تأتي النظافة في الترتيب بعد التقوي ؛ المنزلة الاولى للتقوى وللصحة المنزلة الثانية . . تلك حقيقة لا يختلف فيها اثنان فى كل زمان ومكان . والتقوى والنظافة يصنعان العقل النقى فى الجسم النقى
والماء اعظم منظف في الدنيا وهو ميسر للجميع . والاستحمام او الاغتسال جيدا فى الماء يشعر حتى الطفل انه قد صار نظيفا منتعشا سعيدا . والاغتسال من الفروض التى توجبها بعض الديانات استعدادا للصلاة . وهى فى ايامنا هذه : سنة لا معدى عنها استعدادا لعمل اليوم وللتمتع فى الحياة بالصحة ، وعلى نقيض الفروض والسنن الاخرى تجد فيه النفوس متعة أى متعة .
هذا والماء الذى هو اعظم اداة لازالة الاقذار _ ضرورى للحياة . ولكنه لا يستطيع ان ينظف الا إذا كان هو نظيفا . والحاجة الى الماء من البدهيات التى لا جدال فيها . فلقد شيدت المدن على ضفاف الانهار التى كانت موارد للمياه النقية . وازدهرت الحضارات والثقافات فى وديان الانهار الكبرى مثل النيل والفرات والكنج واليانجتسى . ولقد كانت وما زالت وفرة المياه النقية ضرورية للحياة فى ظل الحضارة ؛ بل الحياة العابرة عسيرة فى المناطق التى ضنت عليها القدرة بالماء ؛ حيث تقل كثافة السكان ويعم الفقر ؛ فلا عجب اذا هجر الناس الصحارى وقد تزداد كثافة السكان حيثما توافرت المياه وكانت ردية غير نقبة ؛ الا ان الامراض تتفشى بينهم وتكثر الوفيات التى فى الامكان تلافيها . ولقد ظلت احواض الدلتا فى انهار اسيا دار مقام استقرت فيه الكوليرا من احل هذا السبب لانها غاصة بالسكان ولديهم مقادير فوق الكفاية من الماء القذر يلهيهم عن الماء النقى .
كان سكان الدنيا فى قديم الزمان اقل منهم اليوم عددًا ، وكانت الانهار اقل عرضة للتلوث منها الآن . فكان الذين يعيشون على ضفافها سعداء باعتقادهم . ان الماء الجارى ينقي نفسه بنفسه ولم يشغلوا بالهم بصفات المياه التى يشربونها ما دامت غير قذرة فى منظرها . واليوم نحن اعمق فهما للطرق الخفية التى يمكن ان تنتشرب بها الامراض عن طريق المياه ، وحق علينا ان نكون اكثر من آبائنا حذرا وحيطة ؛ فنحن ندرى ان الماء الرائق لا ينبغي ان يكون بالضرورة نقيا . اننا فى حاجة الى الماء المأمون العاقبة الذى لن يضر بصحتنا والذى هو سائغ للشاربين وانما يتلوث الماء ويصير غير نقى ولا مأمون ؛ من جهل بعضنا وعدم رعايتهم لحقوق مواطنيهم ، ففى المناطق الريفية يتغوطون او يتبولون على الجدران وفى البرك والآبار والترع والانهار ؛ او يستحمون ويغسلون الملابس القذرة فى هذه الموارد : وهناك جهلاء سواهم من اهل القرى على هذه الموارد يتزودون من مياهها الملوثة للشرب وغيره من الضروريات وبذلك تستحكم حلقة مفرغة من الاسهالات المعوية ، وتنتشر فى صور وبائية امراض كالتيفود والكوليرا والاسهال والدوسنطاريا ومثل هذا التلوث يحدث فى كثير من المدن ايضا ؛ وانه لمن واجب كل مواطن مسؤول ان يعلم الجهلاء - المجنى عليهم والجناة سواء بسواء - ويكفهم عن اتباع العادات التى تورث ما تنشره المياه من امراض ؛ ومن واجبه ايضا ان يصون الموارد مهما تكن شحيحة بالماء بحيث يصعب : بل يستحيل تلوثها ، وبذلك يمكن انقاذ ملايين من الارواح . ويمكن الانتفاع بالايام التى تقضى على فراش المرض فى زيادة ثروة الاسرة وثروة الامة .
فى بعض جهات الدنيا : تحتوى المياه الطبعية على معادن فى كميات تضر بالصحة ، ولنضرب المثل بالفلوريدات الذائبة فى المياه : فانها تؤدى الى ترقيش الاسنان أو غلظ العظام عند المفاصل . وليس من السهل استبعاد هذا العنصر الضار من مياه هذه المناطق .
والمتعلمون بوجه عام اسرع الى تقدير المزايا المستفادة من موارد المياه النقية . وأهل المدن والحواضر يستطيعون تدبير المال اللازم لمورد مياه مصون بقوة الرأى العام الذي يطالب به . وانهم ليصونون مورد الماء من التلوث ويعالجونه بطرق بارعة تجعله سائغا مامونا ويجرونه الى المنازل فى انابيب محمية من التلوث بالجراثيم طول الطريق ، وبذلك تتحصن مدنهم ضد الاخطار التى تهدد اهل الريف من جراء شربهم مياها غير مصونة من التلوث وهم يعلمون حق العلم ان تكاليف انشاء الموارد النقية طفيفة وان الافضل بذلها واتقاء المخاطر .
ان مثل هذا المورد المصون من التلوث قد ازاح الكوليرا والتيفود والدوسنطاريا فى سنوات قليلة من جماعات انسانية عديدة ، وساعد على رفع مستوى معيشتهم واصلح صحتهم من وجوه عديدة غير مباشرة . وانها لجريمة ان يبدد - سدى - الماء الموفور فى مثل هذا المورد النقى ، بل ينبغى ان يستعمل فى احتراس وحرص .
لكن لا تزال فى سائر انحاء الدنيا جماعات كثيرة تجهل مثل هذه الموارد ذات الماء النقى ، حيث يعتبر انفاق المال فى موارد المياه المصونة ترفا فوق طاقتهم المالية وانه لمن قلة الحكمة وفداحة الحمق استطابة مثل هذه الافكار .
ومن الخير حث الرأى العام على التشدد فى المطالبة باقامة مورد مياه نقية لان مثل هذا المورد ضرورى للحياة فى صحة وعافية ، ثم انه من غير شك يؤدى الى الاقتصاد والتوفير آخر الامر .
