الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10الرجوع إلى "الفكر"

صرخة الدماء *

Share

-II- التقط كلمه الفرح ولد سيدنا فرددها وهو يمرق بينهم كالسهم زائغ النظر مضطرب الجسم :

" الافراح لا ، لا حضروا الاكفان يا كلاب بعثتم الزوفر امتاعكم لشراء الهم بقليبية وملأتم هنا الشوارع . تو حضروا أرواحكم ها هى فرنسا جايتكم ما تخافوش اذا كنتم رجال " .

فالتفت اليه العم أحمد متهكما : " وانت وجعك قلبك يا سى الشيخ آشبيك طائر كيف الصوفه ؟ خايف على التاليفون خليتو وحده ؟ " فكركرت العمة خدوجة فى ضحكتها وضحكت عائشة ضحكة محبوسة فأجابه ولد سيدنا :

" خلنى منك يا بو الابطال ، الغزى ما عندو كان صحة الراس ، برا برا الحق بأولادك ها وينك حررت تونس اليوم وررط وررط "

ولكن العم أحمد قذفه قبل أن يبتلعه المنعطف " نعم هانى لاحق بيهم وانت شد روحك لا بد يجيك نهار الشدة يا ولد حمام الغزاز يا هايل "

فقالت عائشة اللطف يا عم حمد هذا الراجل باقى ما تابش عليه ربى سبحان الله كيف بوه "

- " هذا ولد الكلب يقيد فى الزريعة يا عائشة بنتى " . وتدحرج العم أحمد نحو الغويرقة حيث دوى الانفجار واضحا بينما ابتلعت السقيفة عائشة والعمة خدوجة .

كانت ساحة الغويرقه محتشدا كبيرا لاطفال البلدة حيث تشكلوا فرقا فيهم من راح يقلد الشعبة فى تدريب الشبيبة على الخطوة المنتظمة . وفيها من تجمعوا حول زعيم لهم وضعوه فوق مرتفع فراح يخطب فيهم وهم يهتفون هتافا حادا ثم يندفعون فى أصوات حماسية : " يحيا بورقيبة يحيا بورقيبة برلمان تونسى ، برلمان تونسى " وكان العم أحمد فى ثلة من أصحابه الشيوخ يتخللون تلك المجموعات ، هاتفين ، للصبيان مصفقين .

وفجأة توقف ضجيج الصبيان وصياحهم ليتحلقوا حول العائدين من المظاهرة المسلحة مشبعين فضولهم بما يسمعون عن قصص المعركة . وكل ساعة تمر ترد فيها على القرية أخبار جديدة ، فهذا يقول فتحنا مراكز الجندرمة والبوليس ، والآخر يقول استولينا على دار رومى الدخان وذاك يقول أتممنا الآن تحرير قليبية ، وجئت مع أصحابى لحمل الديناميت لتحرير جبل وزدره ثم نتجه لمنزل تميم لنلتقى هناك باخواننا ، ونواصل المسيرة نحو قربة وشغلت هذه الاخبار الاطفال فانستهم لعبهم وراحوا وراء الاخبار مندفعين فى جهات مختلفة حتى العم أحمد يبدو أن الاخبار أسكرته بدوره فضم عكازه راجعا للبلدة التى أصبحت عشية 24 جانفى أذنا واحدة وعينا واحدة ساهرة ومع ظلام جانفى المبكر انتهت المعركة وعاد المتظاهرون من ساحة المعركة وفى عيونهم بريق غامض مشع كذلك الغموض الذى يغطى عيون المؤمنين المجاهدين

أصبحت حمام الغزاز فى 25 جانفى كصبيحة أحد أعيادها الدينية فالمقاهى تغص بالجالسين والحوانيت مثلها على تخمة وحديث الكل لا يخرج عن معركة أمس يفصلون لك الاحاديث تفصيلا حتى لتشعر ان كل واحد قام بما قام وحده ولكم تعاظمت بهم نشوة الانتصار وحلاوة البطولة حين وصل بهم الحديث عما أذاعته اذاعة لندن من خبر المظاهرة . وأقبل بعضهم على بعض يتعجب من سرعة الخبر ونشره فى اذاعة بريطانيا ، وكانت أحفل المقاهى بهذه الاحاديث الطرية مقهى الشيخ ، شيخ الدعابات لا شيخ البلد ، اذ كانت هذه المقهى فى قلب حمام الغزاز وبها مذياع فيليبس أصيل ضخم يملأ المقهى دويه

فهو بالنسبة للبلدة مكمن أسرار ، وجهينة أخبار ؛ فكل خبر لا يزكيه راديو الشيخ ليس بخبر . وكان صاحب المقهى الشيخ دستوريا قديما وصديقا حميما لشيخ الدستوريين المرحوم سليم بن حمودة يرحل برحيله ويقيم باقامته فاذا جاءت ساعة الجد قال لك أنا لها ، واذا جاء وقت المزاح ملأ القلوب مسرة وبهجة فهو بحق فاكهة البلدة فى الحديث الضاحك والتنكيت البارع ولا يقل عن مذياع مقهاه فى اصطياد الاخبار واجتلاب الناس وتجميعهم من حوله فى احاديث شائقة ، وحكايات طريفة ونوادر ضاحكة ؛ غير أن الشيخ فى هذا اليوم على خلاف عادته كان متجهم الوجه ، نافر الاسارير يصب قهواته ويوزعها فى صمت حائر ولكم تغامز عليه أصحابه ولكم عاكسوه وهو يجوس خلالهم ليفتح عليهم باب البهجة بخفة مفاكهاته ونكاته ولكنهم لا يجدون عنده غير التجاهل وقلة الاكتراث فيدعونه وشأنه ، ويقبلون عما هم فيه من أحاديث البطولة والجهاد .

وفجأة يتوقف حديث المقهى الهادر فقد بدأت اذاعة لندن نشرتها ويدخل سى حسين رئيس الشعبة فى ثلة من رفاقه يقفون الى الكنتوار فيصب لهم الصانع قهواتهم ويأخذون فى الترشف وفيما هم كذلك يدخل شيخ المقهى فيسأله رئيس الشعبة :

- كنت عند ولد سيدنا - كنت عند ولد خالى وخالك - ويضحك الشيخ - حملت له قهوتين - الثانية لمن ؟ - عنده رجل مكستم غريب - لا ، تعرفه ؟ - لا ، هيأته تدل على انه من البوليس إن صدق حدسى له نظرات فاحصة خبيثة ، كان يتحدث الى ولد سيدنا فلما دخلت سكت ، وحين خرجت وتثاقلت خطواتى امام الحانوت سمعت حدة الحديث تعود . إن قلبى دائما يصدقنى وإن أذنى لم تخنى قط .

- رأس الفتله ماذا ؟ أتحدس بشئ ؟ - أظنها الطامة . - كيف ؟ - أرسلت فى الصباح صانعى الى قليبية فلم يتجاوز سيدى بن عيسى اختطف ( بترى الراديو ) من البابور وعاد مصفر الوجه لما حدثه به صاحب البابور من ان الجيش الفرنسى سيصل وانه سيمسى فى حمام الغزاز إن صدقت

الشائعات . واسترسل الشيخ فى عمله بينما تهيأ رئيس الشعبة للخروج وهو يقول لاصحابه " حسابنا إذن صحيح " . وعند عتبة المقهى توقف الجماعة ليتأملوا طائرة الاستكشاف وهى تخيط سماء حمام الغزاز من كل جهة فيقول محيى الدين : ( هذه البداية استطلاع ومراقبة ) .

عبد الله : والنهاية تطويق البلاد أيكون أكثر من ذلك ؟ إنهم فعلوا هذا عام 1938 إننا تعودنا والمجاهد الاكبر طمأننا على هذا ألم يقل لنا فى خطاب عام 1937 بدار الحاج حسين بن حمودة : " إنكم إذا اخترتم بورقيبة معناه اخترتم الحرية ولكن لا بد فيها من سجون ومناف وقتال ونحن الاغزاز رضينا بهذا كله بل تعودنا عليه أفنخشى اليوم من الفرنسيين بعد أن وجهنا لهم صفعة بليغة ودرسا فى الادب واحترام التونسيين

الرئيس حسين : نعم درس بليغ ويجب أن تتوالى دروسنا البليغة على ملاقيط الشعوب . والآن يجب أن نفكر أولا فى تجنب ضربتهم الاولى المنتظرة وبعدها يسهل العمل الطوار : ولكن كيف ؟

الرئيس حسين : شئ بسيط تنبيه المواطنين على أن يعمل كل واحد على الاختفاء بعيدا حيث لا تصل إليه هذه الايدى المسعورة أنا أعلم أن الفرنسيين سينقضون على بلدتنا وسيضربون بلا رأفة لانها صافية وليس بها فرنسى واحد يخشون عليه هنا ، بينما فى قليبية يتساكن الفرنسيون مع أهل المدينة فلن يضربوا إلا بحذر .

وفى الوقت الذى اكثرت الطائرات الفرنسية التحليق المنخفض بصورة مزعجة كان رئيس الشعبة حسين يدرس بمقر الشعبة وسيلة العمل والوقاية من الزحف الفرنسى المنتظر

قال رئيس الشعبة : الامس كان نجاحنا باهرا تظاهرنا فى بلد غير بلدنا وقدمنا احتجاجنا وضربنا العدو بسلاحنا ورجعنا والحمد لله سالمين واليوم ترانا ننجح ؟ الاخبار مخيفة ونحن كما ترون حتى هذه الساعة لم نقم بأى تخطيط فماذا ترون ؟

الطوار : الذخيرة ما يزال عندنا منها الكثير ونحن لم تخفنا أمس الطائرات ولا الجندرمة ولا البوليس فكيف نخاف اليوم بعد أن زرعنا فى قلوبهم ما زرعنا .

الكاتب العام : لا تنس يا هادى ضربة الخائف ستكون من الفرنسيين قاتلة لنا يجب أن نفكر فى تأمين أهالى البلدة أولا ثم نفكر فيما بعد فى طرق العمل

رئيس الشعبة : هذا صحيح ، يا طوار حالا اذهب واعلم المواطنين بقرار الشعبة وهو أن كل واحد عليه أن يفكر فى الاختفاء فالجيش الفرنسى بقليبية وقد لا تمر ساعة حتى يكون عندنا ، انهض يا طوار وابتدئ بمقهى الشيخ

خرج الطوار بن حمودة مسرعا بينما رئيس الشعبة التفت الى أعضاده قائلا : هذا موضوع انتهينا منه فماذا ترون بعد ؟

عبد السلام : إننا بدأنا ولا ينبغى أن نتراجع وها هى أخبار هجومنا عليهم وصلت اذاعة بريطانيا .

رئيس الشعبة : لا تنسوا الفكرة التى أعطيت هناك للجيش الفرنسى من أن حمام الغزاز هى رأس الداء ولولاها لما حصل شيئ بقليبية وأن الاسلحة إنما تأتينا ، من ايطاليا . على هذا الاساس اذا ما نصبنا كمائن فى مدخل البلاد أو على طريقهم بهنشير " حيدود " فلا شك أننا بأيدينا أكدنا معلومات الفرنسيين وسيعملون على تدمير البلدة تدميرا كاملا .

رشاد : لست معك فى هذا الرأى يا سى حسين يجب أن ننصب لهم الكمائن ونضربهم هنا وهنا وليكن ما يكون

محيى الدين : نعم يجب أن لا نترك الكلاب تدنس بلدتنا النظيفة وكل ما سنلقاه منهم ليس عنا بغريب فالمجاهد الاكبر أحاطنا به علما منذ زيارته لنا سنة 1937 افنتراجع اليوم ؟ لا والله .

رئيس الشعبة : ما سمعته يبعث على النخوة الدستورية و لاشك أن بورقيبة يفخر بهذه النخوة ولكن كم ترانا سنقتل للعدو وكم سنحطم له من دبابه ومن بعد فما مصير بلدتنا ؟ لا تنسوا هذا اننا فى وضع يختلف عن الوضع فى قليبية ، إن فيها المواطن والفرنسى متجاوران زيادة عن المتجنسين فيها بينما والحمد لله حمام الغزاز دستورية خالصة وليس بها فرنسى أو متجنس واحد فلا شك إن تصدينا لهم فسيصدر المراقب الفرنسى اليهم الامر بدفننا أحياء ويستريحون .

الكاتب العام : رأيى الى رأى رئيس الشعبة ورأس مال الحزب فى هذه الجهة بقاء حمام الغزاز معقلا له لا أن تمحى من الوجود

محيى الدين : هذا حلو والله ، من المرسى بدأنا نجدف ، لا يا سادة فكروا فى خطة أخرى .

رئيس الشعبة : الحل هو هذا ولا بديل له وانى متشبت بهذا الموقف حتى يأتينا من الحزب ما يخالف ذلك .

محيى الدين : ماذا نصنع إذن نحن نريد أن نعمل عبد السلام : نعم ماذا نصنع أنكتف أيدينا . ؟ رئيس الشعبة : كلنا نطلب الاستشهاد فى سبيل الله والوطن ولكن نريد استشهادا مشرفا لا يستشهد الواحد منا حتى يقتلع أضراس العشرات من كلاب الاستعمار .

محيى الدين : لكن كيف ؟ رئيس الشعبة : كيف ؟ ألم نكون منكم خلايا ؟ محيى الدين : نعم ، أنا وعبد الله الحجام فى خلية واحدة

رئيس الشعبة : هى باقية كما كانت ومستمرة . بالامس عملت داخل المظاهرة واليوم تعمل داخل ولاية نابل كلها والظلام دائما رداؤنا وأنيسنا ومن هذه الساعة لم يعد هناك رئيس شعبة واحد بل كل واحد منا رئيس فى خليته .

وفى الوقت الذى أكمل رئيس الشعبة هذه الجملة فتحت احدى الطائرات رشاشاتها فى سماء البلدة فأضاف رئيس الشعبة :

" أظن العاصفة باتت على الابواب . ليشتغل كل واحد منكم بما عهد إليه . الله ينصرنا عاش بورقيبة وعاشت تونس

ونهض الجميع ، ولكن الى أين فغارات الطائرات بدأت تشتد شيئا فشيئا حتى لكأن الرصاص امطرت به السماء ونشبت الحرائق فى كل ناحية وانعقد دخان الحرائق بدخان الانفجارات واختلطت أصوات الحيوانات من كلاب وبقر وخيل بصراخ الاطفال .

التفت رئيس الشعبة الى رفاقه فى اكفهرار :

" ما هذا هل كتب علينا أن نتسمر هنا يجب أن نتحرك ، هذه الغارة لا شك يمهدون بها الى الزحف البرى وتطويق البلدة " . فى هذا الوقت بالذات تمثل أمامهم الطوار بن حمودة ليقول : " يا سى حسين طلائع الدبابات وصلت الى الحلقوم هيا اخرجوا " وانفتل كأنما ابتلعته الارض وتسلل على أثره اعضاء الشعبة فى وقت كفت الطائرات عن إغاراتها وأصبح الهجوم برا ، صمت الاذان فيه وتجمدت الاعصاب وتبلد الشعور عن الاحساس بما يحدث فقد تحولت حمام الغزاز الى حقل يهزه الزلزال وتبتلع فيه البراكين اللاهبة ما تبقى من إغارات الطيران الساحقة حتى لكأن الجحيم تحولت ال أرض البلدة تنسج فى سمائها اللهيب الاسود وتنشر فى أرجائها الموت والدمار

إن المشاهد من حمام الجبلى " لحمام الغزاز " فى هذه الساعات الجهنمية لا يرى فيها غير كبب من الدخان الاسود ينعقد فوق سمائها فقد كان الجيش الفرنسى المهاجم يعتورها من الجنوب والشمال ويقسمها فانشطرت شطرين وعندئذ بدأ الزلزال تتضاءل حممه شيئا فشيئا الى أن توقف فقد تم التطويق ثم اعقبه الاقتحام بمساعدة العملاء وعلى رأسهم ( سليم غ . ) الذى كان يعرف الفرنسيين بأسماء العائلات وبمن يقبض عليه وما إذا كان من المشاركين فى المظاهرة أم لا . هكذا كانت العملية الاجرامية تتم على أرض البلدة وبهذه الطريقة تم اصطياد الوطنيين الغيورين فقد استطاع الفرنسيون بفضل العملاء أن يتعرفوا على عبد الله الحجام بمنزله فأخرج وأعدم بالغرس المقابل لمنزله كما تم اعدام شقيقته رميا بالرصاص واما محيى الدين فلقد ساقوه أسيرا وأمروه بان يهتف تعيش فرنسا ولكنه رفض وصرخ فى وجوههم تعيش تونس يعيش بورقيبة فأعدموه من توه على قارعة الطريق قرب " دويرة الماء "

كان الظلام الشتوى يشتد رويدا رويدا والسكون يزداد معه روعا وإزعاجا ورئيس الشعبة فى مخبئه يلتفت الى الطوار بن حمودة ويقول : أين عبد الله يا هادى بل أين محيى الدين اتراهما انفصلا عنا بعد خروجنا مباشرة من النادى ؟ ورشاد آه أين رشاد ؟

الطوار : لم يتبعنا لا محيى الدين ولا عبد الله ولا رشاد . عبد السلام : اطمئنا بل لنصل منذ الآن صلاة الجنازة عليهما محيى الدين وعبد الله أما رشاد فما أظنه سهلا .

ورد رئيس الشعبة منكرا : كيف لم هذا الكلام ؟ الطوار : صحيح يا سى حسين محيى الدين يقسم دائما بأغلظ الايمان ان لا يفر من فرنسى مهما كان ولا يحيى رأسه لقواد أبدا .

عبد السلام : ومثله عبد الله الحجام يا سى حسين إنه عندما كنا فى الاجتماع أسر لى بأننا اذا كنا نفكر فى الاختفاء فانه كان على أحر من الجمر يريد الرجوع الى منزله ليتربع هناك ويترشف كأس شاى من يد الزوجة المحبوبة .

رئيس الشعبية : آه ليتكما أخبرتمانى بهذا الخبر وقتئذ . عبد السلام : وحتى لو اخبرناك فلن تستطيع أن تفعل معهما شيئا . رئيس الشعبية : المهم أن نحاول ، إنا لله وإنا إليه راجعون كأن الحذر لا ينفع فى القدر وينهض رئيس الشعبة فيسأله الطوار الى أين ؟ رئيس الشعبة : يجب أن نتحرك

الطوار : نسيت وصيتك لنا ، الامر ليس سهلا يا سى حسين فرنسا يبدو انها رمت بلدتنا بكل ما تملك من دمار . رئيس الشعبة : ماذا نصنع إذن ؟ الطوار : تنتظر هنا ، سأتنسم الاخبار وأعود اليك . وينطلق متسللا بينما أصوات المحركات بدت فى حالة تنبى أنها بدأت تتحرك نحو مخرج البلد .

ويشعر رئيس الشعبة بأن الوقت يمر ثقيلا مملا وهو فى قلق وحيرة ثم فى ضيق لم يستطع أن يحول نظره عن ساعته - الآن السادسة والنصف خارج يا عبد السلام - ولو ، لم يمر على توجهه غير ربع ساعة . نعم ربع ساعة فقط ولكنه ولكنه ماذا ؟ - كثير يا عبد السلام ، قم معى - الى أين ؟

- نعود الى البلدة بحب أن أكون هناك ، أصوات المحركات انقطعت ويبدو ان المجرمين انسحبوا فماذا بقى لنا هنا ؟ وينهض عبد السلام مع رئيس الشعبة ولكنهما لم يكادا يخرجان من مكمنهما حتى كان الطوار أمامها كانت الدموع تتدفق من عينيه ويتأوه تأوها ملسوع أضناه السفر . - تبكى يا هادى ، حصل ماذا ؟ ماذا فعلوا بنا ؟

- أبكى ، نعم يا سى حسين ولكن من أجل القهر والاعتداء ليتنا خالفناك ولقناهم درسا وليكن بعد ذلك ما يكون - لكن يا هادى لم تخبرنى . . . . دمروها . لا - الحمد لله ، خبرنى ماذا حصل ؟

- تسللت على حذر الى القرية عن طريق السوانى وعند شجرة الخروب العالية حضرتنى فكرة الاشراف من أعلاها ونظرت فلم أر من البلدة شيئا حيث كانت تغرق فى الدخان والظلام الا الغويرفه مدخل البلدة فقد كانت تعج بأصوات غامضة وأضواء الكميونات تكشف الكياس فتجعله كانما هو فى وضح النهار المضبب ثم بدأت الاضواء تغور ويبتعد الضجيج وبدأ الكياس تنطفى فيه الاضواء حتى لم أعد ألمح شيئا . أدركت عندئذ أن الكلاب انسحبوا فنزلت وانعطفت وراء دكان النجار ومشيت على حذر وعند منحدر سيدى عبد السلام نظرت فرأيت ولد سيدنا يكشفه ضوء المقهى الباهت ومع ( رجال كبارنا ) وسمعت اسم عبد الله الحجام ومحيى الدين يتردد على ألسنتها فاضطرب قلبى اذ ظننت أن الجيش مسكهما - وليته مسكهما - .

- تقول ليته مسكهما هل حدث لهما شر أكبر ؟ - نعم يا سى حسين فى الوقت الذى هممت أن أبرز لهم لأعرف جلية الخبر إذ بالعم أحمد يتحرج منفصلا عنهم فتسمرت مكانى وعند انعطافه فى الطريق الجنوبى لحقت به مناديا : عم أحمد يا عم أحمد فتوقف الشيخ - شكون أنت ؟ عبد السلام والا الصادق ؟ - لا ، يا عم أحمد أنا الطوار

- آه يا ولدى الحمد لله على نجاتك نادوا على اسمك يا بنى فين رئيس الشعبة ما هو لا بأس - لا باس يا عم أحمد ، قل لى . . - فين لاباس ؟ تهلكت الدنيا ، قتلوا محيى الدين قرب دويرة الماء وقتلوا عبد الله قدام داره والبقية الله أعلم . - يا رسول الله ، الله أكبر وإنا لله وإنا إليه راجعون قتل عبد الله الحجام ومحيى الدين .

- ليس فقط يا بنى هذا وثمانون غزيا ألقى عليهم القبض . منظر يا بنى لا انساه ، ثمانون غزيا تكسوهم الدماء كأنهم كانوا فى بركة . اللهم صبرك

- فيهم يا عم أحمد ، البشير وامحمدات ؟ - لا البشير ، ولا امحمدات ، لم يمسكوا هذه المرة الا الذين شار كوا فى المظاهرة ، مع رئيس الشعبة أما الذين قدتهم الى بانبونا وفارينا فلم يخطفوا منهم سوى عبد الله ومحيى الدين الله يرحمهما .

- طولت عليك يا عم أحمد ومن يعرف فقد يعودون ؟ - هيا يا بنى ديروا روسكم ، فين رئيس الشعبة ان شاء الله يكون بخير ؟ - ان شاء الله يا عم أحمد ، تصبح على خير وجئتكم الآن وكنت أخشى أن تتحركوا ولا ألتقى بكم . رئيس الشعبة : إنا لله وإنا اليه راجعون ، " إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله " صدق الله العظيم

عبد السلام : والآن يا سى حسين كيف العمل ؟ رئيس الشعبة : العمل ؟ الطوار : نعم ، الحالة خطيرة جدا وبلدتنا مهددة فى وجودها

رئيس الشعبة : اذن لا يمكن أن ندخل البلدة ولا أن نلقى النظرة الاخيرة على الاخوين الشهيدين هذا يصعب علينا فى مثل هذا الظرف . ان فرنسا ستجعل حمام الغزاز هدفا لها فى كل لحظة من أجل اصطيادنا عبد السلام : أبعد كل هذا ستبقى وراءنا . رئيس الشعبية : حملة الجيش الفرنسى هذه فاشلة . الطوار : كيف تقول هذا وقد قتلت لنا اثنين وأسرت ثمانين دستوريا ؟ رئيس الشعبة : ولو ، أنا طليق ، وأنت ؟

الطوار : طليق أيضا . رئيس الشعب فرنسا اذن لن تستريح لبقائنا أحرارا مسكين المراقب يتصور أن حمام الغزاز ستخاف منه سيرى ، هيا يا جماعة منذ الان سيكون التخريب واقتلاع أعين الخونة اجتماعنا الليل بسيدى نصر سيكون والتعليمات لاصحابك يا طوار أن يلتحقوا بنا جميعا فلنتكل على الله عاشت تونس وعاش حبيبها .                                          ( يتبع )

اشترك في نشرتنا البريدية