الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3الرجوع إلى "المنهل"

صفحاتنا الطبية, تحكمت الحشرات فى مصير الامم

Share

« فيما مضى زحفت جحافل الحشرات ، اندحرت جيوش الانسان واندثرت امبراطوريات . . ودمرت حضارات . . أما الآن ، فان الانسان بفضل ما اكتشفه حديثا من قوى تعينه على اهلاك تلك الاعداء ، يستطيع الشروع - وملؤه الثقة - فى هجومه النهائى على مملكة الحشرات »

ليس للتاريخ - بطبيعة الحال ، تفسير سهل المتناول ، ومع ذلك فكل منا حريص على تفسير التاريخ من وجهة نظره وعلى حسب ميوله وما عنده من المعرفة .

فكتاب السير يرون التاريخ من خلال شخصيات ابطاله ، والاقتصادى يركز اهتمامه فى نظم الصناعة والتجارة المتطورة ، والجغرافى يعنيه تأثير الانهار والجبال والمناخ . .

كذلك دارس الطب يرى فى كل مكان قوى المرض قد تحكمت فى مصير الانسانية احيانا بطريقة خفية واحيانا بعواصف من الاوبئة .

ولقد تحالفت الحروب والامراض واستمر تحالفها الوثيق دهرا دهيرا

وفى العصر الحاضر - فقط - زادت ضحايا الحروب على ضحايا المرض .

وفى وسع المرء أن يزعم أن المرض وليس الأغارقة ، هو الذى هزم جحافل زركسيس وجبوشه التى لا تحصى ، وكيف يمكن اغفال الملاريا عند تسجيل ما تعاقب على روما من حروب وخطوب واحداث وكيف يكتب تاريخ أوروبا فى العصور الوسطى فى غير أن يدخل المرض فى الحساب

مهد الجدرى الطريق للقائد كورتز فى المكسيك ، وتحالفت امراض أوروبا فى كل مكان مع الاوروبيين فى غزو الدنيا الجديدة ، ثم انعكست الآية عندما وضعت الحمى الصفراء حدا فاصلا لمغامرات نابليون فى امريكا .

اننا عندما نشرع فى تحليل هذا الضرب من الامراض سرعان ما نقف وجها لوجه أمام الحشرات .

تضافرت الميكروبات والحشرات فى العصور الجيولوجية الموغلة فى القدم بنجاح عظيم - من وجهة نظرها .

ان حياة التطفل التى يعيشها الميكروب سهلة هينة ، فالمضيف يقوم

بالعمل كله ويجنى الميكروب ثمرات جهوده ، لكن اعتماد الميكروب على مضيفه اعتمادا كليا يكبده ثمنا باهظا يدفعه من حريته المفقودة واستقلاله المسلوب ، اذ يستعصى عليه مغادرته الى مضيف سواه ، هذه الطفيليات الحبيسة العاجزة عن الانتقال من مضيف الى مضيف غيره من الحيوانات الفقارية قد تطوعت بنقلها من هذا المضيف إلى تلك الحشرات المصاصة للدماء والتى تتمتع بحرية الحرية .

ان طائفة من أهم امراض الانسان تنطوى على هذه العلاقة الواشجة بين بين الميكروبات والطفيليات ، مثال ذلك : الملاريا والحمى الصفراء والطاعون والتيفود ومرض النوم وامراض أخرى أقل منها شهرة ، وربما كانت الامراض التى تنقلها الحشرات هى امراض الانسان الاصلية التى كابدها من سحيق العصور .

وتعليل ذلك يعتمد على الاستنتاج ذلك ان الامراض المعدية التى تنتقل بالمخالطة ( التى تنتقل من انسان الى انسان بطريق مباشر ) لا تنتشر الا بين سكان اكتظوا وكثر عددهم . . وتلك حالة كان من العسير وجودها الا بعد أن شرع الانسان يمارس الزراعة بل حتى فى عصرنا هذا يتعذر وجود الامراض التى تنتقل بالمخالطة بين البدائيين الذين يجمعون أقواتهم من هناك وها هنا ويعيشون فى قبائل

مبعثرة ، اللهم الا فى صورة أوبئة مدمرة تعصف بهم عرضا فى بعض الاحايين ويمكن التدليل على انها تسببت عن عدوى حدثت من مخالطة الغرباء .

ان تاريخ الامراض غامض لعدم القدرة على تشخيصها تشخيصا دقيقا من البيانات الناقصة التى خلفها لنا السلف . لكن لا خفاء فى أن معظم الامراض التى تنتقل بالمخالطة لها تاريخ طويل فى جهات الدنيا المكتظة بمن استوطنها من السكان ، وكثيرا ما يمكننا أن نرى كيف انتشرت بمخالطة الاوروبيين لسكان امريكا والباسيفيك وافريقيا .

ان الاختصاصيين فى الانثروبوليجا ( علم وصف الانسان - التاريخ الطبعى للاجناس البشرية - ) قد اخذ يتزايد اعتقادهم فى أن الكثير من التطور الانسانى قد حدث فى الاقطار الاستوائية من افريقيا ، فمن هناك انتشرت الاوالى من بنى الانسان مهاجرة إلى الاقطار المجاورة من الدنيا القديمة .

ويغلب الظن - ايضا - ان الكثير من الامراض التى تنقلها الحشرات ، افريقية المنبت والنشأة ، وقد ظل مرض النوم افريقيا بحتا . والحمى الصفراء والملاريا مهيئتان بصفة خاصة للاحوال السائدة فى افريقيا . وهناك ما يبعث على القول بأنهما نشأتا هناك

أما الامراض التى تنتقل بطريق غير مباشر - بالحشرات أو بمضيف غيرها - فلا تحتاج فى انتشارها

وبقائها الى مثل ما تحتاج اليه الامراض التى تنتقل بالمخالطة نتيجة الاكتظاظ لكنها اقل من الاخرى يسرا فى الانتقال لانها لا تعتمد فى انتقالها على الانسان وحده ، بل تعتمد على الحشرات ايضا ولن توجد الملاريا حيث لا يوجد بعوض الانوفيل ، ولا الحمى الصفراء حيث لا يوجد بعوض آخر معين ، ولا مرض النوم حيث لا يوجد ذباب تسى تسى ولا التيفوس حيث لا يوجد القمل ، وهلم جرا .

ومما يؤسف له أن هذه الحشرات ماعدا ذباب تسى تسى واسعة الانتشار فى الاقطار الاستوائية وشبه الاستوائية ، فلم يفارقنا القمل وظل ملازما لابناء آدم فى قديم الزمان وحديثه ، فقد عثر عليه فى موميات الفراعنة ، وفى الموميات التى نبشت فى بيرو . ولم تسلم منه قبائل ما قبل التاريخ ، ولما كان انتقال القمل من انسان الى انسان يقتضى المخالطة عن قرب ، فان التيفوس وغيره من الامراض التى ينقلها القمل ، لا تصير أوبئة الا حيث يكتظ عدد كبير من الناس ويزحم بعضهم بعضا . . وهذا هو السبب فى أن مرض التيفوس وثيق الصلة بالجيوش والحروب .

يبلغ عدد انواع البعوض فى العالم أكثر من ألفين يختلف بعضها عن بعض وقد تبين من التجارب التى أجريت فى المعامل أن مائتين منها تستطيع نقل الملاريا ، ولكن اثنى عشر نوعا منها او نحو ذلك جد مألوفة وجد لصيقة بالانسان الى الدرجة التى تجعلها عنصرا هاما فى استمرار

المرض وعدم انقطاعه . على أن هذه الانواع القليلة واسعة الانتشار بحيث يسع الملاريا أن تكون موجودة فى معظم مناطق الدنيا الأكثر حرارة .

كذلك تكاد توجد ناقلات الحمى الصفراء من البعوض فى سائر المناطق الحارة من الدنيا ، ولكن المرض نفسه منحصر فى افريقيا وامريكا .

ولسبب ما ، لم تعرف الحمى الصفراء فى الشرق قط ، وقد يرجع ذلك الى انها لم تجلب اليه ، لكن كيف تأتى ذلك مع أن التجارة لم تنقطع بين شاطىء افريقيا الشرقى وبين موانىء الهند طوال قرون عديدة وقد يرجع ذلك الى سبب خفى مثل المناعة المكتسبة ضد فيروس الدنج القريب منه ، ومن ثم لم يستطع فيروس الحمى الصفراء البقاء فى الشرق .

من المحتمل جدا أن الاوروبيين جلبوا الملاريا والحمى الصفراء إلى أمريكا فقد كان فى اسبانيا وفى غيرها من البلاد الاوروبية انواع خفيفة - نسبيا - من الملاريا ، كما يمكن أن تكون الحمى الصفراء قد دخلت بهذه الوسيلة .

وقد كانت أنواع عديدة من البعوض الامريكى ناقلات للملاريا ، ووجدت الحمى الصفراء - ايضا - بعوضا متوطنا فى الغابات يستطيع نقلها ، كما وجدت فى القرود الامريكية مضيفين متوطنين .

وقد كان لهذين المرضين - على الارجح - دخل كبير فى تطور المناطق

الاستوائية الامريكية منذ أيام الفتح والاستعمار .

ولم يكن من الممكن قيام حضارات عظيمة مثل حضارة المايا فى الاراضى الامريكية المنخفضة مع وجود الملاريا التى تورث الوهن والعجز . ومن أجل ذلك شيدت معظم المدن التى انشئت بعد غزو امريكا فوق الهضاب الصحية المرتفعة . ان الحشرات ناقلات المرض استوائية قحة فى الاغلب الاعم حيث الاحوال اعظم ملاءمة لنمو الحشرات .

فى بعض الجهات وفى بعض الاوقات انتشرت الملاريا شمالا حتى بلغت المنطقة القطبية ، لكن يندر أن تجد فى خطوط العرض القطبية أحوالا تساعدها على نشر أوبئة مدمرة ، كما تفعل فى الاقطار الاستوائية .

ان الحمى الصفراء لا تستطيع البقاء والاستمرار فى أى مكان يظل فيه البعوض مدة طويلة مشولا عن الحركة بسبب البرد ، لانها يجب أن تنتقل باستمرار من مضيف الى مضيف

وليس التيفوس بالمرض المنحصر فى المناطق الاستوائية لانه ينتقل بالقمل ، والقمل موجود فى كل بقعة من بقاع الارض ، وكذلك الطاعون لانه ينتقل من الفئران الى الانسان ، ومن الانسان الى الانسان بالبراغيث وحدها ولا يعجز البراغيث أن تنمو وتتكاثر فى جميع الاجواء ، ولهذا تستطيع الدوام والاستمرار وافشاء الطواعين الساحقة الماحقة فى البلاد الشمالية .

لكن من الواضح - بصفة عامة وباستثناء التيفوس - أن هذه الامراض تنتمى بطبيعتها الى البلاد خفاء به اذا استعرضنا تاريخ الاقطار الحارة ، واثرها فى التاريخ جلى ، لا الاستوائية .

كانت امراض افريقيا الاستوائية سدا منيعا حماها مدة مديدة من استكشاف الاوروبيين لمجاهلها ومن استيطانها ، وعقدت هذه الامراض مع الاهالى نوعا من الهدنة عن طريق عداوى الطفولة والتعرض لآفاقها حقبا طويلة ، ولكن ربما كان ثمن هذه الهدنة ما أصاب سكانها التعساء عن وهن وخمول منع من قيام حضارة رفيعة يتطور اليها ذلك المجتمع .

وحينما قامت حضارات رفيعة فى البلاد الاستوائية الواطئة - حضارة المايا وحضارة سيلان وحضارة كمبوديا - كان ذلك فى غيبة الملاريا وعدم وجودها هناك ، ومن المحتمل جدا أن تكون حضارة سيلان الرفيعة قد تقوضت اركانها وطمست معالمها فى القرن الثالث عشر ، عقب توغل الملاريا فى ارجائها حينذاك ، وان يكن التفسير المعتاد يعزو انهيارها الى السياسية والحروب .

ولم يكتشف نقل الحشرات لهذه الامراض الا منذ وقت قليل فى حساب الابد - حوالى سنة ١٩٠٠ - ومن حينئذ تجلى فى كل مكان أن كفاح الامراض يتحقق بكفاح الحشرات

الناقلة لها . وقد قام الكولونيل جورجاس بتطبيق هذا الاكتشاف فى بناما على الفور فنجح الامريكان فى حفر قناة بناما حيث اخفق الفرنسيون الذين هزمهم المرض عزيمة منكرة .

ويتوالى اليوم اكتشاف طرق جديدة أرخص وانجح فى كفاح الحشرات ، وليس هناك - اليوم - من سبب فنى يجعل اية بلاد استوائية أسوأ صحيا من أية بلاد فى الدنيا .

قد تكون عواقب هذا مذهلة .

لقد قام الدليل اليوم على أن الامراض التى تنقلها الحشرات فى

المقدور كفاحها بطريقة اقتصادية ناجحة ، والآن يستطيع الانسان الاستوائى اذا ازيح عنه هذا الكابوس أن يأخذ مكانه فى الدنيا من الوجهتين الاقتصادية والفكرية .

اتاح اكتشاف الاضاءة والتدفئة قيام حضارات الشمال بالتغلب على قسوة المناخ وفادح تأثيره .

ولكن بكفاح الحشرات الناقلة للامراض يمكن تذليل العقبة البيئية الوحيدة البارزة التى تعترض التقدم فى الاقطار الاستوائية .

اشترك في نشرتنا البريدية