الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5 الرجوع إلى "الفكر"

صراع . . او فى ظلال المحنة

Share

" قل لى يا ابت اين يذهب لحم الاموات ، كيف يصير لحم الاموات ؟ " فترة يشعر فيها الطفل - لاول مرة - بشبح الموت يحوم حواليه يكاد يلامسه وينتصب له لغزا رهيبا يساوره يتخلل يقظته واحلامه . وقد كان الى عهد قريب فى ملكوت من نفسه لا يأبه للموت وكأنه بالخلود يؤمن عفوا بوحى غريزة فيه .

شبه ازمة تعتريه مدة سيما اذا شاهد مآتم متعاقبة وعبق البيت وغص بريح الموت وبجلجلته وهذيانه . فيجد الطفل لذلك كطعم الغثيان على لسانه وكالغصة فى حقله . ! انها الهوة تنفتح فى فضائه الفسيح المشرق فيحس كالبتر فى سلسلة وجوده .

الموت ! رفيق لنا يباكرنا ونحن لم نصح بعد من حلم الصبا ، ثم يغدو علينا ويروح طفيليا عنيدا رقيبا لدودا يحصى علينا فرص العيش ولحظات النعيم . يشهد خفية مواعيد وصالنا فاذا رآنا فى لمحات الانس نخاصر الحياة ونقطف جناها  امتلأت نفسه حسدا وحقدا . لذة غريبة يجدها وهو تتبع فى نهم حركاتنا وسكناتنا كأنه مع حرمانه يشعر بلذة الوقاع . كاللص يلتذ المتاع عند غيره ولما يظفر به .

هذا شأن الموت معنا فى حالة السلم والامن . مهما ضرى واستشرى فاننا نثبت له و نصده صدا وقد تكون الحرب سجالا غير اننا - حتى الساعة الاخيرة لا نفقد الامل فى قهره . ومهما الح فى ازعاجنا والاخذ بتلابيبنا فان المعركة عادلة اشبه بما يقع بين ندين تكافا قوة وبأسا .

ولكنه اذا اندلعت الحرب وحمى وطيسها يخرج عن طوره ويجن جنونه فكأنه الوحش اخصب صيده ووافى او ان غلمته فهو يكاد يخرج من اها به حدة وهيجانا. وان الخوف منه لهو كالعدوى يتخطى المسافات والابعاد .كالسحاب المستطير يتمطى ويشيع ويتفشى ويتربع بالاجواء بل كليل النابغة حين يقول:

وانك كالليل الذى هو مدركى

وان خلت ان المنتأى عنك واسع

واذا نحن نرى الموت من حيث ما نتلفت عملاقا شبحا هائلا يملأ علينا الآفاق.

وليته كان خوفا من الفتك فحسب اذن لكان امره هينا ميسورا ولكنه تنغيص العيش وفقدان طعمه حتى يصبح تافها ذاويا نتجرعه ولا نسيغه نطعمه بافواهنا وتتقياه اذواقنا .

واشد من ذلك كله تضاؤل النفس وقد انعدم وجوبها وامحت ضرورتها فاذا هی شی ء منبت عرض من الاعراض هائمة سادرة في مهب الصدف والاهواء ويعترينا شبه دوار فنتلمس معالمنا واذا بها اختفت ونتحسس بيوتنا فاذا هي قد انهارت .

اين تلك الدمى من حقيقة وعدالة وخير وجمال تلك القيم والمبادىء التي شيدها البشر على مدى آلاف السنين وكنا نظنها هياكل خالدة ... این هي؟ ....محض سراب ! والارض ؟ هل هي ! الا حسناء يقتتل عليها النخاسون فتتلاشى و تذهب بين الايدى ! سنة الغاب بل اعظم خيفة بأسا واشد تنكيلا . ما سنة الغاب اذا قيست الى هذه الا لعبة مأساة ساذجة سخيفة .

ويتصاعد الينا من اعماق الذاكرة كالنور الضئيل المرتعش وليس بالنور قول الشاعر الداهية وقد طالما سخرنا به وسفهنا رأيه وسخفناه :

لدوا للموت وآبنوا للخراب

فكلكم يصير إلى تباب

لمن نبنى . . . .

واذا لهذا الشعر دوى كقهقهة الرعد المجلجل عبر الاجواء تحديا وسخرية ووعيدا ، واذا هو يتبخر فى ارجاء النفس فيتشربها ويتركها اثرا بعد عين كأنه الذرة لا تبقى ولا تذر .

وينتفض العقل ويصحو بعد لاى من أغماءته فيجد الاشياء مواضعها لا يزال للحية خفق نبضها ودفق عزيمتها دائبة لا تفتر ، أبدا ظامئة ، ابدا خالقة متجددة .

ويشع فى النفس خاطر كأنه يقول : « لا دمى ، لا قيم ولا مبادىء .....تلك حقائق كالاوهام او اوهام كالحقائق تعيش وتتالق بقدر اعمار اصحابها بقدر عشق مريديها !

تلك اشياء يخلقها البشر ولها يموتون ويحيون ! لا هياكل ولا سدنة ولا کهان . وليس الا الحياة . وما الحياة ؟ ان هى الا ارادة الانسان ابدا تكسر حدودها . ابدا تاكل الطريق امامها .

وينتصب في ذهنك قوله تعالى : " وكم من فئة قليلة غلبت ..... " اجل ! قلة ضئيلة حفنة من الجنود حاصرها الفجرة فما ارتدت ولا استكانت اعتصمت بسلاح العزة والبقاء تمحق به الخزى والبغى والهوان  . تريد ان تزرع الحياة وتبذر الخير والجمال .

و تعجب من امر جنودنا اذ تقف اليهم تحادثهم فتجد فرحة الابتسام على محياهم غير أن بريقا في اعينهم يحدثك - وليس يخطىء - بان هؤلاء الفتيان قد ألوا الا ينزعوا بذلة الجهاد الا عند احد اثنين النصر او الموت ند اكلهم وشرابهم فتراهم يأكلون ويشربون هنيئا مريئا .

وتنظر اليهم عند اكلهم وشرابهم فتراهم يأكلون ويشربون هنيئا مريئا كأن ليس من حصار مضروب حولهم .

وتسألهم فيحدثونك عن الحرب -واذا هي محض حرب لا مأساة - حديثا بريئا سليما لا عجب ولا خيلاء لا ضعف ولا استخذاء كما لو كانوا يقومون بواجب عادى بسيط او كأن الاعمال ليست اعمالهم وليس هـ الا الرواة يا لله ! هي بشرية اخرى هذه التي نشاهدها هنا في هذه الشوارع والازقة الضيقة العابسة المحفوفة من كل جانب باسلحة الفناء والدمار .

بشر لا يعرفون زخرف اللفظ وبهرج المعاني بشر لا يعرفون صلف الفكر وشعوذة الخيال وهذيان الشعور لا ابهام ولا تعقيد ، لا اغراب ولا التواء . الا الشرف عقيدة ودين عفوا... بكل بساطة .

وتذكر ما كنت تراه وتحسه فى وضع الحياة من غرابة وعبث وتعذر واستحالة كما لو كنت تهيم في بلد أوصدت من بيوته الابواب وليس دونك الا الجدران ... الا الجدران الى مالا نهاية له . ويزول عنك ما كان يخيل اليك من حتمية الدهر وبطش الاقدار فتبدو لك الحياة - وانت في موطن الموت وجواره _ سلسة جلية  امور باسبابها ومسبباتها ذا يفضى الى ذاك في تناسق ووضوح . لا تعسف ولا اعتراء . ان تحيا وتموت فى يسر وبساطة .. تلك هي الحكمة

وتعود من المدينة الشهيدة الصمود متحيرا مبهوتا لا تدرى اى الامرين اولى باعجابك وادعى الى فخرك اهو تواضع الاقوياء ام بطولة المتواضعين .

اشترك في نشرتنا البريدية