من المستحيل ان نتصور انسانا مجردا عن بيئته التى يعيش فيها . وهذه البيئة تيسر له انتاج الطعام الذي يحتاج اليه ، وبناء المأوى لأسرته وصنع الملابس التى تقيه من تقلبات الطقس . انه فى الواقع يعتمد على بيئته الى حد انها تكيف حياته وتصبها فيما تشاء من القوالب
على ان هذه البيئة التي لا غنى للحياة عنها ، هي ايضا السبيل الذي يصل منه الكثير من الامراض الى الانسان . فالماء الذي يشرب به قد يحمل عددا من هذه الامراض بعضها قتال ، والتربة التى يزرعها قد تتوالد فيها جراثيم وطفيليات وحشرات ذريعة الخطر ويحتاج الانسان للتمتع بصحة جيدة الى بيئة صالحة تحفظها وتدرأ عنها العلل والمسكن من الاحتياجات الاساسية ، لكن لا غنى عن حسن تهويته واضاءته وان يكون مبنيا بمواد جيدة صالحة لوقايته من الاحوال المتقلبة الخارجة والتى قد تؤثر على صحة من يعيش فيه .
بل لقد ازداد تأثير البيئة على عافية الانسان وطيب عيشه أهمية فى الجماعات الكبيرة والمناطق الصناعية ، ان كان الانسان قد احدث فيها بيئة غير صالحة للمحافظة على الصحة جيدة مصونة فالاوبئة أسرع انتشارا فى المجتمعات المزدحمة غير المكتظة وقد يصاب عمال المصانع بالامراض المهنية
وضح اذن ان عافية الانسان وصحته يجب ان تنشدا عن طريق الهيمنة على بيئته والعمل على تحويرها وتغييرها وتبديلها . وهذا هو الاصل فى نشأة الاختصاصى فى الصحة العامة الذي يمارس علما جديدا يسمي صحة البيئة أو علم صحة البيئة . وهو بصفة عامة يعنى بدارسة وتطبيق سائر التدابير التي يمكن انخاذها لتوثيق الصلات بين علم الانسان وبيئته .
ولتحقيق هذا الهدف ، واعني به تمتيع الانسان بالصحة الجيدة ، يتعاون المهندس الصحي مع غيره من الاختصاصيين فى الثقافة الصحية العامة والصحة الاجتماعية . ومهمته الرئيسية هى منع انتشار الامراض المعدية المعروف انها تنتقل من الانسان الى الإنسان عن طريق البيئة ، وارساء القواعد التي تساعد على بلوغ مستوى اعلى من الصحة . ولا ريب فى ان الكفاح المتصل ضد هذه الامراض التي لا تزال تطيح بارواح الكثيرين من بني الانسان فى معظم انحاء الدنيا يزداد يسرا وسهولة اذا تعاون جميع هؤلاء الاختصاصيين معا .
ويمكن تلخيص البيئة فى أمرين : ١ - وقاية الانسان من الامراض التى تسطو علية من طريق البيئة
٢ - تحسين صحة الناس جسمانيا وعقليا بلا أى تمييز من الناحية الاقتصادية الاجتماعية وغير ذلك . وقد دل تقدم العلوم الحديثة دلالة قاطعة على ان عددا من الامراض المعدية يمكن استئصاله بطبيق التدابير التى تسيطر على بيئة الانسان وتغييرها ومعنى هذا هو ان الانسان لا يبغى له ان يصاب قطعا بالكوليرا والتيفود والاسهال والدوسنطاريا والملاريا والكالازار والتيفوس والبلهارسيا الخ ، ، فانه ليجب العدول عن الفكرة القائلة بان هذه الأمراض لا معدى عنها ولا مفر منها ، اذ كان لدينا من البينات والادلة ما يبرهن على انه فى الوسع القضاء عليها قضاء مبرما
وآية ذلك ان الكوليرا ذلك الوباء الرهيب الذي دأب على محو مدن وقرى باسرها فى اوروبا كلما اقبل موسمه ، قد صار حديثا يروى بفضل ما ادخل من تحسينات خلال النصف قرن الاخير على صحة البيئة ، بل ان المستوى الارفع الذى بلغته بلاد شمال امريكا قد قضى أوكاد يقضي على التيفود وغيره من العدوى المعوية ويمحوها من هذه القارة ، وكذلك الحال فى ايطاليا التى كانت توطنت فيها الملاريا وعصفت باهليها ، اصبحت لا يصاب فيها اليوم بهذا الداء الا القليل ، وليس ببعيد ذلك اليوم الذى تصبح فيه الملاريا من المواضيع التى يدرسها طلبة الطب ولا تحسب فى جملة المشاكل الصحية العامة
ليست هذه الا بعض امثلة ما تحقق بالفعل من سيطرة الانسان على احوال بيئته ، وينبغى ان نقوى ايماننا فيما يحتمل ان نبلغه من حياة اوفر صحة ومستقبل اسعد .
ان الكثير من الناس ما زالوا يعتقدون ان تحسين صحة البيئة فى بلد من البلاد مطلب باهظ النفقات وبذخ لا تطيقه الا اغنى بلاد العالم ، وصحيح ان صحة البيئة يتطلب تحسينها الى حد كبير إلا تطبيق مبادئ الصحة الاساسية الميسورة لكل انسان ، فالنظافة الشخصية ونظافة المنزل وما يحيط به ، وعلى الاخص مسؤوليتنا نحو الآخرين من حيث امتناعنا عن نشر الامراض التى يمكن السيطرة عليها فى المنزل بداية طيبة ولا تكلف شيئا ، فاذا مارس كل فرد فى المجتمع مبادئ الصحة واقتنع من الاعماق باهميتها لحفظ الصحة ، أمكن حينذاك ، ادارة الآلة التى تسير حياة المجتمع المنظمة كيما تحقق البقية

