الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8الرجوع إلى "الفكر"

صدر عن الدار التونسية للنشر : ، اللغة العربية ومشاكل الكتابة

Share

انقضت اكثر من عشرين سنه على أول لقاء بيني وبين الاستاذ البشير ابن سلامة وكان حينذاك تلميذا بالاقسام النهائية للمدرسة الصادقية الى كنت اشتغل فيها كأستاذ للفلسفة والآداب العربية . كان ذلك آخر يوم جمعة من شهر اكتوبر 1950 في نادى الجامعة الدستورية لتونس واحوازها بنهج " قرمطو " حيث يلتقي بين الحين والآخر بعض الاساتذة والتلامذة الدستوريين مع المناضلين والمسؤولين فى الحزب فيتبادلون الرأى حول الحالة السياسية التى كانت تكتنف البلاد ويتناقشون فى شؤون النضال وملابسات الفعل ويتزود بعضهم من بعض ، على نحو ما كان يقع فى نادى قدماء المدرسة الصادقية وغيره ، مما تربت عليه ، وبه ، اجيال من التونسيين قبل استقلال الوطن .

واستقر الرأي يومئذ على أن  "نتطوع" لبيع جريدة الحزب " الرسالة " التى كانت تصدر كل يوم جمعة بالفرنسية ، وان نت تتوغل بها فى الاحياء الاوروبية التى كان يشعر فيها التونسي بالغربة وحتى بالخطر ، لشدة ما كان ينتمر فيها الاجانب بالتونسيين ويضمرون لهم من الكراهية والحقد .

وكنت على رأس جمع من التلاميذ يحمل كل واحد منا عل ذراعه اليسرى  حزمة من اعداد "الرسالة"  فتجاوزنا باب سويقة وشارع لندرة ثم دخلنا شارع "روسطان" الذي يعرف اليوم بشارع الحبيب ثامر ، ووجدت نفسي ، فى آخر المطاف ، بعد أن نفدت كل النسخ التى التزمت ببيعها صحبة عدد قليل من رفاقى الشبان ومن بينهم البشير بن سلامة .

وهكذا عرفنى وعرفته فى " الميدان " - كما قد يقال - ورغم ما كان يباعد بيننا من عوامل السن والمهنة ، وما كان للصدف من شأن في لقائنا الاول ، فقد توفرت عناصر التعاطف والتقدير والمحبة إذ جمعنا نضال

واحد تحت لواء حزب جماهيري تحريرى واحد ، وشدت بعضنا الى بعض قيم عليا واحدة ومبادئ سامية مشتركة . ثم شاء الحظ أن يتتلمذ على في قسم الفلسفة وان "نتزامل" بعد ذنك فى المدرسة العلوية التى اشتغل بها قيما ، وعن لادارة التعليم الاستعمارية ان تنقلني اليها نقبلة عفاب ، وبفينا على اتصال الى ان احرزت تونس على استقلالها فكان من أول من انتسب الى دار المعلمين العليا التى كان لى شرف المساهمة فى تاسيسها بوصفى رئيسا لديوان الاستاذ الامين انشابى وزير المعارف في ذلك الوقت اذ اردناها لبنة اولى للجامعة التونسيه المرتقبة ، واداه لتعريب التعليم  وتونسته، اطارا ومحتوى ، وظننا اننا حققنا بذلك حلما من احلام جيلنا ، الا وهو ان يعود لهذا الوطن روحه ، فتتميز شخصينه ويزدهر ثقافية وتشع اشعاعا .

والى جانب ما اتصف به البشير بن سلامة من تواضع ونزاهة ونفور من المطاهر وتقر بالتسابق الى الصفوف الامامية ، وما امبار به من شمم وعزة نفس ، واستقام له من رهافة حس وذكاء قلب وعقل ، وما اكسبه من قوة على الوفاء للصداقة فى اشرف معانيها والولاء للقيم فى انبل بمفاهيمها وابقاها ، فان ابرز مقومات شخصيته اصالتها وايمانه بوطنه ومحبته العارمة انه وتفانيه فى خدمته والنهوض به . وليست وطنيته ظاهرية او سطحية ولا هى وليدة المناسبات او قائعة بالشعارات ، كما هو الامر بالنسبة للكثير من لداته . انها قول صادق وعمل خالص وكفاح دائب لا يبنى ، عمقت جذورها ولامست شيئا فشيئا ابعاد الذات الفردية والجماعية فاذا النضال تفهم خصب للثقافة ، واذا محبة الوطن موقف ايجابى من المجتمع والناس ، وتصور واضح للكرامة ، واذا المثقف مهندس يستبطن اوساع منزلته فى الكون ويعى رسالة قومه فى الدنيا فيساهم فى صنع مصيرهم الحضاري .

لذلك امتلات نفس البشير بن سلامة اعتزازا يشرف العمل الثقافى  الحق فانضم الى اسرة مجلة " الفكر" منذ تاسيسها وتطوع لرئاسة تحريرها ولا يزال يعطيها من عقله وقلبه ووقته الشئ الكثير ، فيرابط في ساحتها ويتعب ويصبر ويصابر من أجل نجاحها ، لا تثنيه صعاب ولا يزيغ به اغراء ولا تصرفه عنها اعراض الدنيا وبهرجها ، فهو مشدود اليها لانه مشدود

الى المبادئ العليا التى لا تزال مخلصة لها والغايات الثقافية السامية التى ما فتئت تسعى اليها .

والى جانب ذلك وبقطع النظر عن انتاجه فى ميدان الخلق الادبي وخاصة فى فن القصة فانه اعتنى اولا وبالذات بشؤون الثقافة التونسية الجوهرية وتيقظ الى حقيقة الفكر التونسي وواجه جوهر النقص الذي يعوقه عن الانطلاق ، وتقحم على علاج معضلاته حتى يساهم فى تحريره بحق فيتحقق التلاؤم الضرورى بين السياسة والسيادة الروحية والفكرية التى من دونها تصبح الاولى هيكلا فاقدا للروح ولا تلبث ان تتلاشى البلاد كالهباء المنشور .

وفي مقدمة هذه القضايا المصيرية مسألة اللغة العربية ومشاكل الكتابة والخلق والسنة الادبية والفكرية القومية التى خصها المؤلف بهذا الكتاب الذي اعتز اليوم بالتقديم له .

وانما عكف البشير بن سلامة على قضية اللغة العربية درسا وتحليلا وعلاجا لفرط محبته لها وحاد شعوره بمتين الصلة بينها وبين تصوره للوطن ومستقبل الثقافة القومية . فالامة التونسية لا وجود لها بين الامم ولا مستقبل ينتظرها فى سباق الزمن الا اذا حافظت على كيانها وتمسكت بمقوماتها واثرت تراثها الروحى والثقافى ، ووقته من كل عوامل الازاغة والتشويه ، واللغة العربية من أبرز مقوماتنا وركن من اثبت أركان شخصيتنا القومية وعنصر من امتن عناصر ذاتيتنا ، وهي من أوثق الروابط بين الماضي والحاضر وأمتن الصلات بين الاجيال وفيها عصارة أفكار الاجداد وبواسطنها تتخطى الحواجز في الزمان والمكان للاتصال بالاسلاف والاخوان ، فهى الضامن للوحدة القومية فى الوطن الاصغر وهي العروة الوثقى للوطن العربى الاكبر ، اذ العروبة ليست فى اللحمة الدموية ولا فى مشاعر العصبية بل هى تتجلى خاصة فى التمسك بالاخوة الاسلامية والاشتراك فى اللغة العربية . واللغة ليست مجموعة من الاصوات والالفاظ وجملة من القواعد والقوالب ، انها كائن حي له خصائصه وعبقريته الذاتية ، ووطن عقلي ، له روحه ومميزاته ، بحيث لا يمكن ان

نفصل بينها وبين المعانى التى تؤديها ، خلافا لمن يدعى ان الاهم هو الافكار التى اليها نقصد بينما المهم هو اللفظ ، لضعف بضاعتهم في اللغة العربية او لفرط انبهارهم بالتقدم المادي الذي توفر للدول الغنية ، وردا على شرذمة من "الاختصاصيين" الذين وقفوا حياتهم على الدعوة الى اللهجات العامية ، وتنبيها من مغبة الوقوع فى الهاوية التى انحدر الى اعماقها بعض ضحايا الاستعمار الثقافي بدعوى ان اللغة الفصحى تجاوزها العصر وان السير فى صعيد الحضارة وركب التقدم يحتم الاستعاضة عنها باحدى اللغات الحية الكبرى .

الا ان اقرار اللغة العربية كابرز مقومات الامة والاعتزاز بها والاكتفاء بالذود عنها لا يشفى . بل ان التعصب الاعمى دون العلاج الذكى خطر يهدد اللغة وحجة فى اخر الامر لا يغفل اعداؤها عن الاحتجاج بها عليها .

لا يكفى ان نرد مع حافظ ابراهيم :

انا البحر فى أحشائه الدر كامن

                                         فهل سألوا الغواص عن صدفاني

وسعت كتاب الله لفظا وغاية

                                         وما ضقت عن أى به وعظات

فكيف أضيق اليوم عن وصف آلة

                                           وتنسيق أسماء لمخترعات

ولا يقنع احدا أن نقول ان عدد الالفاظ العربية ستة ملايين وستمائة وتسعة وتسعون الفا لا يستعمل منها الا خمسة آلاف وستمائة وعشرون لفظا والباقي مهمل . ولا يغنى فى شئ ان نتباهى بأقوال المستشرقين وان نستفتيهم حول فراهة اللغة العربية وقوتها كما فعلت ذلك مجلة الهلال سنة  1920 مثلا ونسج على منوالها عدد كبير من المتحمسين للغتهم حماسا صادقا مؤثرا ولكنه عقيم لانه وقف عند حد العاطفة ولم يستشرف مستوى الدرس الواعى والعلاج الايجابي ويحسن اذن ان نتخلى عن القناعة بنفخ الاوداج وتتجاوز موقف الصديق الجاهل والعدو العالم او شبه العالم ، فنقوى على مواجهة جوهر النقص وهذا ما حاوله البشير بن سلامة .

انه يغار على اللغة العربية و " يؤمن ايمانا عميقا بانها من مقومات كياننا وشخصيتنا" ويسلم بعظمتها و"بقداستها  وغزارتها وقوتها واعجازها" ولكنه يتساءل فى شجاعة وصدق عن " حظ لغتنا من التقدم الفكرى وقدرتها على أن تحمل رسالة التقدم " وعن الحد الذى تصل امكاناتها اليه والعوانق التى تجدها فى طريقها ، ثم هو يصدر حكمه مؤكدا ان اللغة العربية " رغم حيويتها وغزارتها وطاقاتها الكامنة فيها لم تحتضن روح العصر ولم تتجاوب فى كلمانها وعباراتها مع اهتمامات ومشاغل اهل العصر ، ولم يفجر منها اصحابها المعانى والآراء التى تهز وتقلقل الفكر العصري" .

ويرى المؤلف ان أول شرط لتصبح العربية من جديد لغة العلم الحديث وتتوفر فيها الدقه والضبط ، ويتم لها السيطرة على ما يتعاصى عليها اليوم من مدلولات المعرفة العصرية فى ادق المستويات "فتتحد مع الواقع المتطور يوما فيوما بحيث يعبر عنه بوضوح ويسر " هو ايجاد الحل الموفق لظاهرة الكتابة اذ نحن فى الواقع ازاء لعه انتاجها منقوص لان كتابتها منقوصة .

والحقيقة ان هذا المشكل شعر به عدد كبير من علماء اللغة ورجال الثقافة فى العالم العربى منذ مطلع القرن العشرين خاصة . الا ان الإستاذ البشير بن سلامة يتعمق فى تحليل اسبابه ويرجع بنا الى التاريخ فيلاحظ ان الكتابة ظلت ثانوية عند العرب لانهم عاشوا تحت سلطان الذاكره فكانت اشعارهم وحكمهم تحفظ وتتلى ويتناقلها الرواة ابا عن جد من دون شعور بالحاجة الاكيدة الى تدوينها فبقيت كتابتهم فى الاولى " مجرد حروف خالية  من الاعجام" خالية من الحركات ، رديئة التصوير" ولقد كان القران الكريم نقطة تحول من " سلطان الذاكرة الى عالم اكثر عقلانية وأحدث رحة نفسانية في هؤلاء الدين شعروا بالكمال اللغوي وقبعوا تحت سيطرة سلطان الذاكرة " ويضيف المؤلف : لو فرضنا مثلا ان المسلمين اعتنوا اول ما اعتنوا بكتابتهم فحسنوها واعتمدوا النصوص قبل القراء والرواة لكان شان الثقافة العربية الاسلامية شأنا آخر ، ولغلب اتجاه القرءان واتجاه الحاحظ وامثاله ، ولكانت  فلسفة الحياة عند العرب غير التى عرفنا ولكان شانهم غير شانهم اليوم" .

وهكدا بقينا الى اليوم فى كامل البلاد العربية نحر ذيبول هذا التفاوت بين اللغة المتكلمة وبين الكتابة وهى ظاهرة نتائجها ادهى وأمر في بلاد المغرب

العربى الكبير حيث لا تزال منزلة اللغة الفرنسية مرموقة منذ أن فرضها الاستعمار فى القرن الماضى قرضا ، مما قد يفسر - ولا يبرر - نفور اغلبية تلامذننا من  لغنهم الام ، وميلهم الى اللغة الاجنبية ، خاصة وان الضعيف المغلوب مدفوع - كما لاحظ ذلك ابن خلدون - انى تقليد القوى الغالب في سائر شؤونه وبالإحرى فى لغته !

لا بد اذن من تخليص اللغة العربية من القيود التى كيلتها عبر القرون ، ولا تزال ، ولا بد من حلول تتلافى الكتابة المنقوصة .

وحاول بعضهم ذلك فكان الحل - نو قدر له أن يعتمد - بمثابة المعول الذى يحطم اللغة ! من ذلك ان الدكتور عبد العزيز فهمى عضو المجمع اللغوى بالقاهرة اقترح سنة 1945 اتخاذ الحروف اللاطينية لرسم الكتابة العربية مؤكدا ان " اللغة العربية من اسباب ناخر الشرقيين لان قواعدها عسيرة ورسمها مضلل !" ولقدرد عليه الاستاذ العابد مزالي في محاضره شهيرة القاغافى نسجاعة ادبيه جديرة بالتنويه منذ ربع قرن بالضبط ، امام رجال التعليم  التونسيين ونشرتها مجلة المباحث فكانت تعبيرا فصيحا عن ضمير تونس المكافحة وتاكيدا لتمسكها بأصالتها وعروبتها وفي ان واحد ، دحضا علميا لهذا المقترح الغريب الذي يكتسي حلة العلم وما هو فى الحقيقة الا تضليل معسول .

ومما جاء فى هذه المحاضرة بالخصوص : " ان اللغة العربية للصلة فيها بين اللفظ والمعنى صلة متينة قوية كاشد ما تكون فى اللغات ، وهي ميزة يجب ان لا يسهى عنها ، تقرب القارئ من الحقيقة تقريبا وتنتقل به من مطابقة اللفظ للمعنى تمام المطابقة الى الوحى اللطيف المنبعث من مادة العبارة حتى ان احد المستشرقين كتب " ان المعنى فى اللغة العربية ليتطاير من الالفاظ كما تتطاير شارات النار من الزند " ولا نحسب انفسنا تتجاوز الحقيقة إذا قلنا ان تاريخ التفكير العربى لكان غير ما كان لو ان الامم الاسلامية لم تعبر عن أفكارها باللغة العربية ولم تكتف بالحروف العربية . فاللغة العربية لغة روحانية بل هى أجمل اللغات الروحانية واكثرها صلاحية لضم المعانى السامية وتفجرها ، بل قل هي احسن أداة يستعين بها المرء الى العروج الى ادق المدلولات المجردة والى الاتصال بالحقيقة .. وهو

المذهب الذي ذهب فيه غير واحد من المفكرين المسلمين والذى أدركه غير واحد من الروحانيين حتى تعدى تقديسهم المعانى الى تقديسهم للالفاظ  ومزجوا اللباب بالهيكل وقالوا ان الالفاظ فى القرآن لم تخلق مجردة عن المعاني بل هي قديمة كقدم معانيها ازلية لتوفييتها بما لا يدرك خالصا عن  القالب " (المباحث ، العدد 25 ، أفريل 1946) .

وبقطع النظر عن محاولة عبد العزيز فهمى الفاشلة فان عددا كبيرا من الاختصاصيين اقترحوا حلولا عملية لتلافى الكتابة المنقوصة امثال المهندس نصرى خطار فى طريقته الابجدية الموحدة ، واحمد الاخضر فى طريقته المعيارية ، ومروة ، ومحمود تيمور ... ولكن البشير بن سلامة مع الاعتراف لهم جميعا بالفضل يبرز الصعوبات الفنية او النقائص من الوجهة الجمالية التى لم تخل منها اقتراحاتهم ويؤكد ضرورة الشكل بصورة مطردة وفي جميع الحالات ويتقدم ببيانات تطبيقية واضحة مضبوطة حول ما يسميه الكتابة النموذجية وهي تعتمد طبعا على الحركة او الشكلة ، وتجمع بين جمال الحرف العربى والضرورات الاقتصادية ناهيك ان آلات الطباعة يمكنها بفضلها الاكتفاء بثمانية وخمسين حرفا عوضا عن اكثر من مائة وانه اذا اضفنا الحركات والروابط وادوات الوقف والشدة والتعريقة تحصلنا على آلة ذات واحد وتسعين حرفا فقط . واذا علمنا بانه لا توجد فى العالم الى يومنا هذا طريقة تمكن من انجاز سريع تكاليفه عادية لجريدة مشكونة تماما او لكتاب مطالعة للاطفال يعينهم على القراءة الصحيحة قبل الفهم اللهم الا اذا  اعتمدنا على المخطوط المحفور والمصور الذي يتطلب من الوقت والمال الشئ الكثير ، وأدركنا " التفاوت بين بدائية الكتابة واكتمال اللغة " ووعينا ما اقره العلم الحديث من تأثير المكتوب على دماغ الانسان وابرازه  ضربا من التفكير يتماشى والمجهود المبذول ونوع النص المقروء " نتيجة لوجود " نقطة القراءة ونقطة الكتابة فى دماغ الانسان كنقطة الذاكرة والبصر وغيرهما" ... اذا عرفنا كل ذلك قدرنا قيمة المجهود الجبار الذي بذله البشير بن سلامة لتجاوز العقبات التى تقف في طريق ازدهار اللغة العربية وطرافة الحلول التى عرضها فى اتزان وموضوعية لانقاذ الفكر العربى  واللحاق بركب الحضارة .

وانا اعلم انه لم يقتصر على التأمل ولم يقنع بنشر المقالات للدعوة الى

اصلاح الكتابة العربية والنهوض بلغة الضاد والفكر العربى المعاصر ، بل انه اتصل منذ أكثر من سنتين بكبار المسؤولين فى هذه الديار ووجه لهم  التقارير الضافية وعرض عليهم جملة الاجراءات العملية ولكنهم  جميعا خرجوا بالصمت عن لا ونعم ! ولو صرفوا لهذا المشروع شيئا من  الاهتمام لغنمت البلاد من الوجهة السياسية والثقافية غنما كبيرا ولأسدوا  الى اللغة العربية وأهلها من المحيط الى الخليج خدمة جليلة . ولكن عزيمة المؤلف لم تخمد ولن يسرع اليه الفشل او يساوره الياس لانه مقتننع بان العمل الثقافي الخصب موصول المتاعب ومشروط بطول النفس وهو اخفض صوتا ولكنه ابعد غورا واعمق تأثيرا وابقى على الدهر !

ومع علاج الكتابة العربية واستنباط طريقة عملية لتيسيرها وتنشيطها وتحبيبها الى نفوس الاجيال الصاعدة وجعلها اداة يسر لا عسر على اللغة ، فان البشير بن سلامة وضع فى وضوح وشئ من الصرامة بالنسبة للذين ينتظرون الوحى من الغير ، قضية اللغة العربية المعاصرة فتساءل عن الشروط التى يجب ان تتوفر " لتقوم بدورها الريادي كما كانت من قبل العمود الفقرى لرسالة من انبل الرسالات واكبرها تأثيرا فى مصير البشرية ."

ولئن أخطا الذين يدعون ان اللغة العربية متخلفة في حد ذاتها لانها في  الواقع انما تعكس مستوى ما بلغه فكر الناطقين بها ، وتعبر عن مدى ما بلغوه من شان في الحضارة بكل مظاهرها ، فانه لا مندوحة من ان نسلم فى مستوى الخلق الفنى والابداع الادبي - على الاقل - بان الكاتب مدعو الى وعى لغته  وعيا جديدا طريفا و " تفهمها وعجنها عجنا وفكها تفكيكا " ولابد له بعد ذلك ان يتجاوزها و " ان يخلق منها كائنا جديدا يجسم فى مضمون العبارة المكتوبة كل تفكيره بما فيه من معان وخلجات وحرارة ونبضات تنفسه " وذلك ما يسميه المؤلف " اللغة التجاوز " .

فالذى يميز الكاتب الكبير او الشاعر العبقري ليس الاسلوب فقط ... بل هو " صهر للغة من جديد " ، انه خلق من اللغة جديد " يتطلب ادخال ايقاعات وموسيقى طريقة وهو " دفع اللغة الى ان تبنى بناء جديدا " .

ويرد البشير بن سلامة على الذين ينظرون الى اللغة بعين محافظة

ويشفقون على سلامتها ويخشون عليها مغامرات المحددين فيقول : " سلامة اللغة ليست فى المحافظة على لغة البلغاء ... بل سلامتها اى حياتها هى فى  تمشيها مع سنتنا الادبية والفكرية القومية " . وهكذا يتخلص الكاتب الى  معنى رئيسى من المعانى التى ضمنها هذا الكتاب ويعبر بذلك عن مفهومه الصحيح للوطنية السليمة والكرامة الحق ويؤكد المنهاج الذي يتفهم على ضوئه حقيقة الفكر والادب فى هذه البلاد منذ فجر التاريخ الى اليوم ، بعيدا عن المؤثرات الاجنبية وضروب التقليد السخيف .  

والحق ان بلادنا ظلت فى الماضي ولا تزال اليوم - الى حد ما - مهضومة الجانب من الوجهة الحضارية والثقافية ، انكر عليها عدد كبير من المستشرقين والمؤرخين الاجانب ان يكون لها - ماضيا وحاضرا - كيان ذاتي وشخصية طريقة وملامح مميزة ، وانخدع عدد من ابنائها المتمغربين ببريق دراسات هؤلاء الناس فتجرعوا غصص الشعور بالدون واورث ذلك فيهم عدم الثقة بالنفس وانكارا لطاقات الوطن على الخلق والإشعاع ، كما انصرف بعض المتمشرقين عن ارض الوطن بعقولهم ومشاعرهم واعتبروا تونس فرعا من  اصل وبطنا من قبيلة ، لا شئ يميزها عن غيرها من الاقطار الشقيقة ، فرضوا بالدون وقنعوا بالاستهلاك دون الانتاج وآثروا ان يبقوا نكرات ، وما علموا ان فى ذلك غبنا فى ذات وطنهم وضررا يلحق الامة العربية نفسها اذ هي تستمد قوتها من قوة كل شعب من شعوبها .

ان اولنك وهؤلاء ، وكبارهم الذين " علموهم السحر" اعتبروا تونس معبرا ومفترق طرق ، وزعموا انها مجرد وعاء استقرت فيه الحضارات المتعاقبة ! وما علموا ان التونسيين - او الافريقيين كما كانوا يسمون - لم يذوبوا ابدا فى الغير ولا استسلموا روحيا وحضاريا حتى في أشد فترات الإحتلال  واطولها ، بل انهم تمردوا عسكريا وتمردوا روحيا بالخصوص ، وصمدوا من  دون ان ينطووا على انفسهم فينتحروا من الوجهة الانسانية بل انهم تفاعلوا مع القيم الباقية مهما كان مصدرها وتحاوروا مع المعاني الإنسانية الخالدة واقتبسوا بذور الخير والحق والعدل والجمال من المدنيات الوافدة المتوالية وسبكوا ما اخذوه سبكا منسجما مع طبعتهم وشخصيتهم ونظرتهم للكون .

وامتازت هذه الارض بقوة عجيبة على الهضم ، شبيهة بما وصف به احد الكتاب المعدة العربية التى قال عنها انها معدة عرفها التاريخ فقد  هضمت هضما زندقة كسرى ووثنية قيصر وما هزلت وما صدئت " .

وان تونس التى امتزجت بما احتوته الثقافات المتعاقبة عليها وأفادت منها جميعا تعانقت مع جوهر الاسلام الخالد ايمانا وروحا وتعاطفت مع ما فى  روح الشرق من معانى السمو والتجاوز ، وتأثر بنوها ببيئتها وطبيعتها

وعبقريتها الذاتية ، واقتبسوا من البحر المتوسط وبلاد الغرب المحاورة القدرة على استقراء الواقع والتقيد بئواميسه والنفور عن التطرف والتمسك بالاعتدال .

وان شعبا ، كالشعب التونسي ، بل قل كشعب المغرب العربي الكبير ،  هذا ماضيه وتراته ، وتلك خصائصه ومناقبه ، لا يمكن ان يكون فى دنيا الأدب  والفكر نسخة مطابقة للاصل ولا يجوز ان يرضى بالسلبية والعقر . لذلك يدعونا البشير بن سلامة الى ان ننظر الى ادينا والى ادبائنا منذ أول التاريخ الى اليوم نظرة شاملة متماسكة من دون تقطع ، وان نتامل في تاريخ بلادنا من حيث هو وحدة متكاملة متواصلة الحلقات ومسترسلة الاطوار فنحاول  ضبط " السنة الادبية التى درجوا عليها " لعل ذلك " يدلنا على حقيقتنا ويعرفنا بذاتنا ويبرز ملامح شخصيتنا التى عملت انظمة احية كثيرة على  طمسها واحلال معالم مشوهة مكانها" . ويبن المؤلف فعلا كيف طبع هذا الشعب اللغة اللاطينية بطابعه من " اقحام لكلمات شعبية ومن تطور للجملة  المطنبة الى جملة قوية متوترة براقة ملونة " مما يشهد بتاثير الطبيعة الجميلة العنيفة فى آن واحد وتيقظ خيال القوم وحسهم ، ووهج العقل وتوقد الفكر  لديهم . وان هذه السنة بقيت هى هي ، متميزة الملامح ، ممتازة الخصائص عند ابن رشيق والحصرى والشاب وغيرهم . وكانى بالكاتب يهيب باجيال الادباء الصاعدين ان يخلصوا لانفسهم ولبلادهم وان يحرصوا على الإصالة وان يخدموا وطنهم والانسانية بخلق ادب تونسي وفكر قومي بحق .

انها بعض المعانى التى احتواها هذا الكتاب القيم وهي لتدل دلالة واضحة على مدى محبة الكاتب لوطنه واعتزازه به واخلاصه له وهي تكشف لنا كذلك عن سعة ثقافته وقدرته على التاليف والربط والتنسيق بين ما يبدو متباعدا  من الافكار ، وما هو مستقرى من فترات تاريخية مختلفة ، وانه لعمل غزير  بالافكار الجديدة ، نابض بروح البذل الإصيلة ، طافح بمعاني الولاء والإخلاص للذات الامينة .

ولا أشك في نجاح هذا الكتاب وفيما سيكون له من بعيد الاثر على اجيالنا الصاعدة ، كما لا اشك في ان المعاني التى آمنا بها منذ عشرين سنة مرت على أول لقاء لنا ، والتي لا نزال ، ولن نزال ان شاء الله نسلك على نهجها ونستهدى اعمالنا بوحى منها ، هي التى سيكتب لها البقاء لانها هي وحدها الصدى الصادى بأعمق اعماق هذه الامة التى محبتها من الإيمان .

(جانفى 1971)

اشترك في نشرتنا البريدية