الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8الرجوع إلى "الفكر"

صرخة الدماء

Share

- 2 -

غرقت حمام الغزاز فى ظلامها الكئيب حيث يعانقها وينعقد فى سمائها دخان القنابل المتكاثف ، فبدت كما لو هبت عليها رياح عاد العاتية فأماتت كل شئ ودمرته . فلا نور . ولا حياة . ولا حس ، ولا أصوات ، ولا شئ من هذا الذى كانت تعج به القرية فى لياليها المواضى حين كانت حياتها عادية وفلاحون وخدام السوانى يهيئون سوانيهم لبذر الكاكوية ، وزراعة الفلفل فيعودون متاخرين وتضج البلدة البهية باصوات الحيوانات وأحاديث أربابها وتعيش فرحة لياليها كسعادة أيامها وكل ما يلوح لك بين الحين والحين طيوف كالخيالات أو خيالات كالطيوف لا تكاد تلمح حتى يرتد البصر دونها حسيرا

لا يدرى خيالات هى اختلج بها الكيان أم أطياف صنعها العقل الذاهب المكلول او الاعصاب المفككة المهدودة حتى لكأنها الرعب وجنود الخوف تجمعوا ليجتموا تلك الليلة على صدر البلدة الصغيرة المروعة ، فالمرأة التى لم يرجع اليها زوجها لم تستطع ان تتحرك لتسأل ومن تسأل ؟ والطفل الصغير الذي أظله الزلزال فقد كل حركة كأنما شد الى حضن امه شدا ، وما كان ليلاعب النوم أجفانه الصغيرة المشبوبة . وقد كان فى مثل هذا الوقت من تلك الايام المواضى ينام ساكن الجفون ، والأم التى نظرت فرأت بعض مضاجع أبنائها خاوية تاهت قلبا وفكرا ، وأضلها الدوار الصاعق فأذهلها عن أفلاذ أكبادها وقد جفت الحلوق وتاهت العبرات وتجمدت الاحاسيس . والانسان - ولا يعرف ذلك الا المجرب - عندما تتجاوز المصيبة المدمرة حدها ، ويكون البلاء

فوق ما كان تتحمله قدرة البشر ، يجد نفسه أو يجده غيره ممن لم يكتنه حقائق المواقف في حال من السكون وعلامات الثبات على أنه جلد وصبر مع أنه فى الحقيقة أثر من الذهول يعترى من تجاوز البلاء فيه حد قدرة احتمال الذات البشرية . فمن أين للانسان مهما كانت رابطة جأشه ، الاحتفاظ بحضور من تباع وأحاسبه فى بلده حصدتها مدافع الطائرات الرشاشات جوا ومدافع الدبابات وقنابل الابدى أرضا ، ثم استباحتها ايد مجنونة تصنع الدمار والموت وتسحق الحياة . في ساعة واحدة تمت فيها مجزرة بشعة وحشيه ذهب ضحيتها نساء ورجال من الدستوريين المناضلين الشرفاء وأطفال انتزعوا من احصان امهاتهم وضرب بهم - للتشفى - عرض الحائط كما لو كانوا ضفادع فى ايد حمقاء عابثة مجنونة

ثم بعد هذا كله تختم المسرحية الاثيمة بكنس البلدة من رجالها وشبابها تلامذتها كنسا وتبيت البلدة بلا رجال وكل ذنب هؤلاء ، انهم دساترة شاركوا في مظاهرة 24 جانفى وقالوا : ربنا الله وزعيمنا حبيبنا والخضراء تونس للتونسيين

وحين تسلل الطوار الى البلدة ليتصل بمن تبقى من أعضاء الشعبة وخلاياها ليبلغهم تعليمات الشعبية كان دكان ولد سيدنا تنوره بلارته وتطرح فضله من ونورها الباهت عبر بابه ، المفتوح أحد شقبه فجعلت منه أشبه ما يكون بلوحة رمادية ممدودة من عتبة الباب حتى جدار المقهى المظلم المهجور . و كان دخول الطوار من شارع الجامع الجديد وحين وصل الى تقاطع الطرق حيث دكان عبد القادر التفت شرقا متنورا ذلك الدكان فانعطف نحوه متنسما وسمع لغطا منه وقبل أن يقرب شعر بأن جماعة الدكان ، من خلال أصواتهم ، انهم هامون بالخروج فاندس فى تحويه كتاب المؤدب الطالب أحمد حيث يرقبهم ولا يحسون به ، وبدأ رواد الدكان وما كانوا الا الرجال الكبار يخرجون الواحد تلو الآخر فكانوا سبعة وثامنهم ولد سيدنا خرج وفي يسراه بلارته وفى يمناه مفتاح أغلق به دكانه والجماعة من حوله وقوف . ووصلت الى أذن الطوار كلمة ثامن النخبة :

- كلكم مسؤولون ، سمعتم ؛ ما بقاش ليكم هروب . بكلكم معاي . وبهمهمة واحدة وعبر سعال بعضهم وطحيره : - نعم نعم . وزاد بعضهم للتأكيد :

- السكوت يختلف الطحين واجب علينا جميعا العمل والبلاد ماهياش على قرنها والجمال بعد هذا كله تمشى على كبارها والا ولات البعابص روس ، تصبح على خير يا ولد سيدنا

وأعجب ثامنهم بما يسمع فقال بابتهاج وبأبأة : - صحيح صحيح هذا هو . لا تنسوا غدا هنا ، تصبحون على خير . والجميع بصوت واحد وكل فى وجهته

- نعم نعم تصبح على خير تصبح على خير بحول الله ان شاء الله ان شاء الله ان شاء الله .

ومر قرب التحويطة شخصان من لجنة الثمانية عرفهما من لهجتيهما قال احدهما وكان يتكلم وتوتة :

- أشنوه رايك ؟ فقال صاحبه كانما يظهر له فن حذاقته : - وانت شنوه ؟

- انا ؟ يا حتى النهاية البلاد موش على قرنها فنحن الرجال الكبار أصحاب الحل والعقد فيها وتأنى فى خطوته ليسير جنبا الى جنب مع صاحبه

إذن انا مثلك وإن كان المفروض أن أخرج عنكم ألا ترى أن صاحب الحملة ابى أن يطلق سراح ابنى رغم تأكيدى له ومعى ولد سيدنا لم يسر فى المظاهرة ولا عرف كيف هي

- يا سى صالح الواجب أن تكون معنا وأما ابنك فالمسألة بسيطة سنمشكيها غدا بحول الله فى البيرو ثم إن ابنك ليس وحده فالمصيدة هذا اليوم لم تترك أحدا أثرى قائد الحملة كان يطلق سراحنا لو اننا لم نضمن له تهدئة البلاد ؟ والله لو ترددنا لحظة لأطار رؤوسنا أو لرمانا مع الجميع في شكارة واحدة الصبر يا سى صالح وان شاء الله أكحد الباس

- إن شاء الله أكحد الباس كيما قلت . لطالما قلت لابني اخرج منا إلواه البقاء ارجع لتونس حتى بدون قراية والله يا سى حمادى قلبي ما ارتاح حين حدثني ابنى عن اضرابهم بالمدرسة ورجوعه لى يجر رجليه - لاهو ولدك وحده الوليدات كلهم جابوا المفتحات وجاؤوا

- أعرف لكن ولدي يا سي حمادى ما خرجش من الدار طول اليوم حتى جاء الجيش وأخرجه والله لو كان خرج مثل بقية أصحابه لهان على الامر

- ما تحطش هذا فى بالك ولد سيدنا غدوة يمشكيها والمهم تو ان لا نترك البلاد تلعب بها الاطفال .

- هي ما يلعب باها اكهو ، يا راجل لو ما كان لطف ربي شينا فى خبر كان

- صحيح هذا والحمد لله على كل حال ، المهم انفذنا انفسنا وسوف يكون ضماننا أساسيا أمام المراقب ودليلا على أن حمام الغزاز فيها عقلاء ورجال كبار .

- مزال غدوة ربي يكملو بخير . القايد يحب جمع السلاح - ربي يكملو كيما قلت بخير

وتوقف هذا الاخير بعد أن اصبح امام منزله ليقول لصاحبه صالح : تصبح عل خير . انحس رأسى منتفخ كيف يهلك أولاد الحرام .

- ما ابركها يا سى حمادى أولاد لحرام لا يوفق فيهم لا يتشاو ولا يخليو اشكون يتهنى ، تصبح على خير ، وما تنساش الموعد - أنا ؟ كيف أنسى ستحدثي امامك ، اصلى الصبح ومن الجامع اتوجه للبيرو .

- اذن لقاؤنا بالجامع ومنه الى ولد سيدنا نتقهوج عندو وربك يفرجها . - اتفقنا غدا ان شاء الله ان شاء الله

سمع الطوار هذا الحوار بين الحاج صالح وسى حمادى فاضطرب قلبه وتلاعبت جواحيه المقوسة فى وجهه الصغير وفي خفة حذرة انزلق كالغزال يجب أولا أن يتصل بأخوانه كما امره رئيس شعبته وقال فى نفسه إن فى الامر سرا يجب اعلام مؤسس الشعبة بكل ما سمعته لا بد فى الامر سر ؟ وراح الطوار بتسيلل من دار الى دار ، فمن وجده أخبره ومن لم يجده ترك الوصية لدى من وحد من أهاليه ولم ينس أن يمر بمنزله حيث مستقر العائلة كلها ليرى الأم الشيخة الحنون وقد قوس الدهر منها لظهر . وبيضت الايام منها ما كان اسود . وكان عناق الأم الشديد بالبدين النحيلتين ، وكانت

تمتمات وعبرات تعرب عما يجيش بالصدر بعد انعقاد اللسان . أما زوجته منية القارهة القوام الموحى هيكلها بما هى مستعدة لتحمل كل مهم فلم تحرك ساكنا ازاء هذا اللقاء ، تنظر بعينين جامدتين وأطاح الطوار بنظره على زوجته كانه يريد أن يحرك فيها السواكن فى الوقت الذى بدأ يقترب من الباب ، فقال لها :

اشنوه يا منية . - عجاجة أرجو أن تمر بسلام - عجاجة من الاستعمار والله يا منية لكن الصبر ثم كان خطر به خاطر فتراجع دون الباب موجها سؤاله الى امه :

- اخوتى يا أمى وابتسمت العجوز

- هم بخير ان شاء الله جاء العروسى الآن وكان مختفيا في بئر الدار مع اختك " نافانى " وزوجها - هي فكرة والله

أما عبد الرحمان ومحمد فانت تعرف أنهما يعملان بالغابة ومجيئهما غدا . ربي يسمعنا الخير يا بني . قالتها العجوز وخفضت رأسها لتفسح المجال لتساقط دموعها

- ونساء أخوتى أين هم الآن ؟ وتردد نظر الطوار بين امه وزوجته ينتظر الجواب

فأجابته الأم : - هم الكل فى دار العروسي

هذا احسن يا أمي قول لهم يباتوا مع بعضهم لتطيير الوحشة . وانت يا منية كوني معهم ، والله أعلم ماذا يبيت الليل . ووصى أخى العروسي أن يأخذ حذره ، الجو ماهوش صافى وخرجت منية عن سكوتها سائلة : - امالة أنت الليلة خارج الدار ؟ - أشنوه رايك ؛ ما يعودوش لنا زعما ؟

وشايعت العجوز رأى ابنها . - احسن يا بنى اللى تراه صالح أعمل ربى يسترك

وانكفأت العجوز متارجحة وتبعتها زوجة ابنها بينما الطوار خرج يطوى الشوارع الخالية طيا وهو عند كل منعطف يتحسس تحسس الذئب وينطلق انطلاق الغزال . وعند وادى " الشرشاره " الحامل تحسس مضايقه حتى انتهى الى وصلة من جناح بئر وعارضة موضوعتين على احدى مضايقه ، معبرا فتسنمهما مجتازا وهو يهمهم مبتسما وصلوا والا من عمل هذه القنطرة وخسر صاحب البئر الجناح والعارضة على كل لم يحن بعد وقت السنى

وعلى مقربة من غابة سيدى نصر تكنن الطوار شجرة توت ملتصقا بأصلها وكانت على مرتقب دونه منحدر وبساتين ، موصولة الالتفاف وانطلق من فم الطوار صفير منغم كصفير الزريس ولم يلبث أن تلقاه جواب من صفير في الزاوية الشرقية من الغمد فتعين له الموضع فدلف

ولم يكد يقطع الطوار المسافة بين موقعه وغمد سيدى نصر حتى فاجأه رئيس الشعبة من مكمنه صارخا صرخته المكبوتة ارفع إيديك ، حصلت كيف الضبع ؟ شفت ؟

- ليه يا سى حسين تعمل هكا بالله لو ضربتك . - لا لا هدرا في فردك ؟ - آه حقه هو عندك لكن ... - لا ، لكن ولا ليت الحيطة يا طوار ومن أدراك أن الصفير صفيرنا ؟

- لكن - قلت لك لا لكن ولاهم يحزنون الحيطة . المهم نحن الان كما ترى نتمرن على حرب العصابات اشنوه رايك ؟ وضحك رئيس الشعبة

- حاجة هائله هى فذلكه ولكن عندها معناها . - هي فذلكه ولكنها جد يا طوار هيا أخي اتبعني

وسار الاثنان الواحد تلو الآخر حيث كان الجماعة واذا بهم هناك : محمد الحجام وشقيقه عمر ومحمد الدن والصادق حمودة وعبد الله عيسى وعبد القادر حسن ومصطفى القربى ومحمد الزواوى . وصار الطوار فرحا : - آه الحمد لله كلنا سلامات إذن والجمع كامل

ولكن رئيس الشعبة بحزن واكتئاب يقول - فين الجمع يا هادى ؟ - أه صحيح في عبد الله الحمام ؟ فين محيى الدين و ... ؟ البركة فيكم مشيرا الى محمد الحجام وشقيقه عمر بل البركة فينا جميعا لقد فقدنا اعز الاخوة الله يرحمهم

كان الجماعة منكسى الرؤوس حين كان الطوار يقول ما يقول وقد أخذ رئيس الشعبة مكانه بين الصادق حمودة ومحمد الدن وكأنه مل من طول ما تحدث به الطوار قال له منكرا : يكفينا من الخطب اللى مات الله يرحمه واللى عاش عليه بالجهاد ، هيا يا طوار اجلس ، مشيرا له أن يجلس قريبا منه ولكنه رفض قائلا :

ودخل محمد لحجام وفي نبرته حزن وغم - خل الطوار على عادته . الاستقرار بات مصيبة وقال سي حسين : - ديما كما انت يا طوار - وأضاف محمد الدن

- غير يحضر روحو تو . فسأله الطوار وهو يتنقل من جهة الى اخرى حول الجماعة : - ماذا تقصد يا دن - قصدى أن يكون الطوار هو الطوار أمس والليلة وغدا . - سترى بحول الله ، أنا الطوار والا لا وقطع رئيس الشعبة الحديث بقوله :

- طيب يا جماعة . الى الآن فقدنا من المجاهدين أربعة وتجاوبت الهمهمات : الله أكبر إنا لله وإنا اليه راجعون عاشت تونس وعاش بورفيبة

وعاد صوت سى حسين من جديد : - أبوك ، يا محمد الدن الله يرحمه ، قال للرئيس بعد أن سمع خطابه دارنا سنة 1937 :

" تحبشى يا سى الحبيب نبدأوها من تو وهو يعنى بذلك الجندرمة التى كانت تحاصر الاجتماع . فقال له وقتها المجاهد الاكبر : - مش توه لكن النهار هذاك جاى لكن مزال وقتو وها هو يا محمد جاء الوقت والمهم الآن هو الصبر

) يتبع (

اشترك في نشرتنا البريدية