دابت معظم الكائنات الحية للانسان خلال تقدمه الحثيث نسبيا . ولم يبق
من يقاومه من الاحياء غير الحشرات وقليل من القوارض . وما زالت الحشرات تتلف زرعه وما يختزنه من طعام وتعيش كطفيليات فى جسمه ، وقد تقوم احيانا بنقل فيروسات المرض وجراثيمه .
ولم يعرف أن بعض الحشرات تقوم بنقل الامراض الا منذ ستين سنة ، فقد ثبت أن الملاريا ينقلها البعوض الانوفيلى والحمى الصفراء تنقلها أنواع من الايدس . والطاعون ينقله برغوت الفأر ، والتيفوس والحمى الراجعة ينقلهما القمل ، ولولا هذه الاكتشافات لما تأتت مكافحة هذه الامراض بالطرق الحديثة .
ان ازدياد علمنا بمواضع توالد الحشرات والوقوف على طبائعها وسلوكها وما استعمل خلال عشر سنين من مبيدات الحشرات الحديثة الفتاكة - الـ د . د . ت والدبالدرين واللندان والـ عـ . ن . م . والكلوردان - كل ذلك يحملنا اليوم على التفكير فى امكان اباده بعض الحشرات الخطره اباده تامة .
بيد أن ابادة أى نوع من أنواع الحشرات الناقلة للامراض فى بعض الجهات لا يدل بالضرورة على أن الامراض التى تنقلها هذه الحشرات قد ذهبت الى غير رجعة ، ولا سيما التى تأويها الحيوانات ، مثال ذلك ما جد فى مشكلة الحمى الصفراء باستئصال شافه البعوض المنزلى المسمى ايدس ايجيبتى من مدن امريكا وافريقيا ومن اصقاع شاسعة فى امريكا وافريقيا . فان فيروس هذا المرض لا يوجد الآن الا فى الغابات الاستوائية حيث يحمله البعوض البرى فينقله الى الحيوانات ولا سيما القردة ، ومع ذلك فلا شبهه فى أن أوبئة الحمى الصفراء المريعة فى القرن الماضى ، لا يمكن ان تعود ما دامت المدن والموانئ قد خلت من الايدس .
وأصبح اليوم غير المطمعين ممن يعملون فى الغابات من ناشرى الاخشاب وقاطعى الاشجار فى المناطق الموبوءة بالحمى الصفراء هم الذين يصابون بهذا المرض خاصه . وما قاطع الاشجار فى الحقيقة الا عامل يعمل على اختلال التوازن الفسيولوجى،
ذلك بأن البعوض انما يأوى عادة الى اعالى الإشجار فيلسع القردة هناك كلما أحب ، فاذا ما هوت الاشجار هاجم الانسان و دخل اليه فيروس المرض .
يتضح من هذا المثل الذى سقناه عن الحمى الصفراء فى الادغال . ان محاولة كفاح البعوض النافل للامراض مشكلة معقدة ، فانه اذا كانت ابادة ناقل المرض مانعة لإحتمال انتشار الاوبئة الذريعة فان تدخل الانسان يفضى الى ايجاد بؤر للعدوى . يضاف الى ذلك ان مشروعات الاصلاح التى توجب تعبيد الطرق وبناء الخزانات وزراعة المحاصيل . كثيرا ما تهيئ ظروفا صالحة للبعوض .
وقد تعددت فى الربع الاول من هذا القرن الامثلة على أن الملاريا التى صنعها الانسان قد ازهقت أرواحا لا تحصى وعرقلت تقدم الاقاليم الاستوائية .
ولقد كان من جراء تقدم وسائل النقل برا وبحرا وبالاخص جوا أن نشأت مشكلة جديدة هى أن الحشرات الناقلة للمرض أصبحت اليوم أسرع انتقالا ، وانها اذا ما وجدت أن الظروف ملائمة فى مكان وصولها توالدت فيه . فالانوفيل جامبيا ( ضرب من البعوض ) الذى انتقل فى عام ١٩٣٠ من غرب افريقيا إلى البرازيل انما انتقل على ظهر سفينة سريعة لا محالة ، وهذا البعوض الافريقى الاصل الحامل لجراثيم الملاريا لشدما يتعرض لخطره الانسان اذ كان بطبعه أميل الى معايشته حبا فى لسعه
ولأن من السهل توالده فى جواره . وفى عام ١٩٣١ نظمت حملة فى باتال ( البرازيل ) لمكافحة بعوض الانوفيل جامبيا الذى دخل هذا الميناء فاستوصلت شافته منه . الا انه امكنه أن يتطرق إلى ولايتى ( ريوجراند دونورت وسيزار ) . . فوجدهما ملائمتين لتوالده فانتشر فيهما وباء الملاريا الفتاك حتى عام ١٩٣٨ ، وقد نظمت وقتئذ حملة لمكافحة الانوفيل جامبيا فى تلك الجهة من شمال شرقى البرازيل ، فنجحت فى ابادته من البرازيل فى مدة عامين ، وذلك بفضل حسن نظامها وكثرة مواردها .
ويسكن الانوفيل جامبيا سائر افريقيا الاستوائية ، ويغزو فى أوقات معلومة بعض المناطق المعتدلة فينتشر فيها الملاريا . مثال ذلك غزوه صعيد مصر عام ١٩٤٢ ، نتيجة للحركات الحربية ، فبلغت اصابات الملاريا هناك ١٤٠,٠٠٠ اصابة فى عام واحد ١٩٤٢-١٩٤٣ . وفى عام ١٩٤٤ اتخذت اجراءات شديدة لابادة هذا البعوض . وما زال يكافح حتى قطع دابره من مصر فى شهر فبراير من سنة ١٩٤٥
وهذان المثلان فى ابادة نوع من البعوض ابادة واسعة النطاق كثيرة النفقة يدلان دلالة واضحة على ما قد ينجم من نتائج إذا ما تسللت عرضا حشرة تنقل المرض .
وقد ثبت قطعا فيما يختص بالحمى الصفراء ، انه من الممكن أن ينتقل
بطريق الجو بعض بعوض الايدس ايجيبتى الملوث بجراثيم هذا المرض وقد وضع ذلك موضع الاعتبار حينما وضعت اللوائح الصحيه الدولية ( لوائح الهيئة الصحية العالية رقم ٢ ) .
وقد نص فى تلك اللوائح على وجوب تطهير الموانئ الجوية من الحشرات : وهى الموانئ الواقعة فى جهات موبؤة بالحمى الصفراء وكذلك وجوب تطبيق التطهير على الطائرة المسافرة من مثل هذه الجهات الى الجهات الشاسعة الصالحة لانتشار المرض ، وكل النصوص الخاصة بهذا الامر تقوم السلطات الصحية فى الدول بتطبيقها بدقة ، والظاهر أن هذه الاجراءات قد أفادت . اذ منعت الحمى الصفراء من أن تتفشى فى اقاليم أخرى يوجد بها الايدس مستعدا لنشر هذا الوباء فيها .
ونفس هذه المشكلة قائمة فيما يختص بمنع انتشار الملاريا فى الاقاليم الخالية منها : اما لان تلك الاقاليم بعيدة عن مصادر الوباء ( مثال ذلك جزائر المحيط الهادى الجنوبية ) واما لأن الانوفيل قد استؤصل منها استئصالا منظما ( قبرص وسردينيا )
ان ازدياد حركة النقل الجوية يستدعى دوام مراقبتها حتى يمنع
الانوفيل من دخوله أو عودة دخوله الى الجهات الخالية منه الآن . ومن بين الحشرات التى كان لها شأن فى نشر الاوبئة فيما مضى . نخص بالذكر تلك التى تمتص الدماء كالقمل والبراغيث .
فقملة البدن التى لا تفتأ تصحب الانسان فى حياته . مازالت الناشرة لاوبئة التيفوس الفتاكة . وما كانت تلك الاوبئة فيما مضى الا وليدة الحروب والمجاعات فى الغالب . ولقد استعمل مسحوق الـ د . د . ت خلال الحرب الماضية لانقاذ خلق كبير من شر القمل ، وسرعان ما أفاد وصار فى الامكان ان تمنع أوبئة التيفوس من العودة فتزهق النفوس العديدة كما فعلت بعد حرب ١٩١٤-١٩١٨
وقد فقد التيفوس كثيرا من اهميته الدولية كمرض كورنتينى ، ويمكن أن يقال مثل ذلك عن ذلك الضرب من الحمى الراجعة الذى يسببه القمل .
وتستطيع البراغيت (أو على الاقل بعض أنواعها ) ان تنقل بواسطة لسعاتها امراضا معينة ، اهمها : بالنسبة للانسان الطاعون .. والطاعون الذى هو السبب الاسطورى لاوبئة رهيبة . هو فى الاصل مرض يفشو بين القوارض . وبراغيث الفئران هى التى حين تترك مضيفها
المريض أو الميت يتوجه اهتمامها الى الانسان فتعديه هو الآخر بباسيل الطاعون . وقد اصبح اليوم منع سرب عدوى الطاعون ممكنا . على الاقل فى المدن وفى وسائل المواصلات البرية والبحرية والجوية . وذلك بفضل الاجراءات التى تتخذ لمكافحة الفئران والحد من عدد طفيلياتها ، ولكن العدوى من هذا الداء ما زالت خطرا يهدد المناطق الريفية فى عدة دول ، ذلك لان الطاعون يوجد ابدا فى القوارض البرية .
ومن حسن الحظ ان ابادة جرذان السفن ابادة منظمة والاعتدال فى استعمال مبيدات الحشرات حتى تتطهر
منها السفينة والطائرة والمسافرون وامتعتهم - من حسن الحظ أن أفاد ذلك فى منع أى مرض معد من الانتشار فى صورة وباء خلال الخمس والعشرين سنه الماضية .
هذا هو الغرض من اللوائح الصحية الدولية التى وضعتها الهيئة الصحية العالمية على احدث المعلومات الوبائية وغير الوبائية ، والتى تضمنت ما يجب اتخاذه من الاجراءات الوقائية وخفضت فى نفس الوقت الى ادنى حد ممكن . كل ما يمس حركة النقل الدولية أو يعوقها . سواء فى ذلك نقل المسافرين أو نقل البضائع .

