قالت الراوية : عرفته ذات يوم فى مناسبة من المناسبات العادية ، كما يتعارف جل الناس ، وشعرت منذ أول وهلة رأيته فيها باحساس غريب يجذبنى نحوه ويوثقنى إليه ، كما شعرت آن بنفسه شيئا نحوى مثل ما بنفسي نحوه ، وإن كان ذلك مبهما غامضا لم يمكنى الوثوق منه بغير الحذر وجس النبض مرارا وتكرارا .
واستطعنا أخيرا وبعد لاى أن نتصارح على هذا الاساس ، وتكونت بيننا صد اقة متينة ، ونشآت عنها علائق وطيدة ، وعجب القوم لهذين الخلين الحميمين ، واندهشوا أكثر كيف يمكن أن يتعلق النقيض ينقبضه . ثم كيف يمكن أن تنشأ بعدئذ محبة صافية وينمو ود على هذا الشكل الفذ بين انسانين تخالفا قلبا وقالبا وتعارضا أخلاقا وعقلية ، وتباعدت بينهما أسباب الحياة نفسها ذاك من الشرق وهذه من الغرب . . وانتصرت الصد اقة رغم هذا التناقض الواضح ورغم علم كل منا بما بيننا من فوارق ، حتى صرنا نؤمن بأن هذا التناقض الذى يراه الناس جميعا سببا من أسباب الجفاء والفرقة هو ذاته آية هذه العلاقة الصادقة التى ظلت تتوثق يوما اثر يوم مما جعل عواطفنا نحو بعضنا تزداد اتقادا وحدة وتسمو على ما تعارف عليه الأصدقاء عادة من الرقة والحنان الخالص والود ، ولله في خلقه شؤون . وسرنا في هذا الدرب شوطا بعيدا ليس بالهين نضرب ذات اليمين وذات الشمال ونتحسس قلوبنا بأيدينا كل يوم بل كل ثانية علها تتغير أو تتبدل أو تفتر أو يعتريها ما يعترى القلوب من تحول وفتور وبرود ولكنا كنا واهمين . وكنت كلما أحسست بحبه العنيف لى وا منت بقوة شوقى إليه ينتابنى الوجل والخوف والخور وأظل - في صعوبة ابعد عن خاطرى آطيافا سوداء تحوم حول رأسى فتشوش أفكارى الناعمة الحية ، وأحب أن أصرفها إلى غير ما رجعة إطلاقا . يا لله ، هل هذه صداقة فقط . ٢ أم أن هذا حب جارف خيالي كذلك الحب الذى أقرأ عنه في القصص التى تبكى قارئها حين يقرؤها حتى مع علمه الأكيد ان ما يقرؤه لا يعد ومجرد خيال كاتب مهووس أراد أن يستمطر دموع القراء كي يضمن لكتبه الرواج والنفاذ . مهما يكن من أمر فلم أزل أقلب الفكر وأتساءل
هل ما يسمونها بالصداقة يمكن أن تصل إلى هذا الحد وتنمو جذورها فتصل هذه الدرجة ؟ أمر عجيب يزيدنى حيرة كل يوم أقابل فيه هذا الصديق الأعجب . ولا أكتمك محظورا إذا لم أقل لك أن أحاسيس قوية جدا كانت تسرى فى جسدى وأقطار نفسى مثلما يسرى اللهب في الهشيم وذلك حينما اخلو إليها بين الحين والحين وأجزم أن ألم ما تفرق من أسباب تفكيرى لا قول له أن هذه البراءة الحقيقية بل الخرافية المجسمة التى تقوم عليها علاقتنا أيها الإنسان لا يمكن أن تجول برأس أحد ممن يعرفونك أو يعرفوننى والذين يبدو عليهم اليأس فى تفسير عواطفنا كل منا نحو الاخر ثم يمنعهم الحياء منك - وما أكثر الذين يستحيون منك ولا يستحيون منى أن ينطقوا بما يضمرون أو يجهروا بما يسرون ، وفي الحق اننى كنت أريده بلا شك أن يأخذ النصيب الاوفى مما كان الغير يجرى ورائى بسببه ويبذل النفس والنفيس كى يملكه لحظة من لحظات عمره الغالي ثم يرجع بخفى حنين عندما أتأكد أنه لم يبذل ما بذل ولم ينفق ما أنفق ولم يصب ما أصاب من عناء وتعب الا من أجل ذلك الشئ أو هذا المتاع والعرض الذى يراه الجميع أعظم ما عندي وأراه أنا وعرفت أن صديقى هذا أيضا يراه أقل ما عندى كذلك كما أننى في الواقع كنت أريد أن أعبر له تعبيرا محسوسا ولو يوما واحدا عن مدى حبى العميق له وإيمانى بأن كل ما يمكن أن أبذله في سبيله ويحوز رضاه هو غاية ما أتمنى وهو أكبر ما أسعى إليه بيد أني لأسير طويلا في هذا المضمار حتى يشغلنى شاغل طارىء يقطع على هذه الحلقة الجميلة من سلسلة أفكارى فأرجيء فى كل مرة البت فيها إلى فرصة أخرى ووقت أنسب وأليق ولعل طبيعة الأشياء وواجب الاخلاص للصداقة يفرضان على أن أقرر أن أعرب ما لمسته فى هذا الصديق تلك الطيبة المتناهية وهذه القناعة العظيمة والعقل الراجح الناضج ، وتلك المثل العليا الفاصلة التى لم أره قط تزحزح من الايمان بها وتقديسها رغم ما تمر بصفحة حياته بين الحين والحين من زوابع وعواصف جارفة تكاد تقتلع ما يصادفها من قوائم ثابتة لولا ايمان راسخ وعقيدة حازمة حاسمة ترد الأمور إلى نصابها وتؤكد أن كل الاحداث هينة بالنسبة لكبار العقول من الناس . . وأعود الى القول بأن وساوسى الهائلة القتالة التى أشرت لك عليها لم تكد تبرحنى قليلا من الأيام الا لتعود مرة أخرى متخذة أوضاعا غير الأوضاع ونماذج غير النماذج ، فقد تغيرت الحال من مجرد أطياف وساوس إلى أن صرت أتكالب على هذا الصديق واستشيط غضبا ويرتعش كيانى وينتفض حينما
أنظر في أمره معى وأنه أمضى كل هذه المدة فى صحبت لا نكاد نفترق صباحا مساء ، وكل همه أن يحدثني في مواضع عقلية بحتة لا تمت بصلة الى ما أعتقد أنه يجب أن نتكلم فيه ، أصبحت أو من - ويا لسخافتي - أن عليه أن يتغزل فى قوامي ويمدح جمالي وأن ينشد الشعر في سحر عيوني ، وأن يلمس جسدى على الأقل أو يطلب ولو مرة فى الشهر تقبيل شفتى ووو ولكن شيئا من ذلك لم يكن يحدث منه أبدا ، . كانت خواطرى هذه تجوس خلال رأسي وأنا منفردة بعيدة عنه ، أما عند الملاقاة وعندما يبدأ يحدثني أحاديثه الهادئة الفكرية فأثور وأنا جالسة قربه على نفسي وأتهم عقليتي بالجنون والرجعية وأكفر على كل ما يدفعني الى تلك الخواطر المجنونة ، ولكنى فى الوقت ذاته اعترف الآن صراحة أننى بهذا إنما كنت أكذب على نفسى وأسير بها فى عتمة مظلمة وأظلم نفسى بنفسى . هل يمكن لامرىء أن يتجرد من طبيعته أو ينسلخ من الجنس الذى خلق منه ؟ إذا كان ذلك مستطاعا فأنا أقدر أن أعيش مع صديقى هذا عيشة الحرمان الدائم والصوم الابدى والحب الافلاطوني . كان المسكين يردد دائما أنه يعشق أخلاقي وعقلي وطريقة تفكيرى وذلك ما يفتقر إليه لأنه لم يجده عند غيرى وكنت في أول أطوار الصداقة أعشق فيه هذه الخلال العظيمة التى لم أجد لها شبها ومثيلا عند الآخرين أيضا ، ولكنى مع مضى الزمن وبعد أن شبعت عفة ونبلا وطهرا وصوفية لابد لى من أن أسد الرمق لهذا الحرمان الذي صنعه بنفسه وتقبلته مهللة مكبرة ، ولأني وأنا فتاة فى مقتبل العمر كنت أحرص وأنشد هذا اللون من الصداقة الذي وجدته فيه ولكنى عندما عشت كل هذا الزمن غارقة فى هذا الذى كنت أحلم به وأعتقد أنه شبه مستحيل بل هو كذلك أصبحت أمقته وأحقره ، وصار في نظري هينا بليدا غير خليق بالإنسان الذى خصه الله بنعمة القلب والعاطفة وميزه بالشعور والإحساس لعلك تعجب منى أو تنقم على فأنت حر على كل حال ، وعذرى أنا أني أخذت العهد على نفسي بأن أكون صادقة ولو كفني ذلك بالحكم على نفسي بنفسي ولعمري أن الصدق ليدعوني إلى القول بأن ما كان يجول برأسى من آلهواجس وما يموج في داخلي من الاضطراب العنيف بدأت أثاره القاتمة تظهر وترتسم على وجهى فتكسوه اللون الأحمر القاني ثم الأزرق الداكن ثم الأصفر الفاتح وتستقر واضحة على هذا اللون بالذات . كما أصبحت قسماتى وتقاطيعى توحى للناظر اليها بغير ما كانت توحى به من الهدوء والبراءة والرصانة ، بل صارت ترمز إلي النرفزة والكبت والحماقة والذعر ،
بل والشراسة والخبث ، وأقول ذلك لأنى خبيرة نفسى ولأنى أيضا - إذا ما أردت الدقة في القول - قد عرفت وتحسست هذه العوارض من صفات النفس خلال نظرات الناس إلى حينما تنعكس ظلالى على عيونهم فأقر ما أقرأ عليهم فيها من مختلف الخواطر وشتى الصور . وكفرت على سلوك صديقى الطيب علانية وقلبت له ظهر المجن ، وكاد المسكين يصعق من هول المفاجأة ومن تصرفي الشاذ الجديد معه ، وصيرت بنفسي علاقتنا جحيما لا يطاق ، حتى كرهته فى الحياة وطعمها ونكدت عليه صفوه ولم أتركه يحلد للراحة ساعة من النهار ولا زلفى من الليل
وكان أكبر وأشد ما يغيظه منى كونه لا يعلم سببا أو مبررا لكل ما أقوم به من تنغيص وتنكيد وشقاوة ، أما أنا فقد كنت أشعر ببركان تتأجج ناره فى أعماقى وبحرارة تلسع كيانى وتؤرقنى وتحرمنى نعمة الهدوء ومتعة الراحة ، ولم أعرف كذلك تفسيرا بينا لها غيرتى القاتلة على كل كلمة يقولها لاى رجل أو لأى إمرأة وكل بسمة تنفرج عنها شفتاه وكل ضحكة يفتر عنها ثغره الحلو وكل اشارة تصدر منه ، كل واحدة من هذه الأشياء كافية لأن توقظ في نفسي العفريت الكامن داخل أعماقي وتثيره بحدة ليعمل عمله من تعذيب وارهاق أعصاب وبلبلة فكر وخلق جو من التشويش على كل حركاتي وسكناتي . وبين الحين والآخر وعندما يلحظ على أننى مستقرة وهادئة بسبب فكاهاته الساذجة البريئة التى كان يلقيها بيننا لتلطيف الجو وأضحك معه من قلبي يلومني برقته المعهودة على كلماتى الجارحة أو تصرفاتى الشاذة فيركبني عفريتى الملعون من جد يد وأظل أنقم عليه لأنه لم يضربني ضربات قوية أو يصفعنى صفعات نارية ، لأنى أشعر بلذة ما تتركه من ألم ولكن المسكين كان يضحك منى و لا يزيد على أن يربت على كتفي ويطيب خاطرى ويقول : سأظل أحبك وأحبك مهما كان تصرفك ومهما حصل منك من جنون وحينما أسمع هذا القول يتلاشى قد ره من نفسي وأظل أسبه وألعنه وأشتمه وأتمني لو أغرس فيه أظافرى وأفتك بجسمه الغض الفتى فتكا ذريا لا شفقة فيه ولا هوادة معه . - وذات يوم أخذني معه إلى الريف ، لدى أحد أصدقائه الخلص ، الذين لهم فى نفسه موضع الثقة التامة والاعتزاز الكبير ، وأعتقد أنه فعل المستحيل كى يهئ لي هذا الجو اللطيف الوديع من الأنس والحبور ، وقد كانت جلستنا تحت الأشجار الوارفة ، حيث الظل الناعم الظليل يغشينا بنسماته الرطبة المنعشه اللذيذة التى تبعث في النفس الانشراح وتدعو إلى السرور والحرية والإنطلاق
وكل ما فى المكان وما فى الجو كان فى الواقع حريا بأن يجعل الإنسان ضحوكا مستبشرا ولكنى أنا بدأت على نقيض ذلك ، اذ ركبني عفريتى المجنون من الطريق وألبسنى حلة بغيضة قوامها السأم والإنقاض والشعور بالضجر والضيق الكبيرين ، فلم أكد أجل حتى اصفر وجهى وارتخت مفاصلى وأعصابى ولم أعد أستطيع حتى مجرد النطق أو الرد على أى سؤال ، ولمحت عليه الضيق من تصرفي هذا ولكنه كعادته تظاهر بعدم الانتباه والمبالاة ودخل فى دردشة مع صاحبه وفذلكه ، وبدأت أتناعس لأغيظه أكثر وأكثر ، فاستأذن صاحب الدار لما رآني متناعسة منصرفا وتركنا على أن نخلد إلى الراحة والسكون قليلا من الوقت ، وعندما صرنا وحيدين وأحسست بأنه آن الأوان لأن يلومني على مسلكى أو على الأقل ليبدأ فى الحديث معى تظاهرت بالنوم فلم يشأ المسكين إزعاجي لظنه أني نائمة ، وكل ما فعله أنه انتحى ركنا من المجلس غير بعيد مني ، واتكأ على الوسادة بعد أن بسط صحيفة كانت معه وصار يقرؤها في صمت وهدوء ولم تمض لحظات قصيرة ، - وكنت أرقبه - حتى طوى هذه الصحيفة طيا ورماها جنبا وغاب فى سبات عميق ، وشعرت توا بأعصابي تتشنج وصدرى يعلو ويهبط ، وبفرحة مجنونة مروعة تملأ جوانحي وتدعوني في حرارة إلى الهوس والجنون ، وانتصبت واقفة في رمشة العين ، وانقضضت بقوة عجيبة على صديقى النائم بأعصاب فولاذية متحجرة ، أضمه في فورة وذهول إلى صدرى وأمتص شفتيه بحنق وغيظ ومكر شديد ، ثم أعضه بأسناني الحادة فى سائر جسمه عضات فتاكة نزف بسببها الدم من لحمه فصعق مندهشا من لذعاتها وهولها وفظاعتها ، ولما أفاق من هذه المباغتة الغريبة رمانى بنظرات يتطاير منها الشرر ، ثم لأول مرة هوى بكفيه على وجهى يصفعنى بهما ذات اليمين وذات الشمال دون أن ينبس ببنت شفة ، وهنا فقط سكنت أعصابى الثائرة وهدأت جوانحي الهائجة ، ورجع إلى صوابى وتصورت ما أقدمت عليه من شذوذ عجيب ولكنى أقسم لك الآن أن شيئا من الندم أو الأسف لم يمر ببالى أو يدر بخلدى إطلاقا ثم رأيته يقوم إلى الماء وهو يتمتم بكلام غير بين كما أنه أمرني أنا الأخرى بغسل أطرافى ووجهى مثله ، وصفق لصاحب الدار بكفيه - وعلمت أن هذه علامة النداء واستأذنا فى الإنصراف رغم إلحاح صاحب الدار لنا بالبقاء
وتكرر مثل هذا التصرف من جانبى فى كثير من المرات ، وأصبح صديقى نفسه مؤمنا بانى لم اعد مالكة لآعصابي آبدا وان الزمام قد انفلت
من يدى وأننى صرت مريضة أعصاب ، ويا ليته لم يؤمن بهذا الذى آمن به إذا لما استمر فى برودته معى معاملا إياى : على هذا الأساس . ومن آحاديثه الطويلة معى كان يحاول جهده فيها أن يكسو علاقتنا بذلك اللباس البرئ الأول ، ويطرد من رأسى هذه التصرفات التى تنكد العيش وتجعل من الصداقة أمرا غير جميل فيه السأم والمرارة واليأس ، ثم حصل ذات يوم وهو يحدثني آحاديثه هذه التى أكرهها وأمقتها من قلبي وعقلي آن ارتميت على صدره وأخذت فى الشهيق والبكاء كالمجنونة حينا غير قليل من الزمن ، وفعل المستحيل كى يقنعني بعدم جدوى هذا الذى أعمله الآن ولكنى فى فورتى هذه كلمته كلاما أشبه شىء بالهذيان لا أذكر فحواه الآن بالضبط وأعتقد من ضمنه أنك إذا لم ترضى وتشبع رغبتى فلن تطمع منى آن أبقى مخلصة لك أكثر مما بقيت ، إنني أجرى وراء سراب ، وآه لو عرفت حقيقتك من الأول إذن لما تعذبت كل هذا الوقت من الزمن ، أنك بلا شك تريد الضحك على بسلوكك هذا الذى أقسم أنك لم تسلكه مع غيرى البتة ، ولم يرد على بغير الضحك والعبارات اللينة الهادئة ، وتركني أفور وآثور كأنى بركان يقذف الشرور واللهب ، وكنت بقولى هذا أقصد إلى إثارته وإغاضته ، لأن ما ذكرته له لم أكن أو من به أبدا . ولم يمض أسبوع على هذه الحادثة حينما تقابلنا مساء ذات يوم وأخذ نى معه إلى مكان ما ، وهناك رأيته فى منظر لم أره قط فى مثله من يوم أن تعرفت به ، كان يضحك كثيرا ويلقى النكات على علاتها سواء منها البرى أو الخارج على قواعد البراءة وأصول الوقار كما أخذ يلمسني هنا وهناك ، ويضع يديه على أماكن من جسمى لم يكن يقدر حتى على مجرد النظر إليها وبقدر ما فرحت وسررت واستبشرت بمسلكه معى اليوم ، بقدر ما أخذتني الدهشة والمفاجأة حتى ظننت بادىء ذى بدء أن يكون قد غرر به الشيطان واحتسي شيئا مما يخلط العقل على الرجل ، ولكنى كنت واهمة فى هذا التعليل ، ولم يمض قليل من الوقت حتى كانت العدوى قد سرت إلى منه وصرت أنا الأخرى أكثر منه هذيانا وعبثا ومجونا ، فاستمر جونا هذا من الظهر حتى منتصف الليل تقريبا ، ولم نخرج من مكاننا الا وكل شىء كان قد انتهى وافترقنا ولم نلتق الا بعد أسبوع أو أكثر علي ما أظن ، وعندما التقيت به لاحظت انقباضا واصفرارا غريبين فى وجهه ، كما أن كلامه كان مقتبضا
وليست به تلك الحرارة والصدق اللذان عهدتهما فيه ، وأخذت منه موعدا وحاول أن يتخلص بيد أني تشبثت به تشبث الغريق بالمنقذ ، وحان الموعد وكانت جلستنا فاترة باردة رغم محاولاتى الكبيرة فى أن أجعلها رائقة وحية ونشيطة ، وقرب الانصراف فرضت عليه ما يكره ، وألزمته به إلزاما وقلت له فى صراحة أن هذا هو الذى سيجعل من علاقتنا حبا حقيقيا وصد اقة مخلصة ممتعة ، وطوال الجلسة كان ينكس راسه إلى تحت ، ويبتسم فى أسى مرير وكنت أعلم انه يؤمن إيمانا عميقا بغير ما سمعه منى وصار يفر من وجهى فرارا وكنت أتبعه فى كل مكان حتى حصلت مشادة عنيفة بيني وبينه ، تكلم كل منا فيها كلاما كثير جدا ، ومن هذه المناقشة الحادة اتضح وجه الخلاف الكبير بيننا ، والذى على أساسه يمكن أن تستمر العلاقة والصداقة إذا ما سوى أو تنقطع أبد الآبدين
كان من رايى أن الصداقة يمكن أن تعيش وتحيا بين شخصين تصلهما علاقة جنسية باعتبار أن هذه العلاقة لا مفر منها ولا غنى عنها لكل من الطرفين ، على آلا يكون هناك كبير التفات اليها ، والا تعطى أكثر من اللزوم تأملا وتفكيرا ، بحيث يجب اعتبارها شيئا ثانويا لا يؤثر فى الود والإخلاص والتقدير القائم بين الصديق وصديقه وكان هو على نقيض من هذه المفاهيم رأيا وفكرا وعقيدة ، كان يؤمن وذلك أشد ما أكره فيه - أن هناك معنيين وسبيلين للحب والعلاقة لا ثالث لهما ، أما علاقة نقية كالحليب لا يشوبها شىء من الجنس ولا ما يشبه الجنس ، أو علاقة جنسية محضة بحتة ، تقوم على المصلحة المتبادلة المطعمة بالاثم الفاجر ، والدنس الخبيث كما يقول ، وهى ما لا يرغب أن يقيمها معى - على حد قوله والأولى لم توافقنى ولم أستطع الصبر عليها رغم إحساسى الذاتى بجمال جوهرها وحسن مخبرها ، وحاولت التبسط فى الكلام على رأيه واقناعه بحل وسط فلم أوفق إلى ما أردت إليه ، ولست فى حاجة الى أن أذكر لك رأيه فى شخصى والمعيار الذى صار به ينظر إلى : بعد اختلاف وجهات النظر بينى وبينه حسب ما ذكرت لك ، والواقع أننى بالرغم من هذا ما زلت أرى لنفسى قيمة معنوية طالما لم أغيره ولم أرتم فى أحضان غيره اذ رسب فى عقيدتى أننى بخير وطهر ما دمت معه على علاقة كيفما كانت
هذه العلاقة ، وكيفما كان نظره هو إليها وبعدت بنفسي عنه أياما عديدة ولكن نار حبه كانت تشوى أحشائي وتلهب فؤادى فآتيه مسرعة بغير روية ولا تعقل ، اقضى معه ساعة أو ساعتين أسمع منه خلالها ما يهد الكيان ويمزق الشعور ، إلا آن الغيبوبة المحمومة التى أكون فيها لا تترك لى فسحة افكر فيها كما يفكر الناس ، وبمجرد سكون نفسي وهدوء أعصابى قربه ، أهرب منه مسرعة حثيثة الخطو أجرر أذيال الخيبة والاثم ونقمت على وضعى هذا معه ، وكرهته أى الوضع - من كل قلبى وصرت أتحسر على تلك الآيام الجميلة البيضاء التى قضيتها معه فى ود وإخلاص وعفاف وطهارة . . شئ واحد تركني أعيش في دوامة هذا الصراع العنيف بين نفسى وقلبي وافسد على مستقبلي من الأيام ، ذلك أنه بينما كنت فى البيت مع أمى ذات يوم ، اذ دخل صديقى على حين غفلة وغيبة وطلب يدى منها معتزما الزواج منى ، واندهشت وصعقت فى أعماقى وأصابني أكثر من الذهول والخبول ، لأنى بعقلى السخيف الضيق اعتقدت الا فائدة ولا مصلحة يمكن آن ترجى من استمرار علاقتنا ، واتخذت لي خليلا وهو عمل أفعله لأول مرة فى حياتى وأقدم عليه بشعور لا أملك وصفه وشرحه وتفسيره ، - على هذا الأساس ، رغبة فى السلوان والنسيان . .
وها آنت أيها الإنسان قد سمعت روايتى وعرفت كل شئ منى وكل رجائى عندك الا تحقد على أو عليه أو تلومني أو تلومه ، فأنا مؤمنة أن تصرفه كان نتيجة حبه لى كما كان تصرفي أنا ايضا نتيجة لحبى له . ولكل منا دوافع وعوامل ، ولكل منا صراع في نفسه عظيم وشعور بما يشبه الواجب يمليان عليه تصرفا معينا ويقودانه نحو هدف محدود قد لا يرضاه عقله اطلاقا لو فكر فيه جيدا قبل أن يقدم عليه أما الآن وبعد أن عرفت حقيقته نحوى ، فإنني قد نبذت الخليل وكل ما يتصل به وآمنت بأنه يجب على أن أعيش محلصة له طول عمرى عساى أكفر خطئ تتصل روحي بروحه وأعيش على ذكراه الجميلة الحميدة ، مكبرة فيه صفاته الإنسانية العظيمة العالية ، على الرغم من أنه تزوج غيرى ولم يعد لى فيه من نصيب كبير أو قليل ، سوى ما تحدثه رؤيتى له من صراع داخل أعماقي عند كل مرة ألتقى به أو أبصره مارا من بعيد .
