" ان كفاح الامراض شرط أساسى للتقدم الاقتصادى والاجتماعي. فلا جدال فى ان تقدم أية جماعة يتوقف على مدى تخفيفها اعباء الامراض التي تبدد الموارد الانسانية ، وتلقى بالاغذية طعاماً سائغاً للبكتريا والطفيليات وتبعث على الخمول ، وتغل الامم والدول عن تنمية امكانياتهم " (*)
ويعني هذا الذى ذكرناه بصفة خاصة دول شرق البحر الأبيض ، التى يجتاز معظمها تطورات اجتماعية لم يسبق ان اجتاز مثلها خلال الألف سنة الماضية . ولكي تنجح هذه التطورات يجب ان تتم جنباً إلى جنب مع نظم صحية ملائمة رجاء قطع الحلقة المفرغة - حلقة المرض والفقر وضعف الانتاج وسوء التغذية - التى احاطت بهذه الشعوب عبر القرون . فقصة فلاح مصاب بالملاريا قصة الملايين من ضحايا الفقر فى سائر انحاء الدنيا .
فان هذا الفلاح اذا اصابته الحمى فى اثناء احرج اوقات الزرع والحصاد ، فلن يستطيع ان ينتج من الاغذية ما يكفيه أو يكسب من المال ما يكفى لشراء غذائه . وسوء التغذية - بدوره - يعرضه للعدوى وللمرض . ولن يضار هو وعائلته فحسب ، بل كل الجماعة التى يعيش فيها هى الأخرى تضار بفقدان نصيبه فى مجموع الانتاج .
وليس هذا الفلاح الا واحداً من ٣٠٠,٠٠٠,٠٠٠ مصاب بالملاريا موزعين فى
ارجاء الدنيا . والملاريا هى احد الامراض التى تستشرى فتصيب الاهالى بالجملة ، وتقعدهم عن العمل ، فتقف حجر عثرة فى سبيل تقدم بلادهم من الناحيتين الاجتماعية والاقتصادية . على ان المظنون ان السل - واصاباته هو ايضاً بالجملة - اوسع انتشاراً فى اقطار الدنيا من الملاريا ويفتك بالمناطق الصناعية فتكه بالجماعات الزراعية على حد سواء ، مودياً بحياة نسبة اكبر من ضحاياه . والزهرى هو ثالثة الاثافى ، متى تسلل الى بلاد نفشى واستشرى اذا كانت اداراتها الصحية متخلفة . ولا مندوحة من ادخال البلهارسيا أو التركوما والامراض المعدية المعوية وامراض التغذية فى جملة هذه الآفات . هذه مشاكل صحية وخيمة العواقب فى اقليم شرق البحر الابيض . فمن ملايين سكانه - وما اكثرهم - يتعرض ٢٠,٠٠٠,٠٠٠ - ٢٥,٠٠٠,٠٠٠ للاصابة بالملاريا ، تقدر الخسائر من ابتلائهم بهذا الداء بــ ٣٥,٠٠٠,٠٠٠ جنيه مصرى فى كل عام .
وفى الوسع تقدير هذه الخسائر على رغم ان أهم جزء فيها خفى لا سبيل الى تقديره - وهى تتكون من : خسارة العمل ، واجور الاطباء ، واثمان الادوية ، ونفقات الذهاب الى مراكز العلاج ، وارباح الاموال المستثمرة فى هذا الصدد ، ووقت العمل المبذول فى العناية بالمرضى من افراد الاسرة ، واخيرا تكاليف الجنازات وينبغى ان ندخل فى الحساب ما يترتب من خسائر على العجز المؤقت والجمود الجسمانى والخلقى الذى يعقب الاصابة بالمرض .
والمعنى المستفاد مما أسلفنا يتجلى فى ان ١٠٠ عامل ، يكدحون فى مزارع المطاط بالهند الصينية والملايو ينجزون فى العادة ما ينجزه ٢٥٠-٣٠٠ عامل يؤتى بهم من القرى الموبوءة بالملاريا .
يضاف الى ذلك : ان توظيف عشرة قروش مصرية عن كل شخص فى السنة الواحدة فى كفاح الملاريا يأتى بارباح مضاعفة تنعكس فى قيم الاراضى وزيادة
المنتج من المواد الغذائية . ثم ان طرقاً مماثلة تطبق فى الوقت الراهن فى لبنان وسوريا والعراق والمملكة العربية السعودية .
وبصرف النظر عن انخفاض تكاليف هذه التدابير الكفاحية ، فانها ضرورية للتقدم الاقتصادى والاجتماعى . وآية ذلك انه يتبين من دراسة أتمت حديثا : ان من الخمسة عشر مليون هكتار من اراضى اقليم شرق البحر الابيض الصالحة للزراعة ؛ لا ينتفع الا بستة ملايين هكتار ليس غير . ولا يمكن استغلال ثلاثة من التسعة ملايين هكتار الباقية الا بوساطة الرى الصناعى الذي يجلب معه خطر الملاريا قطعاً ، فالوقاية من هذه الامراض اذن ضرورة اساسية للتقدم الزراعى فى الاقليم .
والراجح ان عواقب السل تضاهى عواقب الملاريا سوء . فالوفيات نسبتها اعلى . وفوق ان هذا المرض يستشرى بين اصحاب الاعمار الغضة فى عنفوان سنيهم الانتاجية ، فاذا قدر للمسلول ان يفر من براثن الموت ، كتب عليه ان يعيش والداء فى جسمانه رابض ، ويظل عالة على عائلته ، وعلى الدولة . وعلى أساس التقديرات التى قامت بها مؤسسة روكفلر فى هذا الاقليم يمكن القول بان بلدا يبلغ عدد سكانه عشرين مليوناً يجوز ان يبلغ عدد المرضى بالسل فيه ٤٠٠,٠٠٠ ، تقدر الخسارة من اصاباتهم بـــ ٤,٥٠٠,٠٠٠ جنيه مصري ، موزعة على الخسارة من الدخل ومن العمل ومن تكاليف الخدمات الحكومية واعانات المعيشة التى تصرف لهم .
هذا رقم تقديرى ، لان المرضى بالسل فى هذا الاقليم لم يحص عددهم بالضبط قط ؛ لعدم كفاية اجراءات التسجيل والاحصاء الدقيقه . ومع ذلك فليس ثم من شك فى ان مجموع الخسائر يبلغ رقما لا يتصوره العقل الا انه سيهبط فى السنوات القليلة المقبلة الى درجة كبيرة اذا سارت مراكز التدريب والارشاد الى كفاح السل بالطرق الحديثة فى الباكستان وايران وسوريا ومصير والعراق على النهج المرسوم والخطه الموضوعة . ولا تدخر الهيئة الصحية العالمية وسعاً فى بذل المساعدات القيمة عن طريق تزويد هذه المراكز بالخبراء الدوليين والمهمات والمعدات اللازمة من احدث طراز .
والبلهارسيا مرض آخر يصيب ضحاياه بالجملة فى هذا الاقليم ، إذ تقدر الخسارة التى تلحق مصر وحدها منه بـــ ٨٠,٠٠٠,٠٠٠ جنيه مصرى على حسب تقدير المرحوم الدكتور محمد خليل عبد الخالق كما يقدر عدد المصابين به بـــ ١٠,٠٠٠,٠٠٠ مريض ينقص انتاج المملكة من جراء اعتلالهم بنسبة ٣٣ %
اما سوء أثره من الناحية البدنية فيتجلى فى الحقيقة الواضحة وهي ان ٢٢% من المجندين للخدمة العسكرية من اهالى الوجه البحرى حيث البلهارسيا منتشرة يرفضون لعدم صلاحيتهم لهذه الخدمة بينما لا يرفض من اهالى الوجه القبلى الا ٣% من المجندين . وجدير بالذكر ان هؤلاء المجندين لا يصلحون للجيش فحسب ولكنهم ايضا للزراعة التى تعتمد عليها مصر فى السلم والحرب .
هذا وأمراض العيون متفشية الى الدرجة القصوى فى كثير من بلاد شرق البحر الأبيض ، ومن المستحيل تقدير عدد العميان تقديراً صحيحاً ، - ايضا - الى نقص الاجراءات التى تحتم التسجيل والاحصاء . على ان مصر قد نجحت فى هذا الصدد نجاحا منقطع النظير ، والواقع ان نسبة العميان فى مصر تزداد هبوطا منذ سنة ١٩٢٧ فقد هبطت من ١,٣ % الى ٣٧ ر % فى سنة ١٩٤٧ - أى فى مدى عشرين عاماً بلغ النقص فى عدد العميان ٩٣ ر%
وهناك من الادلة ما يؤكد ان انتشار العمى على أشده فى ليبيا وايران وغيرهما من بلاد الاقليم ، كما دلت الابحاث فى وضوح على ان ٨٠ % من هذا العمى يرجع الى عدوى ينكب بها الاطفال فى نعومة اظفارهم ، وفى الوسع الوقاية منها أو شفاؤها فى المراحل المبكرة للمرض .
وأثر العمى من الوجهة الاقتصادية واضح وضوح ما يسببه من كرب وسقام يلحقان العقل والبدن . ومن الادلة على ان الوقاية غنم وعمل يعود بالربح الجزيل ، ان العمى كثيراً ما يمكن اتقاؤه ودفع اذاه بثمن بخس وتكاليف رخيصة .
والأمراض المعدية المعوية - وهي مسؤولة إلى حد ما عن ارتفاع وفيات الاطفال فى
اقليم شرق البحر الأبيض - اكثر استعصاء على الكفاح بتكاليف رخيصة من بعض الامراض التى تصيب ضحاياها بالجملة . لان القضاء عليها فى نطاق واسع يقتضى انفاق رؤوس اموال جليلة ، تصرف فى توفير المياه الصالحه للشرب وتيسير التخليص من المواد البرازية ، وغير ذلك من التدابير الخاصة بصحة البيئة .
على ان البلاد التى يجب عليها ان تزيد فى انتاجها الزراعي لا شك تتفاقم خسائرها الاقتصادية نتيجة الخسارة فى ارواح مواليدها الذين تبلغ نسبة الوفيات بينهم من ١٥٠-٢٠٠ فى الألف من المواليد ، إذ الاطفال هم رأس مال غير منكور للفلاح ، وليسوا فى اعتباره مجرد افواه يجب اطعامها .
وصحيح ان جانبا من وفيات الاطفال لا مفر منه ، لكن شطرها الأكبر ليس كذلك . وكثيراً ما يكون تلقين اصول التغذية الحقة والرعاية الصحية هو كل المطلوب . كذلك يعين على تخفيض وفيات الاطفال كفاح الامراض المعدية التى تصيب الاهلين بالجملة مثل الملاريا والسل وغيرهما .
ان البلاد التى تجعل التقدم دأبها وديدنها تولى نسبة الوفيات بين الاطفال أوفى رعاية . ومن المسلم به ان النساء والاطفال اكثر طبقات المجتمع عرضة للمعاطب . فاذا ساءت الاحوال الصحية ارتفعت نسبة الوفيات بين الاطفال . فان تحسنت هذا هبطت تلك على تلك سواء . وعلى ذلك فالبلاد التى ارتفع مستوى المعيشة بين أهلها ، تنخفض بينهم نسبة الوفيات . بل ابلغ من ذلك دلالة : ان البلاد التى انخفضت فيها نسبة وفيات الاطفال مثل هولندا والولايات المتحدة الامريكية ما تزال - رغم ذلك - تلك النسبة مرتفعة فى أسرها التى سائت احوالها الاقتصادية . وها هى محاولات جدية تبذل لاستئصال الامراض التى تصيب الناس بالجملة : فالملاريا يحاول القضاء عليها برش مسحوق ال د. د. ت ، وامراض اللولبيات مثل الزهرى والبجل بعلاج البنسلين ، والأمراض المعدية المعوية بتحسين صحة البيئة ، الخ ... وقد جعلت فى رأس قائمة الاولية مراكز التدريب والارشاد الى كفاح السل والى العناية
بصحه الامهات والاطفال . اما التطعيم - بالى سى جى - ضد السل فيسير على قدم وساق فى معظم دول الاقليم .
وتضع الهيئة الصحية الطب الوقائى فوق الطب العلاجى وتؤثره عليه ، وان يكن العلاج غير منكور الجدوى فهو بلا ريب وسيلة هامه من وسائل كبح جماح الامراض والحد من انتشار عدواها ، فان تركيز الجهود فى الطب الوقائي يساعد على تخفيض نفقات الطب العلاجى الى درجه كبيرة ، وتلك نقطه هامه يجب ان تقدرها وتعمل على مقتضاها دول هذا الاقليم ذوات الميزانيات العجاف . وبالطبع ان كل دولة تواجهها حالة تختلف عن حاله سواها ، لكن بعض المناطق المتقدمه من الناحية الاقتصادية قد قدرت نفقات الادارات المعنيه بالصحة الوقائية بخمسه فى المائة من الدخل القومى ، بينما تكلف الطب العلاجى فى القليل عشرة امثال هذا المقدار . وفى ضوء هذا ، من السهل ان يدرك كل انسان فى يقين : ان العمل على المستوى الصحي هو فى الوقت ذاته عمل اقتصادى سليم .

