؤدة واضطراب . . وقال : مساء الخير . . ولم تستطع نادية لاضطرابها ان ترد عليه فظلت صامتة . وجلس قريبا منها ، وظلا صامتين برهة ثم قال :

- ما أجل هذا المساء ، وما ارق نسيمه . . أأنت هنا منذ مدة . . ؟ ولم تجب . . وقال لها بصوت مرتجف مؤثر كله استعطاف ورجاء :

- نادية ! نادية . . لماذا لا تجيبين أهكذا لم اعد اساوى فى نظرك شيئا

لقد تغير سامي المتقلب الذي انت عليه غضبى ، لقد اعاده غدر " ليلى " الى صوابه ، وازال عن عينيه الغشاوة التى كانت تحجب عنهما نور الحقيقة وتذكر حبيبته القديمة واستعرض فى ذهنه كم كانت تحبه ورأى بعينيه الفارق بين الفتاتين لقد طهرت الاولى روحه وسمت به الى عالم علوى كله طهر وفضيلة ، وحب كله عفة وشرف واما الثانية فقد انحدرت به إلى بؤرة الفساد وحمأة الرذيلة فكان حبهما فسقا وفجورا ، وقد صنعت خيرا اذ هجرته ، لانه سيزيل عن نفسه ما علق بها من شوائب ، لقد تذكرت أمسيات لذيذة على " صخرة النجوى " فسار اليها ليستعيد هناك ذكرياته الحلوة . .

نعم لقد فوجئت برؤيتك جالسة عليها ، ووجدتها فرصة سانحة لاصلاح ما بيننا ، انك كريمة يانادية اصفحى عنى ففى صفحك بلسم لجراح نفسي الدامية . . ادخلينى من جديد جنة الحب الطاهر العفيف ، ففى هذه الجنة سأتطهر من دنس الجحيم الذى عشت فيه ، رحماك يانادية ! لم يبق لى غيرك . . لقد فقدت كل شئ ، لقد صهرني عذاب الضمير ، وعرفت كم كنت غبيا يوم هجرتك اليها .. وهانذا اعود الى اعتابك نادما تائبا !

وبدأت نادية ترتجف كريشة فى مهب الرياح ، وبلغ بها التأثر مداه وما شعرت الا وهي تبكى ، وسالت عبراتها على خديها كحبات من الندى فى اكمام الورد الناضر ، ورآها سامى

فأسرع اليها وضمها الى صدره فى حنان وهمس فى اذنها :

- كفاك يا حبيبتى ، لقد تعذبنا كثيرا ، ان هذه الدموع الغالية هى غسل للماضى بحلوه ومره ولنبدأ من جديد صفحة كلها حب واخلاص لقد خلق قلبانا من جديد وكلاهما عطش صادئ فلنرو من مناهل الحب الطاهر عطشهما . .

والتقت به نادية في استكانة واطمئنان ، كما ترسو السفينة التى اجتاحتها العواصف والانواء الى بر الامان ورفعت اليه مقلة صافية تبللت رموشها ، مقلة ناعسة تنطق وهى خرساء وكأنها تقول " كم أحبك ! لقد صفحت " . .

وتحركت شفتا نادية تهم بالكلام ولكن الصوت ذاب على شفتيه الظامئين وغابا فى قبلة كانت هى عربون حبهما الجديد ، وسألها فى مرح :

- هل صفحت عني حقا يا نادية ؟ - نعم لقد صفحت . . - ما اسعدنى بك ، لقد عرفت يا نادية انني لم احب غيرك ابدا وكل ما جرى كان نزوة طارئة تطهرت بعدها ، وقد قال بعضهم :

نقل فعادك حيث شئت من الهوى

ما الحب الا للحبيب الاول . . .

- وهل ستحبني من كل قلبك ؟ - وبكل جوارحى يا حبيبتى - والى الابد يا سامى ؟ - والى الابد يا نادية . . - ومن يشهد عليك بذلك ؟ . . - صخرتنا الحبيبة " ضخرة النجوى " . .

اشترك في نشرتنا البريدية