الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "الفكر"

صفحات مشرقة من تاريخ صقلية، والفاتح القاضي أسد بن الفرات

Share

إذا كان لا بد من استعادة ذكرى أمجاد هذه البلاد والتذكير بما قدمه عظماؤها الافذاذ ، واستخلاص العبر والمواعظ منهم ، فيكون استقراء فعالهم ومواقفهم منار هدى وارشاد ، فلا بد لنا من الالحاح على زيادة التوضيح والتبيان وارشاد ذى الغلة الى مزيد من الرواء بتقصى الجوانب والتعرف على كنه الاسباب والمسببات التى بوأتهم المكانة السامية فى قلوب المريدين والمعجبين ،

فقيت ذكراهم خالدة على مر الدهور والازمان . وإن نضارة مداد التاريخ باقية ، مسجلة لهم حسن الصنيع وطيب الذكر ؛ ومنذ أمد بعيد وأنا معجب بشخصية أسد بن الفرات ذاك الذى سجل أروع البطولات فى جهادى السيف والقلم ، وترك منذ ثلاثة عشر قرنا صفحات ناصعة عكستها حياته الزكية المملوءة بجلائل الاعمال وفخارها . ولئن لم يكن مولده أرض هذه البلاد الا أن مبدأ تكوينه كان فيها واشتداد عوده فى ربوعها .

ولد مترجمنا بخراسان حوالى سنة اثنتين واربعين ومائة للهجرة ، وحل بربوع أفريقية وسنه أربعة أعوام رفقة والده الجندى الفاتح والوالى محمد الاشعث .

وقد ظل متلقيا لمبادىء العلوم فى مدينة القيروان طيلة خمس سنوات ، ثم فى مدينة تونس نحوا من التسعة أعوام تمكن خلالها من التبحر فى علوم القرآن ومعانيه ، وروى فيها موطأ الامام مالك عن العلامة على بن زياد . وكم كانت روح الدعابة مؤثرة فى سلوكه فكان يقول اذا افتخر :

(( أنا أسد والأسد خير الوحوش وأبى الفرات والفرات خير الماء ، وجدي سنان والسنان خير السلاح )) .

ولم تشف غليله تلك المعارف التى تلقاها فى ربوع تونس بل حزم أمره مهاجرا للشرق مستزيدا فى طلب العلم ، فكان مقامه بيثرب مدينة الرسول عليه السلام حيث سمع عن مالك ابن أنس رضى الله عنه الموطأ ، وازداد تمكنا فيه ، إضافة لما تلقاه من قبل من الشيخ ابن أبى زياد . وإنها لوصية تسجل فيه ضمائر المصلحين على مر الازمنة تلك التى أملاها الامام مالك على تلميذه أسد حين قال يوم وداعه :

(( أوصيك بتقوى الله تعالى والقرآن والنصيحة لهذه الامة )) .

وتلقى أسد هذا الارشاد القويم والنصح المبين الصادر من أعماق صدر إمام دار الهجرة وأحد الائمة المسلمين ، وثنى عنانه الى العراق فكان له فيها لقاء وود وأخذ وعطاء مع مريدى المذهب الحنفى ورفاق أبى حنيفة النعمان ومن أعلامهم الامام (( أبو يوسف )) و (( محمد بن الحسن )) مع الملاحظ وأن أبا يوسف درس من ابن الفرات موطأ مالك واطلع على الكثير من آرائه . وبعد هذه الاقامة ببغداد حط رحله بمصر فقام بها مدة ، حيث اتصل بالكثير من المريدين للامام مالك والمتأثرين بمذهبه كالامام عبد الرحمن بن القاسم الذى لازمه فترة ليست بالقصيرة ، وتبادلا المسائل المختلفة أخذا وعطاء الى أن ألف كتابه الشهير الذى عرف به ألا وهو (( الأسدية )) .

- وتمضى السنون العشر التى قضاها بأرض الكنانة فى البحث والاستقراء ، والجهد والعناء من أجل العلم والتضحية فى سبيله ، فيقفل راجعا الى أفريقية وكله جد وحزم على نشر العلم والمعرفة وفتح آفاق المستقبل على أسس قويمة ثابتة ، وكله ايمان وصدق وطهارة نفس وزكاء روح ونقاوة ضمير ؛ وكفاه ما حمل فى وطابه ذاك الكتاب الاغر والمؤلف الخطير فنفع بعلمه وشعت آراؤه اشعاع البرق فى دجى الليل الاليل ، والشمس الساطعة المنيرة بين عقول الجيل الرابع من الفتح ؛ وفى خضم هذا العطاء والبحث والاستنتاج كان الامام سحنون نزيلا فى القيروان بعد رحلته الى المشرق وتأليفه (( المدونة )) فكان الخلاف على أشده والنقاش محتدما فى أدق المسائل وأعوصها ، وأتضح الفرق جليا بين المدونة والاسدية وأضحى لكل منهما أنصار ومخالفون .

وما أن حلت سنة 204 ه حتى أسندت اليه خطة قضاء القيروان ، وقد باشرها مع القاضى الشهير أبى محرز الكنانى الذي لم يتجه وجهة أسد فى كثير من المسائل والمواقف واحتدم الصراع بينهما حتى شاع الامر بين الخاصة

والعامة حيث وجد كلاهما مناصرين ومؤازرين . وما مشكلة صقلية الا دليل على ما أثبتنا حيث كان لكل منهما رأى ؛ وفى النهاية تم العمل برأى أسد بن الفرات الذى اعتمد جانب الرسل وأقوالهم فى التعرف على المشكل المطروح وأهمية مسألة الاسرى المسلمين اذ قال :

(( علينا بسؤال الرسل ، فاننا بواسطة الرسل صالحنا أهل صقلية وبواسطتهم نجعلهم ناكثين للعهد )) .

وبهذا التفكير تم العمل وانتهى الامر الى جمع الاسطول الحربى بسوسة ، ونفخ فى النفير ، ونودى للجهاد من أجل رفع كلمة الحق ونشر ألوية الاسلام خفاقة هادية ؛ كل ذلك على يدى الخليفة زيادة الله الاغلبى الذى مكن أسد بن الفرات من الخروج رفقة الجند الاسلامى كى ينال شرف الجهاد والاستشهاد فى سبيل الله .

وهنا يجدر بنا أن نقف وقفة قصيرة عن الاسباب التى أدت بتصاعد الخلاف واشتداده بين صقلية والقيروان . نحن نعلم أنه بعد استقرار الفينيقيين بهذه الجزيرة منذ الالف سنة قبل المسيح تم تأسيس العديد من القرى ، والمدن الساحلية تمثل قاعدة تجارة وبيع وشراء وأشهرها بالرمة PALERME . ثم كان الاغريق الذين أسسوا فيما بعد مدنا شهيرة مثل ((سرقوسة)) SYRACUSE  سنة 734 ق م . و (( مسينا )) MESSINE سنة 739 ق م . وتواصل نفوذ هؤلاء اليونانيين الاغريق قرابة مائتى سنة أعنى الى سنة 536 ق م . وما أن كانت الحروب الاهلية تندلع من أجل السلطة والنفوذ ، وقد كانت قرطاج فى أوج

عزها وقوتها ، والجزيرة فى قلب البحر الابيض المتوسط امتدت أنظارها اليها نظرا لموقعها وأهميتها ، فاستعدت لافتكاكها عنوة قاصدة من وراء ذلك إما خضد شوكة من يبغى البقاء ويقوى ويصبح خطرا عليها واما للتمهيد من أجل التوسع نحو أروبا . ولا ننسى أن جزيرتى سردينيا وكرسيكا قد تم اخضاعهما للسلطة القرطاجنية نهائيا . وهكذا وبعد نشوب الخلاف بين اليونانيين والفينيقيين حيث أدى بهم الامر الى التطاحن والصراع من أجل السلطة والاستحواذ عليها بصفة مطلقة استغلت قرطاج الفرصة وجهزت حملتين أصيبت فيهما باندحار ساحق حيث عاد قائد الغزوة الاولى (( مالي ))

خائبا الى قرطاج وقتل قائد الزحف الثانى عملكرض بن ماغون البرقى شر قتلة وقد أسر جنده ودمر أسطوله ؛ وكانت نتيجة هذا الخذلان رغم تحالف قرطاج مع عدو الاغريق ملك الفرس (( أكسريس )) وتحالفها أيضا مع 510                                      78

الرومان ؛ ثم كان الصلح الى حين حيث كانت الحملة الثالثة وتم اثرها تقسيم الجزيرة بين حكم (( دينس )) اليونانى والقرطاجى لكن سرعان ما نكث (( دينس )) العهد ، وشنها حربا لا تبقى ولا تذر . وأعاد القرطاجنيون الكرة فى الغزو لكن بدون جدوى وتم الاندحار سنة 395 ق م . وفى الحملة الخامسة تم لقرطاج بسط نفوذها بعد تحالفها مع الملك الاغريقى (( هارون )) الذى دخل تحت حماية قرطاج خشية من نفوذ روما وعظمتها . ومن هنا يمكن أن نفسر أسباب الحروب البونيقية والتى من أجل صقليةا ندلعت ، وانتهى الامر فى النهاية بسقوط قرطاج بعد 118 سنة من التناحر والقتال . وما كان انهزام

قرطاج فى صقلية فى الحرب الاولى بعد استيلاء دام 274 سنة الا بداية انهزامها نهائيا وبدون رجعة . ودخلت صقلية تحت الحكم الرومانى وأصبح تاريخها جزءا من تاريخ روما عدة قرون ثم كان غزو الوندال لكن بقاءهم لم يطل بعد انتصار الروم البيزنطيين عليهم سنة ( 530 ) م . وبقى الحكم طيلة ثلاثمائة سنة أصيب أثناءه بالفتن والدسائس وترك الروم الجزيرة شبه خراب سنة ( 827 ) م . ومنذ هذه الفترة بدأت وفود العرب والبربر على الجزيرة قصد نشر ألوية الاسلام ، وتمكنوا من تأسيس العديد من المراكز العمرانية ونوجز حكمهم تاريخيا بين حاكمين ومحكومين ومشاركين فى الحكم مع الرومان أو محكومين كما يلى :

- مدة الحكم الاسلامى فيما بين سنة 217 ه . و 450 ه . أى حوالى 33 سنة . - مدة الحكم النرمانى من سنة 450 ه . الى سنة 643 ه . أى حوالى 193 سنة .

ثم كان على صقلية حكم الجرمان وبالاحرى سيطرة أباطرة ألمانيا وتم أثناءه طرد المسلمين شر طردة ؛ ثم كان الحكم للفرنسيين على يد شقيق الملك لويز التاسع المعروف باسم القديس لويس الذى حارب المستنصر بالله الحفصى فى الحملة الصليبية ومات بالطاعون بقرطاج وقصته معروفة .

وكان الامير الفرنسى شارل يتبع سياسة التعدى والظلم والفحش فكانت الثورات المتوالية إلى أن كان حكم الاسبان بعد استنجاد الصقليين بهم وابتدأ حكمهم منذ سنة 1412 م . ؛ وتوالت انتفاضات الفرنسيين وعمت الاضطرابات البلاد مدة تسعين سنة ، ولم يستتب الامن الا حوالى سنة 1503 م . وتواصل الامر قرابة المائتى سنة وما أن كانت الثورة الفرنسية سنة 1789 م . حتى تغلغلت فى نفوس الصقليين روح التحرر وكسر قيود المستعمر ، لكن قوة

الرجعية كانت عنيفة فحالت دون تحقيق رغبة الاستقلال وتركيز أسس الجمهورية ، كل ذلك بتأييد من الاميرال الانجليزى الشهير (( نلسون )) الذى عرف بعداوته لفرنسا وبتحطيمه لاسطول (( بونابارت )) وقد أمعن الملك فريديناند فى البطش بعد أن أعيد الى عرشه ثانية وقتل ما يقارب العشرة آلاف شخص وسجن الآلاف ونفى قرابة السبعة آلاف . وأعيد نفس الصنيع معه ومع ابنه (( فرنسوا الاول )) 1825 م . - 1830 م . وكذلك ابنه أيضا فيما بين سنتى 1831 م . و 1837 م . وما أن كانت سنة 1861 م . حتى كانت ارادة الشعب الصقلى فى الانضمام للوحدة الايطالية بعد ثورة (( فاريبالدى )) الشهيرة وانتصاره على الملك (( فرنسوا الثانى )) الذى غادر نهائيا الجزيرة رفقة آله وذويه .

وما كانت هذه العجالة قارئى الكريم الا لتحديد مفهوم تاريخى موجز منذ العهد القديم لاوضاع هذه الجزيرة التى كانت مطمح أنظار الامبراطوريات والدول العظمى فى الزمن القديم والوسيط وما زالت أهميتها الاستراتيجية من حيث وضعها الجغرافى فى أعماق البحر الابيض قائمة الى اليوم مثلما هو الحال بالنسبة للبلاد التونسية إذ اتجهت اليها انظار الفينيقيين والرومان والروم البيزنطيين والوندال والاتراك الى أن كان الاستعمار بأشكاله المتنوعة المعروفة ... ويمجرد بسط نفوذ الاسلام فى ربوع أفريقية وقد أصبحت حصنا من حصونه وقلعة من قلاعه الثابتة المكينة التى لا يخشى عليها من حادثات

الدهر وتقلب الاحوال ، وكان ذلك بفضل ايمان المؤمنين الصادقين الذين لا مطمع لهم ولا غاية سوى نشر الدعوة وبسط مبادئ الدين الحنيف فى كل الاصقاع ، اتجهت النية الى البدء بفتح صقلية حيث من ورائها قارة أوربا التى بقيت فى غيها الاعمى وسباتها العميق وجهلها المطبق ، فكانت الغزوة الاولى الى جزيرة صقلية وبطلها موسى بن نصير القرشى ، وسميت بغزوة الاشراف حيث لم يبق شريف ممن كان معه الا ركب البحر ؛ وقد سبق الغزو انشاء دار صناعة بتونس مكنته من حوالى مائة سفينة وقد عقد موسى لواء الغزوة لابنه عبد الله ، وتم النزول بأرض الجزيرة وتم أيضا دحر قوى الروم ، وغنمت المغانم الكثيرة ؛ غير أنه وقع العدول عن المكوث ومواصلة ما تبقى من الارض فعاد موسى بأسطوله الى افريقية مكتفيا بالانتصار . وما كان هذا الاعراض عن البقاء الا نتيجة خطة مدروسة ونظرة عميقة الى واقع الامور حيث روعي مشكل طول المسافة البحرية بين تونس وصقلية وعسر ارسال المدد ولعله بهذا التفكير تم العزم على غزو أوربا من مجاز طنجة الذى أصبح يعرف فيما بعد بجبل طارق .

وما أن استلم عبيد الله بن الحبحاب أمر افريقية مكلفا بها من قبل الخليفة هشام بن عبد الملك ، حتى رأى أنه من الاجدر اقتفاء أثر موسى بن نصير فى الدخول الى قارة اروبا عن طريق صقلية ، كل ذلك إثر فتح الاندلس مباشرة. فكانت الغزوة البحرية التى تصادمت مع أسطول رومى وكانت المعارك سجالا. والملاحظ أن العالم الجليل عبد الرحمن بن زياد وقع التمكن منه وتم أسره حتى سنة 121 ه .

هذا وقد عاد اسطول المسلمين غانما بما استحوذ عليه من الروم . لكن لم يكتف ابن الحبحاب بهذه المغانم الزائلة فأعاد الكرة وجهز حملة جديدة أو كل أمرها الى القائد حبيب بن أبى عبيدة بن عقبة بن نافع ، يرافقه فيها ابنه القائد البطل عبد الله بن حبيب وكان الخروج من دار صناعة تونس سنة 122 ه . ثم كان النزول بأرض الجزيرة وكان الانتصار الرائع بعد حصار سرقوسة . غير أن أحداثا مؤلمة حصلت بالمغرب وبالتحديد بطنجة إثر ثورة قام بها البربر نتيجة عسف العامل على طنجة من قبل ابن الحبحاب وعدم حكمه بالعدل والقسطاس ، وقد حاول ابن الحبحاب بكل جهوده دحر هذه الثورة ، فأرسل خالد بن أبى حبيب الفهرى ومعه أشراف من قريش غير أنهم قتلوا شر قتلة فارتأى ابن الحبحاب فى الآخر باعادة الجند الاسلامى فى صقلية بعد أن كاد ينجز الفتح نهائيا وعلى امتداد أرض الجزيرة .

وبهذا توالت على عبيد الله بن الحبحاب المشاكل ورأى أن ترك الولاية أجدر ، فرجع الى الشرق وبالتحديد فى جمادى الاولى سنة 123 ه . بعد أن قضى ثلاثة عشر عاما فى الولاية وترك أجل المبرات وأخلدها كتأسيسه لجامع الزيتونة وبنائه دار الصناعة بتونس وغير ذلك من المحاسن .

ومرة أخرى يعود العزم على الغزو ؛ ففى فترة الوالى عبد الرحمن بن حبيب الفهرى تولى عبد الله بن حبيب أمر الهجوم وتقدم بأسطوله وكان الوضع على ما وصفه ابن الاثير يتمثل فى كون الروم قد حصنوا الجزيرة ، وأنشأوا بها أسطولا لا يقصدون به الدفاع فحسب ، بل كانت مهمته مهاجمة مراكب المسلمين وقطع البحر عنهم ولاحظ بقوله : (( فكانوا كلما ظفروا بمركب من مراكب المسلمين أخذوه بما فيه )) .

إذن كانت مهمة ابن حبيب عسيرة ولكنها انتهت بتحطيم مراكب العدو والانتصار عليه فى عقر داره .

هذا ولم يقرر ابن حبيب الاستقرار بالجزيرة فقد اكتفى بالرجوع الى افريقية غانما وفى حوزته مال كثير بعد أن صالحه الروم عليه . وفى العهد الاغلبى

حيث كان العز قائما والسلطة نافذة رأى بنو الاغلب القيام بفتح الجزيرة ومواصلة البذل والعطاء والتضحية والفداء حتى تنتشر مبادئ الاسلام فى كل مكان .

وما كانت الرغبة فى الفتح الا للتمهيد من أجل الوصول الى أروبا ومهاجمتها فى الوسط من حيث الوضع الجغرافى بعد الاخفاق الذى لوحظ إثر هجوم المسلمين من جهة الشرق بالقسطنطينية ، وكذلك من ناحية الغرب قرب مدينة بواتية  Poitiers  أمام شارل مارتال . ويضاف الى هذين السببين عنصر أساسى وهام يتمثل فى الرغبة للقضاء على القرصنة البيزنطية الرومية والتى جعلت جزيرة صقلية مركز انطلاق وقاعدة لها ، فتنطلق منها الى السواحل الافريقية مخربة مدمرة ، وتفوز بالاسرى وتجبر الدولة الاسلامية بدفع الفدية مقابل اطلاق سراحهم . ومع كل ما سبق يضاف سبب آخر وهو سياسى تكتيكى يتمثل فى الرغبة للتغلب على الفتن الداخلية والشقاق الذى ران بين القوم من عرب وبربر ورأى الملك الاغلبى أنه أحرى بكل هذه الطاقات

القوية أن تصرف جهودها فى نضال خارج أفريقية يعوض القوة القائمة والامكانيات الضخمة التى توفرت ، ثم كادت تتلاشى نتيجة الثورات المتتابعة والتى من أهمها ثورة (( منصور بن نصر )) الزعيم الثائر والذى تم التغلب عليه بعد تخطيط محكم ومقاومة منظمة . وهكذا نجحت فكرة الغزو والدولة الاغلبية فى عز سلطتها ونفوذها بعد أن فشلت الغزوات السابقة على يد الولاة فى عهد التبعية والحكم المباشر من قبل الخلافة فى المشرق . وهكذا وبعد أن تكاثر عدد الاسرى المسلمين بجزيرة صقلية تمكن زيادة الله الاغلبى من ارغام حاكم الجزيرة على الاتفاق بالتعهد على اعادة أولئك الاسرى الى القيروان وأن لا يبقى واحد منهم بالجزيرة . وشرع فى تنفيذ الاتفاق الا أن خلافا حادا نشب فى الجزيرة من أجل السلطة وقامت ثورات دامية انتهت بقدوم EUPHEMIAS

ويسميه المؤرخون العرب - فيمي - قائد الاسطول الرومى بالجزيرة بعد انهزامه وافتكاك السلطة من يديه ، الى القيروان مع جمع من أنصاره طالبا النجدة والقوة لاسترجاع حكمه - ويصادف حضوره انتشار الخبر الذى يفيد بأن العديد من المسلمين بصقلية لم يزالوا أسرى حرب ، وانه لا بد من اتخاذ موقف حازم ونافذ إزاء مشكلتهم والوقوف بجانبهم وتمكينهم من العتق والحرية حيث ان العقد المبرم فى شأنهم لم ينفذ بحذافره ووقع نقضه وعدم الايفاء به . وإن النقاش الذى طال والجدال الذى كان فى مجلس شورى زيادة الله الاغلبى يتمثل فى جواز أو عدم جواز نقض العهد مع الروم والدخول معهم فى حرب من جديد . وكان رأى أسد بن الفرات كما مر سابقا فى أول الدراسة من

وجوب استجواب رسل أوفيماس حيث تم بواسطة الرسل العقد ، وبواسطتهم يمكن ايضا قيام الحجة على الروم وجعلهم ناكثين للعهد والعقد والميثاق ...

وهكذا وبعد التثبت من أولئك الرسل فى شأن الاسرى وتصريحهم المؤكد بسوء معاملتهم وعدم تمكينهم من حريتهم انتهى الامر بمجلس الشورى الى اتخاذ الاجراء الحازم فى شأنهم واعتبار أن الميثاق قد تم نقضه من طرف الاعداء فوجب الجهاد ورفع اللواء ؛ ودعا زيادة الله الاغلبى الى النفير وشن الكريهة فاستجاب الكثير لندائه . وتهيأ أسطول عظيم ترفرف عليه أعلام البذل والفداء ، وعده المؤرخون قرابة المائة مركب كل منها يحوى مائة وعشرة من المقاتلين يصحبهم زادهم وخيولهم المطهمة مع العتاد المختلفة أنواعه . وكانت الامرة لهذا الاسطول الضخم على شرف القائد القاضى أسد بن الفرات .

الى هنا نربط تاريخ مترجمنا بما سبق من الاشارة اليه فى مقدمة البحث حيث عرجنا على تاريخ الجزيرة بصفة عامة وموجزة لنعود الى الفتح الجديد والغزوة المباركة على يد أسد بن الفرات الذى قد بلغ سنه العقد السابع وقد أولاه زيادة الله الاغلبى إمارة الجيش الناتج فخشى ابن الفرات من هذه التسمية وصرخ قائلا :

(( واها يا مولاى ! أتعزلنى عن القضاء لكى تولينى الامارة ؟ فقال زيادة الله : كلا ! بل لك إمارة الجيش مع القضاء )) .

وكان فى خروج الاسطول من سوسة مشهد رائع مؤثر وموكب وداع المقاتلين منظم على الصورة التى أرادها له زيادة الله حيث حضر كبار الامة واشرافها ووجهاء العرب والبربر والاندلس ، وقد أثبت أبو بكر بن محمد فى كتابه (( رياض النفوس )) وصفا لهذا المشهد وأورد التعليق التالى بقوله :

(( فما رأى أسد بن الفرات جمع الناس بين يديه وخلفه وعن يمينه وعن شماله ، وقد صهلت الخيول وضربت الطبول ونشرت البنود ، قال : لا إله إلا الله وحده لا شريك له . والله يا معشر الناس ما ولي لي أب ولا جد ولاية قط ، وما رأيت ما ترون الا بالاقلام ، فاجهدوا أنفسهم وأتعبوا أبدانكم فى طلب العلم وتدوينه وكاثروا عليه واصبروا على شدته فانكم تنالون به الدنيا والآخرة )) .

وكأن الشاعر عنى أسدا حين قال :

يسايره جيشان رأي وفيلق     ويصحبه سيفان عزم ومرهف

وإثر الوداع والدعاء بالسداد والفلاح أقلع الاسطول الاغلب الاسلامى من مدينة سوسة وبالتحديد يوم الاحد 14 ربيع الانور سنة 212 ه . ( 11 جوان 824 م . ) وبعد ثلاثة أيام وصل سواحل صقلية على مشارف مدينة مازرة التى اتخذت فيما بعد أرضا للنزول حيث لم يجد الجند الفاتح مقاومة تذكر نظرا للحال التى عليها أمور الروم وانخذال أهل المدينة (1) لكن وبعد فترة وجيزة حزم الروم أمرهم وهاجموا الفاتحين بقيادة القائد بلاطة ، وكان اللقاء قرب مدينة مازرة ووصف أحد المؤرخين العرب وهو ابن أبى الفضل هذه المعركة التى عاينها بنفسه فى قوله :

(( ورأيت أسد بن الفرات وبيده اللواء وهو يزمزم فحملوا عليه ، وكانت فينا روعة ، فأقبل أسد على قراءة سورة يس فلما فرغ منها قال للناس : هؤلاء عجم الساحل ( أى هؤلاء الذين هربوا أمامكم من السواحل الافريقية ) وزاد : ( هؤلاء عبيدكم ... لا تهابوهم ) .

وحمل باللواء وحمل الناس معه ، فهزم الله جل وعلا بلاطة وأصحابه ، فلما انصرف أسد رأيت والله الدم قد سال من قناة اللواء مع ذراعه حتى صار مع إبطه )) .

وهكذا كان النصر والفوز المبين وولى الروم الادبار نحو سرقوسة فاقتفى أثرهم أسد ابن الفرات وتمكن من جنوب الجزيرة وحاصر مدينة سرقوسة مع اعتبار المسافة قرابة المائتى كلم .

وعودة الى امير البحر (( أوفيماس )) لنشير الى أنه قلب ظهر المحن وانقلب مؤيدا تأييدا مطلقا لاهل سرقوسة وحثهم على مجابهة الفاتحين فى صبر وجلد، وازدادت المعركة لظى وحمي وطيسها ، وتمكن أهالى سرقوسة من تحصين مراكزهم وتقوية شوكهم فأصيب الجنود المسلمون بالضعف وقلة المدد حتى اضطروا الى ذبح خيولهم لأكلها ونتيجة هذه المخصمة انهار البعض انهيارا كليا والتمسوا من القائد ابن قادم كى يتدخل لهم لدى ابن الفرات حتى يتمكنوا من الرجوع الى افريقية وخاطب الوسيط أسدا بقوله :

(( إرجع بنا الى افريقية فان حياة مسلم واحد أحب الينا من جميع الكفار )) . فأجابه أسد برد مفحم قائلا : (( ما كنت لأكسر غزوة على المسلمين وفى المسلمين خير كثير )) .

وبعد احتدام النقاش وتشبث البعض بالتخاذل والانهزامية بدرت من القائد (( ابن القادم )) بادرة سيئة تمثلت فى قول بذيئة رد ابن الاسد بقوله : (( على أقل من هذا قتل عثمان بن عفان )) .

وضرب أسد ابن القائد ثلاثة أو أربعة أسواط . وهذه البادرة فسرت بكونها موقفا حازما للثبات على المبدإ ، وضربا لدعاة التخاذل والاستسلام . وانتهى الامر كما أراده ابن الفرات وحزم القوم على مواصلة القتال والنزال والتزام الصبر وترك فكرة النكوص على الاعقاب جانبا . وبهذا أمكن لهم شد الخناق على مدينة سرقوسة Sy racuse وتقوية أسباب حصارها مع هذا العدد الآتى من افريقية مناصرة وشد أزر ، حتى أنهم تمكنوا من حفر خندق حال دون خروج جند الروم للهجوم . كل ذلك وأسد بن الفرات يذرع الساحة جيئة وذهابا ليلا ونهارا لا يغمض له جفن ولا يلتذ بطعم الكرى حتى أخذ منه التعب كل مأخذ وقد بذل من ذاته الكثير منذ معركة مازرة     Mezzara أى طيلة ثلاثة عشر شهرا فانهارت قواه وذبل عوده الى النهاية فالتحق بالرفيق الأعلى راضية نفسه مرضية وكان ذلك فى شهر ربيع الثانى سنة 213 ه. ودفن بالمكان الذى كان به أثناء الحصار بسرقوسة وهذا التحديد الظرفى المكانى هو الذى زكاه أكثر المؤرخين .

وبعد هذا الخسران فى القيادة الحكيمة والتوجيهات الصائبة السديدة تواصلت الحرب سجالا بين المسلمين والروم الى أن قويت شوكتهم من جديد بتولى زهير بن عوف أمر الجزيرة بأمر من زيادة الله الاغلبى فكان الفتح المتواصل واخضاع المدن الواحدة تلو الاخرى . وأصبحت النية متجهة الى تحطيم أسطول الروم تحطيما كليا والقضاء على مراكز التمرين وأضحى الجهاد فى البحر أكثر منه فى البر وارتبك أمر الاعداء وأصبحوا يخشون قوة المسلمين برا وبحرا ، وتم فتح أكثر المدن الصقلية طيلة العهدين الاغلبى والفاطمى . ورغم اضطراب العهد الاخير بالفتن والثورات سواء بافريقية أو بالجزيرة فان الامر سار كما كان من قبل رغبة ملحة فى تركيز دعائم الدولة ونشر ألوية الاسلام .

ونشير فى عجالة حيث ان المقام لا يسمح بالتبسيط الى أن فترة الحكم الاغلبى بصقلية امتدت منذ دخول أسد اليها سنة 212 ه. حتى قيام دولة الفاطمين سنة 206 ه. قرابة الاربع وثمانين سنة أمكن خلالها من بسط الامن والاستقرار ونشر العمران فى جميع الانحاء .

اشترك في نشرتنا البريدية