لا تسلنى يا صديقى : ما كتبت ؟ ، أخلصك القول بأنى لا أستطيع أن أجيبك الا بأنه مجرد انفعال باطنى أضنانى حمله فنفضته عنى . . . ولما قرأته هدهدنى . سمه ما شئت . ر . غ .
أخرج حامد علبة سقائره فوجدها مجوفة ، فتلمسها باصابعه وأخرج منها آخر لفافة ثم أشعلها ووقف الى بلور شرفة غرفته ينظر الى سماء صافية ، مشعة . . . وطالعته فتاة زنجية ، يافعة ، تجمع ما على سطح العمارة المقابلة من ثياب جافة ، ولعل شعورها بخلوتها على السطح دفعها الى رقص سريع ، عذب ، . . . كان حامد الى مشاهدتها ساكنا حتى أحس بنار سيقارته تتدانى من أصابعه ، فألقى بها ، ثم ارتمى على فراشه ، تعبا ...
كان يشعر بشئ ، كالوحل او كالظلمة الموحشة ، لزج ممض ، يلفه ويطمس فيه كل نزوع الى الحركة ، الى الابتسام ، الى الحياة . . . كان شعوره بالحياة كالهيام ، او كالعته ، أو كالاغفاء ، شعورا منطمس المعالم . منمحى الفعل . . . انه يشعر بأنه ذات ، بين الذوات البشرية ، ذات وجود ، وذات تفاهة ، وان ذاته هذه هائمة فى مهمه فسيح ، لجب ، يهزها سأم فتنتفض بدون لذة او عميق انتفاض . . . وكان لا يدرك كنه أفعاله او غاياتها البعيدة الشئ الذى جعله فى تواصل انزعاج آلية مقيتة ، ورتابة قاتلة ، ووتيرة واحدة شاملة . . . وكان كل هذا يتصعد الى سطح شعوره فى بغتة سليطة ، قاهرة ، فيتحرك ليفجر فى جنون دارة الفراغ ، الفراغ الذى يغمره . . ، ثم يقوم بأعمال . . ! ولكنه سرعان ما ينذهل فيقبع ساكنا فى وحدته الى ان تراوده طمأنينة التطبع ، وتغور فيه رعدة الوعى ويخرج الى الناس ليعيش عيشهم . . ، وليقول فى بهتة مريرة : ها قد مر يوم ، يوم واحد يا حامد .
ويلوى رأسه الى نافذة غرفته فى شىء من الراحة تهدهده آمال حلول يوم يترقبه . .. يترقبه منذ أن غرزته الحياة فى لجى الحياة . . . هو يوم لا يعرف عنه شيئا مدققا . ينتظره فى شوق وتوق ، لانه يومه العظيم ، الكبير الذى يشده للحياة ويعلل له وجوده فى هذا الكون . .
وا دا ما اشتدت عليه سورة ترقبه وعنفت لهفته يغرق حواسه فى لهب صهباء فاتنة ، حتى اذا كانت عليه عائمة تقرحت فيه خواطر قيمة عن الحياة ، وعن الانسان ، وعن القيم السامية ، . . وتغازله مراتع هذه الخواطر فيسكن الى شئ من الاطمئنان ، وتأخذه شفقة بالانسان ، ويكون الى العمل المفيد ظمآن . . ، والى الناس حبيبا ، رفيقا ، . . .
رفع حامد يده اليسرى ونظر فى ساعته ، فاذا بها تشير الى الخامسة بعد الزوال . لا تزال تفصله ساعة على موعده مع نادية ، ٠٠ وتململ على فراشه وهو يتمتم : يا حبيبتى يا نادية . .
كان قد عرف نادية منذ ما يقرب من عام ...كان ذلك فى آخر شهر سبتمبر، وكان يتجول على شاطئ البحر وحيدا ، فدخل مقهى وطلب كأسا ، ثم استأجر غرفة استحمام وخلع ثيابه ثم نزل الى البحر . . . كانت الساعة تشير الى الثالثة بعد الزوال ، وكان البحر خاليا من رواده . . . واستلقى ، على الرمال ، . . كانت جلبة الناس داخل المقهى متلاشية ، متقطعة ، فاترة... وتذكر كأسه التى تركها على رف الحانة فذهب اليها فى ثياب السباحة ، فاذا هى قائمة هناك ، قد تندت جنباتها وسالت عليها خيوط ماء رقيقة ، ملتوية فأخذها بين يديه فى تحنان . . وفيما كان يرفعها الى فمه أبصر نادية جالسة الى منضدة عليها كأس كبير به عصير ليمون أصفر ، تطالع كتابا . . ، كان يلوح عليها هدوء واتزان . . ، وهبت نسمة باردة . فسرت فى جسم حامد قشعريرة فأفرغ كأسه ثم اتجه نحو حجرته . وفيما كان يمر بجانبها رأى شابا منكبا على منضدها يراودها فاعتذرت فى طيف ابتسام ... وعاد حامد إلى كأس ثانية ، . . كانت أصوات حرفاء المقهى ترتفع مع كل كأس شيئا فشيئا إلى أن اشتد لغطهم فأخذ كأسه ودنا من نافذة تشرف على البحر فرأى الموج يعلو وتشتد سرعته ، فرفع عينيه الى السماء فاذا هى رمادية اللون ، تعبرها سحب كقطع رصاص ثقيلة ، مدلهمة . . . وسرت همهمات فى القاعة ، واتجه بعض الفضوليين الى الشرفات ، ثم كانت جلبة تلتها لحظات سكون . . ، ثم عاد القوم بتعاليق شتى عن أوائل هذا الخريف . . . ودعا حامد نادية لنافذته ، فنهضت متأنية متريثة . . . ،كانت قطرات مياه المطر غليظة ، راشقة سريعة ، ترتطم ببلور نافذتها ثم تنحدر ، متعرجة ، كدمع رقراق . . . ، وخرجا الى شرفة رحبية . . ، وكانت الى الماء حبيبة ، الى قطيرات المياه المتراكضة رفيقة ، مستطيبة . . ، وأخذته رغبة فى لثم هذا الوجه الناعم غير أنه لم يجرؤ . . . وكان الى كؤوس اخرى . . . وكانت نادية اليه لطيفة ، وفى حديثها عميقة ، لا لغو فيه ولا فضول . . ، وادلهمت السماء وهما الى شجون حميم. . . وترافقا فى تجوال عبر شوارع المدينة . . .
نظر حامد فى ساعته ثم غادر بيته للقاء نادية . . . قالت له : ها قد حل صيف آخر فلم يجبها . ودخلا مقهى عصريا . كانت تحدثه مجهدة ، تبحث عن موضوع طريف . وكانت عينه الى فتاة جالسة قبالته تعابث شيئا فى يدها . كان قوامها قائما كالصعدة أو كهزة أمنية جموح ، وكان وجهها فيض جاذبية لا تنضب . . . والتفت الى نادية فابتسمت له وهى تمد يدها الى علبة اللفائف ، ثم همست له : انها جميلة . ونظر فى عينيها وهو يمد لها الوقيدة ، فأضافت : - ان المرأة تبحث دوما لتكون جميلة لترتوى أو لتحاول الارتواء ، وتقدم من أجل ذلك كل نفيس .
: فقال حامد
: اذن هى غير جميلة جبلة . فقالت بعد صمت - - لا ، حتى فى الحب. - اذن؟
- هى بشعة . وشعورها بحقيقتها هذه يجعلها الى الطلاء عبدة . والعجيب أن الرجل يعرف ذلك ويقبل كل ذلك بكل يسر بل يرغب فيه ولا يمكنه ان يميل الى المرأة بغير ذلك .
- ! والمرأة بذلك شاعرة ، وفيه ممعنة ، والى الاغراق راغبة - المرأة عند الرجل ألوان بدون جوهر تبهره فيغمض عينيه ويستجيب لها ولو ركبت من الزيف ، من الهباء ، أو حتى من التهيل ! ألم تكتب عنى يوما : هى بعد حلم ، هى تحليق خيال ، بل هى تطويح أسطورة وارسال لحن عميق . . . أأنا لك اليوم هذا الذى كتبت ؟
وعلا وجه حامد وجوم . ووقفا واتجها نحو الفتاة وانتصبا خلفها ، فمد حامد يده الى شعرها الطويل وأرسل يده معه فالتفتت اليهما وابتسمت. . .
اختفت نادية أياما ، ولم يعثر لها حامد على أثر ، ثم انه لم يجد لاختفائها تعليلا . . . وعظم شعوره بالفراغ ، وقسا عليه يوما كان قيظه شديدا . و تذكر أن نادية قالت له يوما ان الحياة ، انما هى شتات لتفاهات اذا ما أحسنا جمعها تكون وحدة ذات قيمة كبرى . . .
وركب حافلة نقل عمومية . كانت زحمة الركاب بها عظيمة ، وكانت الهاجرة فى أوجها ، فزفر أحد الركاب وهو يمسح ما تفصد على وجهه من عرق . فقال له حامد : ان الحر خانق فى هذه الايام . ثم صمت ، فراح رفيقه يفيض فى الحديث عن مناخ الجهة فى الصيف . غير أن حامدا لم يكن الى حديث صاحبه اذ أحس أنه قال عن الحر نفس الجملة أكثر من مرة . وانه
سيعيدها بحذافيرها كلما دعا لذلك داع وانه لا يمكنه التخلص من ابتذالها . وأخيرا انه أحس أنه يعيش على البلى وقد انطمس فيه كل ابتكار . . . وعاد بعد حين الى حديث صاحبه حتى وقفت الحافلة فى احدى محطاتها ، فسد باب الصعود بامرأة بدينة ، عريضة تململ لحمها وفار حتى أثقل حركاتها ... وحملقت ، وهى تقف متأنية ، فى الجالسين وعلى وجهها تعبير عن اجهاد . وتدانت من حامد فمنحها مقعده ، فهوت عليه . . . كان يجلس أمامها طفل ، يمسك فى احدى يديه محفظة أدواته المدرسية . وفى الاخرى مسطرة ثلاثية الشكل ، قائمة الزاوية . فما ان رأى المرأة حتى استرعى انتباهه انتفاخ ودجيها ، فرفع يديه الى عنقه وراح يتلمسه ، ثم ما لبث ان أخذ يضغط عليه بكلتا يديه ، وهو فى ذلك ، مسمر عينيه فى صاحبته السيمنة ، فالتفتت اليه بأنف رامح ، وعين قاسية ، وشفة متمتمة ، فخشى شرها وعدل عن فعله ، وعاد الى مسطرته يرفعها الى فمه ويلعقها بلسانه ، وكلما آنس منها غفلة قلدها فى غطيطها ، مستهزئا ...
ونزل حامد متوجها الى بيت نادية مستخبرا . . ، ودخل عليها فوجدها ساكنة ، متخاذلة ، يعروها شئ من الذبول ، او التغضن . . ، وسألها عن أحوالها ، فلم تجب ٠٠ ؟ وعاوده شعوره بالابتذال او بتبذله ، فنهض من مكانه وصعق فيها : قفى ، تحركى . فرفعت اليه رأسا متثاقلا ، ثقيلا . فلطم وجهها بعنف ثم خرج و تركها تنتحب . . ، وأحس بشئ من الراحة ثم تساءل ان كان ما فعله هو الجنون ؟ وفى المساء كانت بجانبه تعانقه ، رشيقة كيسه ... قالت له : الفراش ، يا حامد ، . . انه ممل . فهمس وهو يثلم أذنها : نهمى ، نهمى يا نادية دنيا لا تحد ، واشواقى ، اشواق سماء ، سماء ، الليلة ليلتى . . . ليلة الاغراق ، ليلة الابحار ...
ثم كان ، بعد حين ، الى صدرها ، فى غمغمات لاهثة ، وكانت ، هى ، اليه باردة . فقال : - ألم تعد تثيرك مداعباتى ؟ قالت : يدك على يدى مات مفعولها ! فقال : لالهبنها حتى تحرقك . قالت بعد صمت : لن تستطيع ذلك لان يدى على يدك قضى تأثيرها . لقد كان يراودنى ، منذ أيام سؤال : هل أنا أنتهى أم هل يجب أن أكون فاجرة ، لعوبا . عجبا لامر الدفء ، انه لا ينبع الا من الفجور . . ، من العبث ! لقد كان صوتك الى ، قبل ، مناجاة . وهو الآن ، هو هو ، غير أنه صار يقرع أذنى واقفا ، حادا . . . وأرخى جسده بجوارها ثم مال الى شعرها وغمر فيه وجهه وأخذ يلوكه فى هرش محموم ، غير أن الشعر لم يطاوعه ولم ينه اليه أى طعم ... ، ورفع رأسه لصاحبته فوجدها مغمضة العينين . فعاد الى امتداده بجوارها وهو يقول : لقد انتهى الامر . لقد انتزعت .
قالت له : لقد رأيت ، ذات ليلة ، فيما يرى الرائى أنى الى شاب فيه من كمال الرجولة حظ وافر . . . ، كان يريدنى فى لهف نهم عنيف . وكنت ادرك منه ذلك ، وأنا الى ذلك شاهية ، راغبة ، أستبطئ لاستمرىء حتى احتد جموحه ، وتلهب نزوعه ، فانقض على فاذا بى بين يديه طيعه . . ، وكنت له . وكان لمسه يفعل فى فعل السحر ، وكنت أدفع عنى الاستجابة لارى الرجل فى قمة صبابته ، فكانت يدى على وجهه تلاطفه ، وفمى على فمه فى لثم خفاق ، متواصل ، ولما انزلقت يدى الى رقبته أدركت أنى أنتقل الى حالته ، وانى لم أعد أحس بدفق لهاثه الحار على وجهى ، ولا بعرقه الذى كان يندى جبينى ، فحاولت التملص مما أنا فيه ، غير أنى بوغت به يسكن ويعود الى مؤانسا ، هادئا ، ووديعا . غير أنى لم أسكن لانى أحسست أنى أفعل شيئا شاغلا أخرجنى من الخواء الذى كان يشملنى فملت على رقبته أمرر أصبعى على أحد شرايينها . وأخذت أناجيه ، وكان بيانى رفيعا . . ، وكان صاحبى صامتا ، أو متناوما . . ، وكان يعرونى شئ كهدهدة بقايا انتشاء أو ولوع. . ، تم استدار نحوى حتى صرنا الى عناق . . ، وكان على فى هذه الجولة سيدا فلنت واستكنت ، واستعذبت ، . . ولا أدرى كيف تصعدت الى صورتك فأغضيت ، وأبعدتها عنى . ثم كان العجب بعد ذلك ! فاذا بملامح صاحبى تغيض لتبرز مكانها قسماتك أنت . . ، وما هى الا أن وجدتك بجانبى لحما ودما . وارتج فى كل شىء ، وشملنى عرق بارد أثلج كل نوازعى ، وتقهقرت متملصة ، كالمذعور من أسد ضار . . ، فقد كنت مغمضا عينيك تفغم بشفتين جافتين . فأدركنى عليك اشفاق ، ووجدتنى بعد حين اليك متدانية ، ولكنى لم أكن على ما كنت عليه الى صاحبى فعاودنى الشعور بالملل . وما هى الا لحظات حتى استيقظت . . . كان صوتها ياتيه عريض القرار ، هادىء النبرات . . . وأحس بها تبكى . . . قال لها بعد صمت ثقيل :
ألا نتزوج يا نادية . لعل هذا يخلصنا مما نحن عليه . -
قالت وهى تودعه : بى حاجة الى العزلة ، الى عزلة طويلة ، ثم قد أخرج اليك زوجة وفية . . . ، ثم حدجته بنظرة بارقة وقالت : لاحطمن قيدى ولاستنزلن الصاعقة ٠٠٠
كان ذلك آخر لقاء له مع نادية . . ، وامتد الصيف صاخبا ، وكان حامد الى الشواطئ الرملية صديقا . . . كانت السماء صافية ، لزرقتها انشراح كمذاب الرصاص نقاء ، . . والبحر تحتها يمتد متغضن الصفحة ، متموج التجاعيد يتململ مائعا ، رائقا . وأشعة الشمس تنصب على وجهه حامية وتغور فى أعماقه فيبدو مضيئا ، مشعا . أما الرمال ، فهى هناك ، مترامية ،
صفراء دقيقة ، ساكنة الى أجساد الحسان المتنمرة تستقبلها فى رفق والتهاب عاطفة . . . وعيون الشباب بارقة لامتداد القامات الفارعة . . . وهمس حامد : القوم هنا سعيدون بالحياة . . . وانطفأت فيه ، فجأة ، ابراقة انشراحه ، اذ أحس بحاحته لامرأة ، . . . وغادر الشاطئ و بنفسه قابلية كبيرة لكل مغامرة وعاد فى المساء الى تجواله . . . كان الشفق يلامس اليم فى لطف . . . وجلال ، وكانت المياه تتهامس فى تموج خفيف ، متراقصة فى هاله زيتية ، براقة . . . ، وأخذت السماء لونا أشهب صافيا ، وشرعت رمال الشاطئ الندية تستقبل زوارها . . . ، وتكاثرت حلقات النساء على الرمال ، فبن فى احجبتهن كالحمائم البيض المتداعبة . أو المتزاهية . . . وطالعته بناية النزل الكبير سامقة ، تتعالى فى عظمة ، فدفعه فضوله الى محاولة عد طوابقها ، فاشتبكت أمام عينيه واختلطت . . . دخل قاعة الفندق الفسيحة التى يستدير فى داخلها المرقص ، فوجد الهدوء النسبى مخيما على القاعة ، وكان خدم الفندق فى أثوابهم الانيقة يتنقلون بين المقاعد الوثيرة . . ، فجاء حامد الى آخر رف المشروبات واتكأ عليه بمرفقه وطلب كأسا . . . ،كانت الى جواره قهرمانة فى مقتبل العمر ، سمراء ، أنيقة ، جالسة الى آلتها الحاسبة ، فنظر اليها ، فابتسمت له ، ورجته أن يتحول الى مكان آخر لان مكانه مخصصر للاستعلامات ، فنظر اليها بدون ان ينبس ثم انشغل عنها بنادية الى شاب تطارحه الهوى . . . وجاءه صوت القهرمانة بعد لحظات :
سيدى . تفضل . ومدت له يدها تحمل كوبا انيقا . فقال لها وهو _ يأخذ كأسه :
وكأسك ؟ - لا أشرب. - .ولو ليمونا - ولو ماء. -
يا لك من حيوان وديع . ، ومطت شفتيها وتشاغلت عنه . . . كان - صرير الآلة الحاسبة يرن فى أذنيه قاسيا ، وكانت كلمات الشكر المصطنعة مملة ٠٠٠ ، فالتفت الى نادية فوجدها اليه محملقة . كان وجهها مدعوكا ، فيه اعياء وسأم . . . وانطلق فى القاعة لحن هفهاف ، سريع ، فدعاها صاحبها الرقصة فاعتذرت .
ومدت له القهرمانة كأسا أخرى فأخذها . فقالت مداعبة مشيرة الى نادية : . انها امرأة عاقلة ، دافئة تمنح الرجل أوج أنوثتها . جرب حظك - انظر اليها ، فى وجهها جلد التجربة ورصانتها . ان هذا النوع من النساء كالممرضة الرحوم ، قد تمنح مريضها ابتسامتها لا عن ارادة وانما احسانا . . .
وتركها فى هذرها . . . ورأى نادية تترك صاحبها وتتجه نحوه . . . وخرجا معا .
قال لها : كيف تتركين صاحبك وتخرجين معى . قالت :
. لقد كان لى منذ فارقتك ، فى كل ليلة رفيق جديد - ماذا تقولين ؟ - كنت أجالس رفيق ليلتى جل الليل ، حتى اذا ما بلغت استجابتى له- بعدا ما بعده بعد ، تركته لانام بمفردى فى منزلنا .
ولماذا لا تنامين معه ؟ - أردت أن أكون على اللذة مقيمة ، أردت أن أسبر مثيرات اعماقها ثم - ارسلها ، وأستجيب لنقرها ثم انحرها فى ذراها وهى لما تلامس البغية . لقد أردت أن أكون عليها وهى فى الدنى وفى العلى ، اردتها بلا استقرار أو قرار ، بلا نهاية او انتهاء ، وكلما لامست الابحار صعقتها ، وهكذا حتى تنفطر فى نوازعى ، ونعمى مشاعرى وتفيض فى همود أبدى . . .
قال : - انها رياضة الزهاد . - بل هى أشد منها لانها لا تنطلق من الحرمان وتعيش له وانما تنطلق من - اللذة حتى اذا ما طفرت ، تردها بكبح سليط و سطوة حديد . وقد اردتها ألف ليلة وليلة . وذهب حامد ٠٠٠

