( البيئة الصحية هي السبيل الى التمتع بالحياة ، انها نوع العيش الذى يتجلى فى المنزل النظيف والمزرعة النظيفة ومحل العمل النظيف والمهنة النظيفة . ولما كانت وسيلة للتمتع بالحياة وجب ان تصدر من اعماق الناس ، انها تتغذى بالمعرفة وتنمو كفرض وكمثال عال فى العلاقات الانسانية . )
لن تجد اصدق من هذه الحكمة المنشورة فى صدر هذا الكلام منهاجا يصلح ان يكون مرشدا للحياة الهنية ، ولن تجد شيئا انفس من حاجتنا الى ان نعرف حق المعرفة ما الذي يحقق هذا المثل العالي .
وهذا الذي يراد معرفته ليس مجرد معلومات سطحية . اننا لا نحصل على هذه المعرفة الا اذا فهمنا حق الفهم ما يتاح من معلومات ويوافق هوى فى نفوسنا ثم نعمل على مقتضاه . ولا يمكن ان نطمع فى النجاح الا اذا اقتنعنا اقتناعا تاما بصحة وفائدة ما قد نراه أو نسمعه وجعله جزءا من طريقتنا فى الحياة . والنجاح فى هذه الحالة يعنى الانتفاع تلقائيا بهذا الذي تعلمناه .
اتيحت لنا اثناء قيامنا باعمال مهنتنا تجربة انطبعت فى نفوسنا وجاءت شاهدا على ذلك الشئ الغامض الذي يفيض من اعماق النفوس ، وقد تجلى من هذه التجربة مبلغ ما يفيده الجمهور من الثقافة الصحية وكيف يبقى أثرها و يدوم اذا اتبعت الطرق الحقة فى اثارة الاهتمام وبالتالي اثارة الرغبة فى المعرفة .
حدث ذلك فى سنة ١٩٤٩ . ففي هذه السنة قررنا إختيار ( دودة الانكلستوما وصحة البيئة ) كموضوع لفيلمنا التعليمي التالي ، وقد نشدنا توخي الواقع في هذا الفيلم ، وعليه قصدنا لجهة مأهولة بالاحياء لنحصل على ذلك المظهر المهلهل والفقر واكتظاظ السكان مما يوجد فى جميع انحاء الدنيا حيث يعيش الناس .
وقد ظفرنا بعد البحث بين مساكن اهل الريف باختيار عائلة مثالية محرومة ، وجدنا فيها كل ما نتطلع اليه فى كفاحنا لاستئصال مثل هذه الادران ، وكان الكوخ بائسا منغمسا فى الأقذاز ، ولا سبيل الى وصف عادات الأسرة فى تصريف مواردها البرازية وقمامتها . وكان الحزن واليأس يخيمان عليها ، اما الاطفال فكانوا وسخين قد بهتت وجوههم وتدل بطونهم المنتفخة على سوء حالتهم ، ولم يكن هناك على ما يظهر أي استجابة للمنبهات والمثيرات ، لانه لم يكن هناك أمل ، وكانت هذه الاسرة فى بؤسسها وجهلها واهمالها صورة صادقة لآلاف مثلها وهي بالضبط الاسرة التي ننشدها لنظهر كيف ان عادات الناس فى معيشتهم تعرضهم - اكثر مما تعرضهم الامراض - للمصائب والموت المبكر .
ثم بدأنا عملنا . وفي مرحلة من مراحل الفلم اخذنا صور مواقف اعدت من قبل داخل هذا الكوخ الذي تسكنه وجعلنا اعضاء الاسرة كواكب هذا الفيلم بعد ان علمناهم كيف يمثلون ادوارهم تمثيلا طبعيا دون مكياج ، ولا حاجة للقول باننا بخلاف هذا العمل اضطررنا الى شرح مئات من التفاصيل كي نحصل على التمثيل الصادق . وعلى الرغم من ان هدفنا كان وما زال اخراج فيلم تعلييمي يمكن ان يستخدم فى تعليم آلاف من العائلات ، فقد بدأنا على الرغم منا في الالتفات الي عامل جديد فاجأنا ذلك ان الأسرة قد بدأت تتحول عن سابق جمودها التام وتزايد اهتمامها بعملنا ، حتى لقد لاحظوا كل شئ قمنا به واستفسروا عنه . وما انتهى عملنا بعد مضي اسبوعين ، الا وقد اصبح كل فرد في الاسرة جزءا من العمل وانسجم في الجملة .
ولكن خلال هذه المدة كنا قد غيرنا ايضا . بيئتهم ، فقد نظفنا الكوخ واقمنا
مرحاضا وغلينا الماء الذي يشربونه وجعلناه آمنا ويسرنا لهم وسائل الاستحمام وغسل الملابس ، وزودناهم بشبكة تحمي المواليد من الذباب والبعوض . واخيرا أخذناهم جميعا الى المركز الصحي لاختبارهم وفحصهم وعلاجهم
وبعد اسابيع قليلة عندما هيئت نسخ الفيلم للتوزيع عن لنا ان نعرضه على كواكبنا هؤلاء من أفراد الاسرة . ولشد ما كانت دهشتنا عندما وجدنا لدى عودتنا الى كوخهم أن التغييرات التي أحدثناها من أجل الفيلم ليس غير ، قد ادمجتها الاسرة فى عاداتها وتقاليدها . ولم يعودوا اولئك الممثلين الذين لعبوا ادوارا غريبة ولكنهم صاروا مخلوقات انسانية مجري فيها الدم قانيا ، ينهجون في الحياة نهجا جديدا يختلف عن سالف نهجهم - هو نهج الكرامة والوداعة والسعادة والصحة .
وبعد ان انتهينا من عرض الفيلم راج كبير العائلة يشرح لنا ما حدث فى اعماق نفسه قائلا : " لقد كنا عميا طوال هذه السنوات عندما لم نبصر باعيننا ، أما من الآن فصاعدا فسوف نحي حياة أخرى "
لقد كان كل ذلك مثيرا ، افدنا منه تجربة علمتنا شيئا له قيمة . وحتى القرية الصغيرة قد اهتزت كلها لهذا الحادث . . لقد بدأت المعرفة فى اروع صورها تتسرب الى عقول جميع سكان القزية كما لو كانت عصا ساحر قد مست كل شئ فيها . وما كان في استطاعة أي فيلم أو كتاب أو كتيب ، بل ولا في استطاعة اي برنامج دراسي ان يظفر بمثل هذه النتيجة فى هذا الوقت القليل ، كما ظفر عملنا هذا فى اخراج الفيلم بمعونة اهل الكوخ فى تلك القرية البائسة .
إن تجربتنا تشبه بلا ريب الكثير من التجارب المماثلة غير المعزوفة أو اجنبية الجنسية التي اتيحت . . وهكذا اصبح التعليم مستطاعا بوساطة العرض واغطاء المثل . والى هذه المصادفات الطارئة التى لا اسم لها ، والى الانتصارات الشخصية التي احرزت بشق الانفس يعزي تقدم الانسانية المستمر فى يومنا هذا ، كما كان فى الماضي وكما سيكون فى المستقبل .
ببطء ، ولكن بقدم ثابتة عن طريق التعليم الحق ، تسير الانسانية متجهة نحو مستوى أعلى من الحياة الفردية والجماعية محرزة ما يمكن بحق اعتباره مثلا عاليا في العلاقات الإنسانية .
