[ هذه نبذ من التاريخ الاجتماعي تلقي اضواءا على مسرح الحياة الماضية القريبة من جيلنا فى هذه البلاد ]
من حديث لفضيلة الشيخ محمد نصيف
مثال من كرم الجيل الماضى
كان كل من السيد احمد اسعد والشيخ سليمان العزب ، من سراة المدينة المنورة فى اواخر القرن الماضى ، وكان لكل منهما انصار يتحزبون له . . وكانا موصوفين بالكرم ؛ وقد اتفق نفر من اصدقاء الجانبين على القيام بتجربة عملية لمعرفة مدى كرم كل منهما واقعيا ، فوكلوا الى اثنين منهم ان يذهب واحد منهما الى دار الشيخ ويطلب منه معونة بحجة أن زوجته وضعت وهو فقير ، ويذهب الآخر الى دار السيد احمد اسعد ويقوم بنفس العملية ، ويوازنوا بين ما اعطى كل واحد من الرجلين لسائله . وبمعرفة الأربى منهما فى العطاء يحكم له . . ومضى الرجلان الى صاحبيهما ، ففتح الشيخ سليمان خزانته ودفع للرجل ٣٠ زيالا فرنسيا ، ونقد السيد احمد صاحبه مائة ريال فرنسي ، وبذلك عرف أيهما اكرم من الآخر .
التشجيع على طلب العلم
كنت صغير السن ، وحصلت لي رغبة فى اقتناء الكتب وفى طلب العلم وحضر الشيخ عبد القادر التلمسانى من مصر ومعه كتب نفيسة ، منها تفسير ابن جرير الطبرى فى ثلاثين جزءا ، واخبرنى بان ثمن النسخة الواحدة منه خمسة جنيهات ذهبية ، فجئت لجدى عمر افندى نصيف ، رحمه الله ، وقلت له : اننى ارغب فى شراء هذه النسخة
وهي تقع فى ثلاثين جزءا بخمسة جنيهات ، وطلبت اليه اعطائى المبغ . فقال لى : " نسخة واحدة بمائة وخمسين جنيها ؟ هذا مبلغ كبير يشترى لك دارا تؤجرها بعشرة جنيهات سنويا . فقلت له : " كلا ياجدى ، هي خمسة جنيهات فقط لجميع الاجزاء الثلاثين " وعندئذ رأيت ابتسامة تعلو جبينه ، وقال لى : " خذ اليك المبلغ وسأترك لك حرية شراء الكتب التى ترغب فيها الى حدود مبلغ الف جنيه ذهبا من عندي " وعندما قدمت المبلغ للشيخ التلمسانى وحدثته بما جرى . بيني وبين جدى . . وما فوضني به من شراء الكتب لي الى الف جنيه يعطيني اياها . قال الشيخ التلمساني رحمه الله : " هذه بركة الصدق . .
ومنذ ذلك الحين بدأت فى شراء الكتب حتى تكونت هذه المكتبة الحافلة التى تراها .
مثال من وفاء ذلك الجيل
فى سنة من السنوات وشى واش بالمرحوم جدنا عمر افندى نصيف ، فقررت الحكومة القبض عليه وحكم عليه بست سنوات ، وقد تمكن من ايصال الخبر بطريقة ما إلى صديقه السيد احمد اسعد بالاستانة ، فتوسط هذا لدى السلطان عبدحميد فى ان يتم المدة الباقية بالاستانة ، فقبل السلطان رجاءه ووساطته ، وقدم عمر افندى نصيف اليها مكرما معززا ، وبعدما امضى زهاء ثلاث سنوات هنالك ، كانت مناسبة عيد فتوسط السيدا حمد لدى السلطان بالعفو عنه واعادته الى بلده مكرما ، فوافق السلطان ، وعاد عمر افندى نصيف الى بلده " جدة " ومضت الايام وتوفى السيد احمد وخلف ورثة ، وفى ذات يوم كان الجد يفتش اوراقه فاذا به يعثر على سند على السيد احمد اسعد بان له على هذا الف جنيه ذهبا قرضا حسنا ، فما كان من الجد إلا ان مزق السند ، وقال : " رجل سبق له علينا الفضل كيف نطالب ورثته من بعده بأي مبلغ ؟ ! . لوددت انى اقرضته عشرة آلاف جنيه وانى مزقت سنداتها كهذا السند "
وكان قد أمر له السلطان بعد العفو عنه براتب كبير فرفضه وقال : " اننى الآن
رجل غني ولا حاجة لى الى تكليف الدولة براتب كهذا وعندى الآن مال فاذا نفدت النقود التى تحت يدي فحينئذ لى الحق ان آخذ وأن أطلب .
نموذج من أخلاقهم
وحدث ان تأثر منه الشريف عون الرفيق فى احد الاعوام فاز مع تعطيل تجارته ، وكان له صديق طالما اعانه وطالما تحمل عنه الديون وطالما ساعده فى الضمان ازاء البضائع التى يتاجر فيها ، وكان هذا الصديق ذات صباح جالسا فى السوق ومعه صاحب له فقال لصاحبه وهو يحاوره : " ان الافتدى عمر نصيف اليوم لا يستطيع ان يتوسط لدى الشريف فى شئ ولا ان يقوم حتى بتصريف تجارته وسمع هذا الحديث شخص مار فجاء الى الجد وأخبره بما سمع ، فاستدعي هذا المتكلم وعاتبه عتابا خفيفا لطيفا ، وقان : " ليس مثلك يشمت لمثل فلان " ثم احضر الصاحب المتكلم الى الجد وجعله يستسمحه عما فاه به خطأ فقبل عذره وعفا عنه وصفا له .
من مغامرتهم
المغامرة سلاح النجاح كما قال الشاعر العربى :
من راقب الناس مات غما وفاز باللذة الجسور
وقد كان بمكة سنة ١٢٦٠ ه شابان يحضران درس الشيخ عمر بن عبد الكريم ابن عبدرب الرسول العطار المكى المحدث الشهير جد " عبد الله شيخ " الموظف بإدارة الاوقاف العامة بمكة الآن ، يخدمانه ويطويان له سجادته عقب انتهاء كل درس من دروسه ، وبعد ما امضيا مدة على هذا الحال استرعى أمرهما نظر الشيخ فدعاهما الى منزله واضافهما واكرمهما وسألهما : ماذا تعملان ؟ قالا : انا نشتغل فى البيع والشراء وليس لنا محل معين ، فقال لهما : " سأكتب لكما كتابا الى الصديق التاجر بجدة الشيخ محمد بغلف ، اوصيه بكما خيرا " وكتب لهما كتاب توصية إليه وقدما به الى جدة على التاجر
فرحب بهما تقديرا لكتاب الشيخ ، وقال : " انتما شريكاى وعندي ( بغلة ) - أى سفينة شراعية كبيرة من حجم معين - تحمل قهوة الى مصر فانتما وكيلاى فى مصر . اركباها واذهبا بالقهوة الى مصر وبيعاها ونتقاسم الارباح سوية " . فقبلا ذلك ؛ وعندما بلغت السفينة قرب الوجه اصطدمت بشعب وانكسرت ، فسبحا الى الشاطئ ، وعادا على ارجلهما الى مكة وقد وصلاها بعد شهرين مشيا على اقدامهما ، ودخلا حلقة درس الشيخ العطار كعادتهما السابقة فرآى ماساءه من رثاثة حالتهما فسألهما واخبراه بما وقع لهما ، فقال لهما : " لا بأس عليكا ، وسأكتب من جديد كتابا آخر الى بغلف وحملاه اليه فلما وصلا اليه قال لهما : " ان لدي بغلتين يستقل كل واحد منكما واحدة الى مصر وهما تحملان اليها قهوة يمانية وانتما وكيلاى وشريكاى فى الربح دون الخسارة " فاستقلا المركبين الى مصر وبلغاها بالسلامة وباعا القهوة وربحا فيهما ربحا عظيما وعادا برأس المال وبالربح الى صاحبهما بجدة وكان هذا اول عهد اسرتهما فى الثراء الذى تسلسل فى الابناء الى الآن .
