الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6 الرجوع إلى "المنهل"

صديق مات !!!..

Share

لابد للإنسان من ضجعه        لا تقلب المضجع عن جنبه

ينسى بها ما كان من عجبه       وما أذاق الموت من كربه

يموت راعي الضأن في جهله        موتة جالينوس في طبه

وربما زاد على عمره                   وزاد في الأمن على سربه

رحمك الله (أبا عبد المقصود) واثابك خيرا عن أصدقائك ووطنك ، فقد كنت لهما وفيا ، وبهما خفيا .

كانت أول معرفتى بالاستاذ محمد سعيد عبد المقصود ، رحمه الله ، فى موسم الحج من عام ١٣٤٩ هـ وكان يومئذ كاتبا بسيطا فى الأدب وفي إدارة أم القرى ، ثم مضت به همته وسما به جده وطموحه حتى تسلم زمام العمل الذي كان فيه كاتبا من قبل، وحتى صار من الادباء المعدودين. وهكذا يسمو بالرجل الأمل المقترن بالجد والعمل.

وبحمد الله فقد اتصلت أسباب الصداقة بيننا حتى وافاه الأجل المحتوم. ولقد خبرته فخبرت فيه الرجل العصامي الألمعي، لقد كان شعلة فى الذكاء، وكان طريقه الى السمو فيما يقوم به من عمل هو الانكباب على الدراسة والعمل المتواصل اشباعا لرغبات نفسه الطموح .

وكما قال أبو الطيب:

وإذا كانت النفوس كبارا     تعبت فى مرادها الأجسام

فقد ضغط العمل المرهق والتفكير المنهك على جسمه النحيل، وصارا يقلصان من قواء وعضلاته حتى لفظ النفس الاخير.

ومما يدلك على ذكائه اننا كنا قبل بضع سنوات نقرأ (الغربال) وصرنا بعد برهة نقرأ (لابن عبد القصود) ثم صرنا نقرأ (لأبي عبد المقصود) وفي كل نوبة نرى هذا الكاتب يتدرج في معارج التقدم البياني، حتى إذا نهض (أبو عبد القصود) بأخراج سفر (وحي الصحراء) قدرناه واكبرنا له همته وتضحيته.

هو نشاط محمود، وهمة عالية، تسعى للنهوض بمختلف افانين الحياة، ففي ناحية الأدب كتبت هذه الشخصية الموهوبة الكثير من البحوث والمقالات على صفحات الصحف وغيرها ، وأخرجت مع صديق لها هو الاستاذ عبد الله بلخير (وحي الصحراء) وقامت بإعمال اجتماعية أدبية شتى، وفي ناحية العمل الفني سعت لتحسين الطباعة وكتبت عنها التقارير وجلبت لها المطابع والأدوات، وأرسلت الى الخارج البعثات، وفي الناحية الاقتصادية اشتركت في مختلف الاعمال، وساهمت في المشاريع العلمية والخيرية . وطاقة الانسان محدودة على كل حال . والفتي الطموح لا يقف به الأمل عند حدود هذه الطاقة ، وهكذا سار (أبو عبد القصود) في مضمار الحياة الناشطة حتى سقط في الميدان رحمه الله : رحمه الله .

والموهوبون يرزحون دوما تحت اعباء اتجاهات خاصة تستهدف لها مواهبهم وتأبي الا السمو فيها الى القمة ولا يستطيعون عنها حولا مهما نصحهم الناصحون ومهما حطمت من قواهم .

هذا (أبو عبد المقصود) فى نواحيه العامة. أما هو فى نواحيه الخاصة فقد أومض لى من خلال ودق حياته برق العبقرية اللامع وكان مثالا للوفاء لأصدقائه.

الشخصيين، وكان مثال الوالد الشفيق ولهذا قرن اسمه باسم ابنه البكر (عبد المقصود) فكان احب اسمائه اليه : (أبو عبد المقصود).

وبعد فهذه جوانب من جوانب حياة هذا الصديق العزيز الفقيد الذي انتقل الى الدار الآخرة وهو فى عنفوان الشباب بعدما عاني آلاما جساما من الامراض المتلاحقة ، كتبناها أداءا لواجب صديق رحل من هذه الدار إلى دار القرار وهو أوسع ما يكون آمالا وأعمالا . فبكاء العمل وبكاء الاصدقاء ورثته الحياة.

بلل الله ثراك (أبا عبد المقصود) بشآبيب مغفرته ورحمته والهم ذويك وأصدقاءك الصبر والسلوان وجزاك عنهم خير الجزاء .

اشترك في نشرتنا البريدية