الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10الرجوع إلى "المنهل"

صفحة مشرقة من الشعر النبطى فى بلادنا, شاعر البادية

Share

عرفت شاعر البادية الصديق " سعد بن حريول " فى أشعاره النبطية المتقدة بحب بلاده العزيزة واخلاصه لها ، وذوده عن حياضها ، وجهاده في سبيل تقدمها .

عرفته مسلما غيورا ، وعربيا أبيا واجتماعيا واعيا .

وكم كنت أرغب في التعرف اليه عن كثب ، والاستماع اليه وهو ينشد اشعاره بلهجته البدوية المؤثرة الجذابة ، التى تستحوذ على الأنفس ، وتهز المشاعر ، وتأخذ بمجامع القلوب

وفي ليلة من ليالي الشتاء الطويلة والرعد يقصف ، والمطر ينهمر وافانى الصديق الاديب المفكر الشيخ عبد الله الملحوق ، ومعه شخص من الاهل ، وبعد المصافحة وتبادل التحية قال :

" هذا سعد بن حريول ، هذا شاعر البادية . . " خفق قلبي عندما نطق بهذا الاسم ، واحسست كان البادية جاءت الى بطيب اعراقها وكريم اخلاقها وعميق أسرارها وشتى عجائبها ، لتجزيني ودا بود ووفاء بوفاء .

يا لها من ساعة !! منتشية بسير

أبطال البادية الفاتحين معتزة بكبير أمجادهم ذات المثل الانسانية العليا .

ما أروعها من ساعة حماسية مسحورة ، مترعة بكل ما نشتهي من ذكريات بلادنا الحبيبة جادت بها شاعرية جوابة خفاقة فى لمحة مفتونة عابرة . .

أجل هي ساعة من زينة الحياة ، كان ينشدنا فيها شاعر البادية أشعاره وهو في زحمة فرسانها المغاوير وصهيل خيولهم ، وخفقان اعلامهم .

وكان يجول بنا بين عواصمها وقصورها المزدانة بالمهرجانات وبين معالم تاريخها ومشاهد أحداثه وبين الاطلال ومضارب الاعراب .

وما زال ينشدنا حتى افضى بنا الى قصيدته الاخيرة " البريمي لنا " القصيدة التى هزت مشاعر السعوديين فى كل مكان .

فى هذه القصيدة شاهدنا المصلح الاسلامي الكبير الامام القاضي الشيخ محمد بن عبد الوهاب وقد أوجعه ما آل اليه وضع القبائل العربية التى كانت معدن المعارف والهداية والوعي

الاجتماعي ومنبع البلاغة والفصاحة في العالم ، من التفكك والتناحر والجهل ومن البعد عن حقيقة الاسلام حتى اضاعت امجادها السامية وآدابها العالية وانحلت ذلك الانحلال الديني والسياسي المبكي .

أوجعه ذلك فغادر بلدته الى الدرعية وعرض الامر على جد الاسرة السعودية الامير محمد بن سعود واضع حجر النهضة الاول . وافهمه أن هذه الامة لا يصلح آخرها الا بما صلح به أولها . الا وهو الاستماك بهدى الاسلام ، كما هو في منبعه الصافي الموار ، خاليا من الزيادة والنقصان ومن البدع والخرافات أى الاستمساك بما كان عليه سلف هذه الأمة الصالح .

أدرك الامير محمد ما يقصد اليه الشيخ محمد بن عبد الوهاب من الدعوة السلفية الكريمة وما يهدف اليه من اعادة الحياة الاسلامية الصحيحة فى جزيرة العرب ، لتعود اليها وحدتها وقوتها وامجادها واعتزم أن يرصد لها حياته فقال كلمته

المشهورة " انا لها انا لها " واخذ يجاهد ويناضل في سبيل اعادة حقيقة كلمة التوحيد ، وتوحيد الكلمة فى جزيرة العرب مع الصدق والثبات على أداء حقوقها ، مهما كانت التضحيات ، حتى أتم الله على يده النصر . ومن ذلك اليوم لقبه ابناء الجزيرة " راعي العوجاء " وأطلقوا كلمة بموجاء على كلمة التوحيد لأن

الحال المتأخرة التى أفضت اليها القبائل العربية في القرن الثاني عشر الهجرى ، جعلتها تعجز عن النطق بها صحيحة وتراها صعبة تلتوى بها السنتها وتعوج ، فاطلقوا عليها اسم عوجاء . .

عرض علينا كل ذلك شاعر البادية بأسلوبه البدوى الحلو في شعره النبطي :

يشهد لنا التاريخ كل شئ يبينه

يوم السنين اللى مضت في شهورها

محمد بن سعود الذي صيته اشتهر

هو مؤسس العوجاء وقام معمورها

بين له القاضي على الحق وانتهض

والاصنام جاها هي واهلها دبورها

كبر وهلل وقال للناس هللوا

وقالوا : هذى عوجا تلو عسورها

وقال ذي كلمة التوحيد اناراع لها

ومشى عليها لين عزز نصورها

والذي أدهشنا في شاعر البادية

أنه كان يعرض علينا احداث البادية

عرض الصور المتحركة الناطقة .

وفي هذه القصيدة " البريمي لنا " رأينا الامير تركيا مؤسس الدور الثاني للنهضة السلفية السعودية فى جزيرة العرب راكبا جواده وفي يده " الاجرب " سيفه البتار وهو يجمع كلمة ابناء الجزيرة حول كلمة التوحيد ، ويقودهم الى النصر والعزة والتفاهم . .

وكم اخذتنا الفرحة باجتماع كلمة أبناء الجزيرة فى عهد الامير تركي . وامتداد سلطة حكومته وقلنا ياليت

ساسة الانجليز الذين قرروا أن البريمي ليس من الملكة العربية السعودية معنا الآن ليدركوا ما كان لها من الامتداد ، وتوحيد كلمة الجزيرة فى عهد الامير تركي ، وكيف كان عماله يجبون له الزكاة من عمان ومسقط والبحرين وسواها . ولا ريب أن الاحرار المنصفين من اية

امة يفرحون لمثل هذه الوحدة الكريمة الحرة التى من شأنها أن تزيل كل اقذار الضعف والانحلال ، لان الانسان الكريم ينظر الى الامم بالمنظار الذي ينظر به إلى أمته . . فيحزنه الجهل والانحلال والتفرق والضعف سواء في أمته أو في غيرها كما يفرحه العلم والتماسك والتجمع والقوة في كل أمة . .

وهذه الصفحة الطافحة بالفخار والسؤدد التى عرضها علينا شاعر البادية من تاريخ الجزيرة فى عهد الامير تركى . جعلتنا نعتقد ان وطننا الذي شرفه الله بنزول خاتم الكتب السماوية - " القرآن المجيد " سيظل مطلع النور والهدى والاخلاص والقوة والاجتماع والادب السامي الرفيع الى يوم القيامة :

وتركي بلجرب هو خويه ومساعده

شهودى كلامه فى معاني سطورها

يقول كل من خويه تبرأ

وحطيت الاجرب لي خوي صبورها

وحكم عمان وقدموا له زكاتهم

وغرب الخليج الفارسي في حجورها

وياخذ على البحرين ومسقط وغيرهم

ضريبة تسلوم من دون شورها

وهنا صمت شاعر البادية قليلا ، ثم رأيناه يعتدل في جلسته وتأخذه موجة من الحماسة والشوكة والاعتزاز والفخر ويرفع يده ويزيح الستار فاذا نحن حيال مؤسس الدور الثالث للنهضة السلفية السعودية الملك المرحوم عبد العزيز آل سعود ، وهو يقتحم المخاوف ويركب الاهوال والمصاعب ليمنح الجزيرة العربية الحرية والوحدة والقوة وروح الاسلام الصحيح الذي كان عليه رسول . بالله

صلى الله عليه وسلم واتباعه الاول الاكارم ، كما رأيناه يخلصها من يد الاتراك بكل جرأة واقدام وتضحية حتى وصل بالمملكة العربية السعودية الى السماك الرامح . وكيف اسلمها فى ضمانة نسر ذي مرة ونفاذ بصيرة ووعي واخلاص وخلق ودين . هو

جلالة الملك سعود المعظم الذي سار بالمملكة الى الحضارة والتقدم والشوكة والسلطان والمعارف والصنائع . الملك العربي الذي أخذ نفوذه وحبه وتقدير أمجاده الكبرى تمتد افراحها فى شتى بلاد العروبة والاسلام .

وما اهتمام جلالته بالحرمين الشريفين وتعميرهما وتعمير المساجد كافة والمعاهد العلمية والصحة العامة والجيش ، عن بال العرب والمسلمين ببعيد . . ولنسمع منه هذه الأبيات بانعام نظر وتأمل : وعبد العزيز اللى فعوله تبينت

حول على الأتراك في وسط سورها

اسس جزيرتنا على الدين والهدى

وسع نواحيها وطول متورها

وتولاها سعود وكل شئ مزوده

وتزينت لسعود بأحسن عطورها

جدد شباب المملكة في نظامها

فى نهضة تسر غاية سرورها

بني المساجد والمدارس وغيرهم

وفي كل ما يلزم تنور زهورها

أبو فهد طيبه بالاقطار اشتهر

عاهل جزيرتنا مجير كسورها

كل العرب وأقطار الاسلام زارهم

الف قلوب ماضيات نفورها

وفي هذه الليلة الجميلة قلت لوأن الدكتور طه حسين كان يصغى معنا الى شاعر البادية الأمي " سعد بن حريول " وهو ينشد قصائده النبطية الطويلة الكثيرة عن ظهر قلب لأدرك سوء تسرعه في حكمه السطحي الجائر على الشعر الجاهلى .

وفي هذه الليلة تمنيت أن يكتب

الله لشاعر البادية أن يتعلم العربية الفصيحة ، ويسير عليه تعلمها لكثرة ما يحفظ من مفرداتها الصحيحة بحكم نشأته في البادية .

وكل ما يحتاجه ان يعان على التفرد والانقطاع للدراسة عاما أو عامين ، فانه بلا ريب يأتي بالعجب العجاب من جيد شعر العرب الفصيح لخصب شاعريته الفطرية وغزارة هادتها وانه بلا ريب سيخلد تاريخ النهضة السلفية السعودية في جزيرة العرب كما خلد أحمد المتنبي نهضة آل حمدان في بلاد الشام فهو ابن البادية البكر

الذي سبر اغوارها وتعمق احوالها ، وتدبر احداثها وعرف مجاهلها ودروبها فما يحسنه سعد من ضروب القول عن الجزيرة العربية وعن آمالها وابطالها وامجادها ونهضاتها لا يحسنه سواه فهو ابنها البار الذي يفرحنه تقديمها ويحزنه تأخرها وقد صدقت الامثال القديمة ، فما راء كمن سمع .

اشترك في نشرتنا البريدية