الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3 الرجوع إلى "المنهل"

صفحاتنا الطبية, المرافق الصحية العامة، تعطيك الصحة بثمن بخس

Share

" كيف حال صحتك .. ان الصحة هى اثمن ما يملكه المرء " تدل عبارات كثيرة اخرى تتردد صباح مساء بجميع اللغات على ان الانسان فى كل مكان قد جعل صحته على الدوام من الامور التى هى شغله الشاغل . ونحن اليوم نعلم ان هذه القضية النفسية لا تتوقف على الفرد فحسب ، ولكنها تتوقف كذلك على الوسط الذى يعيش فيه .

قد يوجد الانسان فى بيئة غير صحية دون ان يفطن الى انعدام الوسائل الصحية فيها لكنه لا يعيش حياة كاملة ، وانما هو يوجد فقط ، حينما يجب ان تمتد حياته فى غبطة يوما بعد يوم .

ونسبة الوفيات هى الاخرى اعلى فى مثل هذا الوسط . ولكى ندرك ذلك ، يكفى ان نلقى نظرة عابرة على ارقام تتعلق بالحمى التيفودية . ومن المؤكد ان التيفودية ليست هى بالمرض الوحيد المتسبب عن الاحوال غير الصحية . ولكنها تبين اكثر من غيرها وجوه النقص فى صحة البيئة ، وكل نقص فى مدى

انتشار التيفودية يصحبه نقص فى نسبة الوفيات العامة ، ولهذا دلالته الهامة من حيث ان المصابين هم فى عنفوان الحياة ومن فئات العمر الفتية

وهكذا دل بحث اجرى فى احدى المدن سنة ١٩٤٤ على ان هناك ثلاثة اسباب رئيسية واخرى ثانوية لتوطن التيفودية الشائعة اذ ذاك وخاصة فى حواشي المدينة ، وهى : شرب الماء الملوث ( ٧٠ %  من الاسباب ) - شدة ازدحام العائلات فى مساكن صغيرة ( ٥ ر ٤٤ %  من الاسباب ) - عدم وجود المجارى العامة ( ٥ ر ٣٩ %  ) ينضاف الى ذلك ، ان بؤر التيفودية العنيدة شديدة المقاومة بصفة خاصة وجدت كلها فى الاحياء الخالية من المجارير ، والتي كانت تجمع الجرادل المتخذة للتبرز والتبول كل يوم من المنازل

وقد جاء فى احدى وثائق ( ١ ) الهيئة الصحية العالمية منذ مدة مضت ان عدد اصابات التيفود سنويا فى اوروبا ( باستثناء روسيا السوفيتية ) بلغ ٢٥٠.٠٠٠ حالة ، توفى منها ٢٥.٠٠٠ ، وذهب سدى بسببها ٥.٠٠٠.٠٠٠ يوم من ايام العمل فكيف يمكن اصلاح هذه الحالة ؟ .

اولا وقبل كل شئ ، بتزويد المدن بمورد غزير من المياه النقية . والبلاد التي بلغت الموارد العامة للمياه النقية فيها شأوا بعيدا ووضعت تحت الرقابة المحكمة ، هي التى انخفضت فيها الاصابات بالتيفودية وانخفضت وفياتها الى اقصى حد ، وحتى فى عمليات المياه جيدة التنظيم قد يؤدى اقل خلل فى تشغيلها الى كارثة ، ففي كريدين الواقعة فى حواشى لندن ادى اهمال عامل واحد فى معالجة المياه بالكلورين فترة من الزمن الى عدم تطهيرها من جراثيم التيفود ، فنجم عن ذلك تفشي وباء الحمى التيفودية . هذا من جهة ، ومن الناحية الاخرى ، فانه عندما يتحسن نوع المياه تهبط نسبة الوفيات العامة اتوماتيكيا ، ففي مرسيليا حدثت ٦٣٩ اصابة بالتيفودية فى سنة ١٩٤٣ مات منها ١٢٧ ترجع وفاة ٦٠ % . منهم الى مياه الشرب . فلما عولجت

المياه بالكلورين فى سنة ١٩٤٣ هبطت اصابات التيفوود الى ٢٨٠ حالة يرجع السبب فى ٢١ % منها الى الماء ، وبعبارة اخرى ، ان مشروع مورد المياه النقية قد انقذ ٣٠٠ شخص من التيفودية خلال هذا العام

يقى مورد مياه الشرب المأمون سائر السكان من اخطار اخرى غير التيفودية . وما علينا فى هذا المقام الا ان نتذكر وباء الكوليرا الذي تفشى فى اخريات القرن التاسع عشر ، والذي كبح جماحه فى انتونا بالمرشحات ، بينما هامبورج المواجهة لها قد اجتاحتها الكوليرا لعدم وجود مثل هذه المرشحات . كما نتذكر ال ٣٠٠٠حالة دوسنطاريا التى حدثت فى دلاس ( بالولايات المتحده الامريكية ) متسببة عن ماء مأخوذ من بئر ارتوازية لم تعالج بالكلورين وكذلك الفلوروسين المتوطن فى مدراس الذي اضر باسنان الاطفال ثم يبس عمودهم الفقرى وضلوعهم فيما بين الثلاثين والاربعين من اعمارهم دون ان يقتلهم تاركا اياهم فى حالة يرثى لها

وعلى ذلك فكفاح هذه الامراض يجب ان يتم عن طريقة توزيع المياه النقية . لكن ذلك ليس كل شئ ، فهذه المياه النقية ، تعود مرة اخرى ملوثة ، تحدث اخطارا لا حصر لها . وهذه المياه السائلة المليئة بالميكروبات الخطرة ، يجب جمعها فى أسرع وقت مستطاع ، ثم بعد معالجتها حق العلاج ، تتخذ التدابير لتصريفها فى مكان بعيد .

انه بقطع النظر عن الاصرار على تصريف مياه الامطار وحفظ مستوى البحيرات والبرك وغيرها من المياه المتجمعة وتصريف مياه المستنقعات ، التى تنقى التربة وتخفض الملاريا ، يمكن القول بان تصريف المياه " العامة " اذا نفذ على الوجه الصائب ، يقى السكان من اخطار شديدة ، مثل الكوليرا والتيفود والتهابات المعدة والامعاء والدوسنطاريا والاسهال والتينانوس والديدان وامراض اللولبيات الخ . بل وكذلك شلل الاطفال الذي نسب الى المياه العادمة فى وباء سنة ١٩٣٩ فى شارلستون ( بالولايات المتحدة ) .

اخيرا هناك الفضلات الجافة ، وانه وان يكن لدينا احصاءات عن هذا الموضوع فمن المؤكد ان هذه المواد العادمة التى تتخمر بسرعة فتنطلق منها روائح كريهة ، خطرة ، وانها تجتذب الذباب والحشرات والقوارض - ناقلات اخبث اولاوبئة التى تنكب الانسانية بما فيها الطاعون .

ويجب جمع هذه الفضلات بطريقة صحية وسريعة قدر الامكان ، ثم تعدم بالحرق أو باية طريقة حديثة .

هل هناك من حاجة الى الاصرار ؟ ، ان المنزل والقرية والمدينة والنهر والبيئة هذه كلها يجب ان تجعل صحية ، وبذلك تصير الحياة اليومية ايسر واسهل ، وتتيسير النظافة ويطيب العيش ، وتتحسن الروح المعنوية للجماهير لأنهم يتحررون من اعتبار " القدرية " التى توحى الى الناس ان يستنيموا الى البؤس ويقبلوه راضين على انه محتوم لا مفر منه . وسيكون من حظ الجماهير التمتع بفرحة الحياة ومرحها .

قد يقال ان كل هذا سيكون باهظ النفقات . . كلا . . ففي باريس تنفق الاسرة ذات الطفلين ٢.١ %  من ميزانيتها فى التبغ و ٨ ر ١ %  فى المواصلات و ١,٦ %  فى التسلية و ٩ ر % فى الاضاءة و ٩ ر %  الغاز و ٢.٢ % فى العناية الطبية والعناية بالاسنان وشراء العقاقير وما اليها . هذا من جهة ، ومن الناحية الاخرى فان الماء الذى تشربه مثل هذه الاسرة يتكلف ٥ ر % فقط وتتكلف الشؤون الصحية ٢ ر % والتخلص من الفضلات وكنس الشوارع ٤ ر % أليست الوقاية خيرا من العلاج ؟ وفى المدن الكبرى بالاقاليم لا يتكلف مورد المياه الا ١ % . فى المتوسط من الميزانية وه ر ١ %  فى الجماعات الصغيرة التى يبلغ عدد سكانها ٢٠٠٠٠ نسمة .

هذا وتكاليف التخلص من الفضلات الجافة والسائلة اقل من ذلك ، علاوة على ان هذه المواد " العادمة " - او الفضلات - تحتوى على خصائص يعرف العلم الحديث كيف يستردها فى صورة مخصبات او غاز للوقود .

ولنمض فى هذا الموضوع الى النهاية ضاربين على الوتيرة المالية - لنفرض ان ١٥٠ لترا من الماء توزع كل يوم ولكل ساكن فى المدينة بسعر مرتفع قدره ١٠٠ فرنك لكل متر مكعب . ففي هذه الحالة تنفق الاسرة العاملة المذكورة آنفا ٣.٥ % من ميزانيتها للحصول على هذه السلفة المترفة ، وبعبارة اخرى انها تنفق على الماء مثل الذى تنفقه على التبغ

فهل المسألة هي توفير خدمات ووسائل جديدة ام هي توسيع نطاق الموجود منها . ؟ ! فاذا ضربنا المثل بتوفير مورد عادي للمياه نجد ان معدل ما يصرف عليه سنويا سيكلف الفرد ٥٠٠ فرنك بينما يتكلف شراء صحيفة يوميا ٤٥٠٠ فرنك فى العام .

واذا وزعت نفقات مؤسسة صحية مناسبة على عدد من السكان ، حتى ولو كان دخلهم محدودا جدا فستكون اقل بكثير من تكاليف اشياء اخر ذات تأثير اقل على الصحة ، وهى انفس ما نملكه .

ومع ذلك تتردد جماعات كثيرة فى القيام بهذا المجهود . لقد حان الوقت الذى ينبغي فيه ان نواجه هذه الحالة وان نكافح مشاكل الحياة الحقيقية حق الكفاح . ان توفير الماء النقي والتخلص الصحى من هذه الفضلات لمن الزم الخدمات فى الحضارة الحديثة ، ولكل مواطن الحق ، وعليه واجب ان يطالب بتوفير هذه الخدمات لرفع مستواه الصحى ولرفاهية الانسانية جمعاء .

الناس !

رأيت الناس خداعا                                الى جانب خداع

يعيثون مع الذئب                              ويبكون مع الراعي

اشترك في نشرتنا البريدية