الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4 الرجوع إلى "الفكر"

صلات بين الشابي وأبي شادي، رائد (( أبولو ))

Share

1 ) تونس التاريخ والمجد والحضارة فى عصرها الذهبى ، عصر المجاهد الاكبر الحبيب الزعيم بورقيبة لا عجب أن تحتفى بالذكرى الخمسين لوفاة ابن من أكبر أبنائها ، وشاعر من أعظم شعرائها ، وهو أبو القاسم الشابي ( 1909 - 1943 ) ، الذى مات عن خمسة وعشرين ربيعا ، كما مات موهوبون خالدون من شعراء الشباب ، فى الوطن العربى ، قديما وحديثا ، من أمثال : طرفة بن العبد ( 560 م ) ، والتيجانى بشير ( 1912 - 1937م ) ، والشرنوبى ( 1926 - 1591 ) ، والهمشرى ( 1808 - 1938 ) وغيرهم ..

والشابى مفخرة من مفاخر العرب فى العصر الحديث ، وموهبة نادرة فى الشعر قل أن يجود بمثلها الزمان .

2 ) كان يملك موسيقى رائعة ، لا يؤتاها الا القلة من الشعراء ، من أمثال : النابغة ، وجرير ، والبحترى ، والشريف الرضى ، ومهيار ، وشوقى ، وناجى وكان يملك خيالا خصبا يمنحه اجمل الصور الشعرية الفاتنة ، وكان ذا ثروة ومقدرة لغوية واسعة ، تهبه القدرة على التعبير الرفيع عن تجاربه الشعرية الاصيلة ، ومن معجمه الشعرى الكبير انطلق يغنى الحانه ، ويردد أناشيده فى طلاقة وجمال صياغة ، وخفة روح ..

ان عمق التجربة ، وثراء المعانى ، وخصوبة الخيال ، وروعة الصور ، فانسانية الروح ، هى بعض أسباب من عظمة الشابى .. الذى استحق المجد والخلود بشعره الساحر العظيم .

وكان الشابى يعرف الشعر بأنه تصوير وتعبير ، أليس هذا هو تعريف بأنه اسلوب فى التعبير عن الأشياء على طريق التأويل والاستعارة ، أليس هو فحوة ..تعريف العقاد للشعر بانه (( التعبير الجميل عن الشعور الصادقة)) اليس هو قريبا من تعريف أبى شادى للشعر بانه (( تجربة صادقة يعبر عنها الشاعر فى طلاقة وابداع ، وانه لسان الحياة العصرية ، وان الشعر الرفيع هو ما عبر عن الشعور تعبيرا فنيا أصيلا ، ولم يكن ابتذالا أو تقليدا.

والشابى هو الذى يقول (1 ) :

انــت يا شعـــــر قصة عـــن حيـــاتى     انت يا شعر صورة من وجودى

انت يا شعر ان فرحت أغاريدى     وان غــــنــــــت الكـــآبــــة عـــودى

ولقد كان الشابى شاعرا عبقريا مطبوعا ، غنى للحــب والجمال والطبيعــــة والحرية ، واجاد التعبير عن الحياة البشرية اجادة بارعة ، وكان يفهم الشعر حق الفهم ، ويسلك كل مناحى التجديد فيه : خيالا ومعانى وأفكارا وموسيقى ورؤيا وصورا شعرية أخاذة ، مع نزعته الصوفية الجميلة الحلوة في شعره ، الذي كأنما  قد صيغ من نضارة الزهر ، وبراءة الطفولة ، وجمال الربيع ، وعذوبة النهر ، وملاحة الحسان الغيد.

ليس الشعر عند الشابى الفاظا واسلوبا فحسب ، بـــل هـــو روح ، حياة ، دماء تتدفق ، حركة وحوار نفس عميق ، صور فاتنة خلابة ، براءة وطهر وذوق رفيع ، هو الحياة ، وهو الوجود ، وهو الكون كله والشابى ابن الزيتونة الخالدة حببه والده الأزهرى الثقافة فى قراءة التراث الشعرى ، فاستمر منه ملكته الفنية الغنية فى الشعر ، وقرأ شعر الشعراء المعاصرين ، من مدارس: المحافظين ، والمهجرين ، وشعراء الديوان ، وشعراء أبوللو ، ومختلف مدارسنا الشعرية . وقرا لأمير الشعراء أحمد شوقى ، ولأمير الشعر التونسي محمد الشاذلى خزندار ، واستمع ال اقرانه الشعراء الشباب ، من أمثال : سعيد أبى بكر ، ومصطفى - خريف ، ومحمود بورقيبة ، وعبد الرزاق كرباكة ، ومحمد الحليوى ، ومحمد العروسي المطوى ومحمود الباجي ، وسواهم ..وكتب في سنه الباكرة شعره ، فهز وجدان الشعب العربى هزا عنيفا ، بأغاريده الحلوة،  وقصائده الباهرة ، ووطنياته الثائرة ، وهتفت الجماهير لشعـــره في الشرق والغرب ، ورددته فى مختلف الاحداث والمناسبات.

والشابى بعبقريته ، وبمجده ، الذي ناله بعد وفاته ، حرى بكــــل تقدير  ،  خليق باجتماع الصفوة من النقاد والشعراء والادباء والمفكرين لتكريم ذكراه فى وطنه فى هذا المهرجان الخالد ، كما كرمته رابطة الادب الحديث فى القاهرة فى مهرجان كبير ، جمع صفوة من أبناء العرب الميامين .

3 ) والشابى شاعر رومانسى ابوللى حالم ، استمد نسيج قصائده من الطبيعة والكون والحياة ، ومن الحزن العظيم ، والألم العاتي الذي كانت حياته تزخر ب ومن تجارب انسان العصر ، ووجدان الحر الثائر ، وحين يقول فى مذكراته  : ان الشعر ، أو هذا الفن الرفيع من الأدب ، الذي يتخذ من الطبيعة رموزا لمعاني النفوس ، جميل جد جميل ، ولكنه سام جدا ، وغامض في سموه ..كان يوقن أنه اختار نهج الرومانسيين ومذهبهم طريقا لفنه . ويكتــب لصديقه محمــد الحليووى فى عام 1929 رسالة يقول فيها : (( سأظل سائرا فى سبيلي ، وسأظل ناثرا ، فى هذه الحقول الجرداء العارية بذور الأسى ، الى أن يبدو القمر الجميل فتتفتح الاكمام عن ورود جميلة ضاحكة ، ويغرد البلبل من وراء الزهور )) ..

وبلاريب كانت الاعوام الثلاثة الأخيرة من حياته جد حافلة بمختلف التيارات الوطنية والشعرية .

فمن الجانب الوطني : كان كفاح وطنه العظيم يملؤه بالثقة عن غد مشرق لشعبه ، وكأنما كان يحلم بعصر الحرية والاستقلال الذي تعيشه أمته اليوم ،  حتى ليقول من قصيدته (( زثير العاصفة )) ( 2 ) :

سيثأر للعـــــــز المحطـــم ناجــــــه       رجال إذا جاش الردى فهو همـو

رجال يرون الذل عارا وسبــة     ولا يرهبون المـوت والمـوت مقدم

ويقول من قصيدته (( تونس الجميلة)) :

أنـــا يا تـــونس الجميلــــــة فى لــج   الهوى قد سبحت أى سباحه

شـــرعتى حبــك العميـق ، وانــى   قــــد تذوقــت مـــــــره وقراحـــــــه

ان ذا عصــــر ظلمة غـــير أنـــــــى   من وراء الظلام شمت صباحه

ضيع الدهر محـــب شعبى ولكــن   ستــــرد الحيــــــاة يومــــا وشاحــه

ويهتف من أعماق نفسه ثائرا حرا :

إذا الشعب يومــــــا أراد الحيـــــاة       فلا بــــد ان يستجيــــب القـــــدر

ويخاطب بني وطنه ، مستثيرا ، مستنهضا الهمم ، ليعملوا من أجل تونس وومجدها وحريتها ، فيقول :

كذا صاغك الله يا ابن الوجود      وألقتك في الكون هذى الحيــــاه

فمـــا لـــك راضى بذل القيــــــــود      وتحنـــى لمـــــن كبلـــــوك الجبـــــاه !؟

وفي العام الاخير من حياته ولد الحزب الحر الدستـــــــورى الجديــــــد  ،  فقاد الزعيم الحبيب المجاهد الاكبر جماهير شعبه فى طلب الحريــــــة والاستقـــــــــلال،  وحضر الشابى بعض اجتماعاته الشعبية ، وسمع قبل وفاته باعتقال زعيم بلاده وبنفيه إلى الجنوب ، فكانت هذه الاحداث تهزه هزا شديدا ، ويصوغها من شعره هتافا مدويا بالحرية ..

ومن الجانب الشعرى : كان مولد جماعة أبولو الشعرية عام 1932 ، وظهور مجلتها الشعرية ، حدثا كبيرا فى حياة كل الشعراء العــــــــرب ، وخاصـــــــة شعراء الشباب ، وفي مقدمتهم الشابى والحليوى والعروسي المطوى ، والتيجانى يوسف بشير ، ومحمد حسن عواد . وسواهم من شعراء العالم العربى .

واحتفت مجلة أبوللو بقصائد الشابى ، التى لقيت الاقبال والذيوع والشهرة في كل مكان من الوطن العربي .

وكتب الشابى فيها بعض الفصول في الادب والنقد ، ثم كانـــــت مقدمتـــه الجميلة لديوان الدكتور أبى شادى (( الينبوع )) وكان ذلك مظهرا من مظاهر الروح الأبولية عند شاعرنا الشابى ، هذه الروح التى قادت خطاه فى أعوامه الاخيرة ، والتي غرست في قلبه بذور الثقة والامل ، وعـــــــززت اتجاهه نحــــــــــو الرومانسية ، ودعمت في روحه فكر الثائر ، وايمان الشاعر ، ووجدان الانسان فكانت أناشيده لأمته وللحياة وللناس من حوله ، وهى أناشيد قلما كتبها شاعر معاصر ، وكانت تحكى عن قصة ألم شديد ، عاش فى أعماق نفسه ، ثم انطلق منه الى أمل كبير ، فى غد مشرق لأمته .

ويشيد أبو شادى بوطنيات الشابى وبانسانياته ، وأعجب بروائعه ، وقال عنه : انه الشاعر المحلق ، الذي لم تعقه احلامه عن النزول فى ميدان المجتمع

والشعب ، ويؤكد أبو شادى أن أعظم تجاوب للشابى مع  زملائه من شعراء ((أبولو )) .

وقد تأثر الشابى بمنهج أبى شادى فى استلهام العديد من قصائده من التراث ، ومن الاساطير .

وينظم أبو شادى على وزن جديد قصيدتيه :

اضحكى يا رمال

من هدير الميـــــاه

انتهب يا شعــاع

نبض قلــبي الحزيـــن

فيعجب الشابى ، كما يعجب الشاعر ابراهيم ناجى كذلك ، بالقصيدتين ، وبوزنهما الجميل ، ويكتب الشاعر ابراهيم ناجي على هذا الوزن قصيدته ((عاصفة الروح )) ، ويكتب شاعرنا الشابي عليه أيضا قصيدته (( الصباح الجديد )) (4 ) التى يقول فيها :

الوداع الوداع يا جبــال الهمــوم

وقد نظمها الشابى من الخامس من ابريل عام 1933 ، متجاوبا مع أبى شادى فى الموسيقى والصور الشعرية .

وموسيقى الشابى فى قصيدته الخالدة (( صلوات فى هيكل الحب )) (5) . متجاوبة مع موسيقى قصيدة أبى شادى(( عروس المأتم ))  من ديوان ( زينب ) لأبى شادى ، والتي كان الشابى معجبا بها ، ومطلعها :

عذبة أنت فى الخفاء وفي الجهر

وفى الهجر يا أغاني الظلام

وتتلافى قصيدة الشابى (( ارادة الحياة ))(6 ) مع قصيدة أبى شادى ((النهضة  ارادة ))، كما تلاقي في قصيدة ((النهر المتجمد )) لميخائيل نعيمة ، وفي قصيدة

((فى ظل وادى الموت )) (8 ) مع ايليا أبى ماضى ، وكان يقول عن جبران :(( انه قوى يجوب أعماق الحياة )) كما تلاقي مع شاعر القيروان فى القـــرن الخامس (( الحصرى )) وعارضه فى قصيدته الدالية  (( صفحة من كتاب الدموع )) (9)  .

وهذا الالتقاء هو التقاء شاعر عظيم بشاعر عظيم ، وليس التقاء تقليد أو احتذاء ، وتميز الشابى بأناقته الشديدة فى شعره ، وشاعريته التى هى شاعرية فنان مبدع محلق ، مما لفت أبا شادى اليه ، وقال عن شعره : انه شعر العبقرية والتفوق ، ووصفه بأنه أحد أولئك الافذاذ العالمى الروح ، وبأن فنه يتجلى فيه كله حب الاستغراق فى المعانى ، والتحليق بالأخيلة ، والتأنق في الالفاظ والموسيقى ، والتفكير فى المثاليات النبيلة ، وان طاقته الخارقه لم تحمل سوى الحقائق الازلية الخالدة (10 ) ، ويؤكد ابو شادى أن الشابي لم يتأثر بالادب المهجرى ، أى تأثر خاص ، ولو حاء شطر أو بيت له فى صياغته الكلاسيكية - مع اختلاف المعانى ـــ مماثلا لصياغة جبران أو سواه ، مثلما يقع الحافر على الحافر كما يقال  .. فأيـــة مشابهة بيــــن شعــره وشعـــــر الشعــــــــراء المهجرين هى من باب المصادفة لا أكثر    .

واني استبعد ذلك ، وأرى أن الشابى قرأ للمهجرين وتأثر بهم ، وتجاوب معهم فى بعض قصائده  .

ويؤكد ابو شادى حقيقة أخرى وهى أن اعظم تجاوب للشابى كان مع  زملائه شعراء أبولو ، حتى قبل ظهور مدرستها .. وهذه مسألة نوافق فيها أبا شادى لان في شعر الشابي الكثير من مظاهر التجاوب مع شعراء مدرسة أبولو  ،  وذلك فى قصائد نظمها قبل عام 1932 ، وهو عام ظهور أبولو كمدرسة وذلك من مثل قصيدة ((صلوات في هيكل الحب )) التى نظمها الشابى فى 13 اكتوبر من عام 1931 . . ويضيق المقام هنا عن الكثير من الموازنات بين قصائد للشابى ولشعراء أبولو تثبت ما نقوله وما قاله أبو شادى من قبل .

5 ) ولنرجع الى ما بين الشابى وأبى شادى من صلات لنرجع الى " رسائل الشابى " التى نشرها الشاعر الكبير المرحوم الاستاذ الحليوى ، فهي تفسير لنا الى حد ما بعض جوانب هذه الصلات ، وتشرح لنا كذلك احلام الشابي في هذه الفترة وآراءه فى كثير من جوانب الحياة والادب والشعر :

1ـــــ فى الرسالة الحادية والعشرين من رسائل الشابى الى صديقه الحليوى  يقول أبو القاسم الشابى :

(( ورد على فى الاسبوع الماضي  العدد الرابع من مجلة أبولو المصرية ( 11 ) ،  وهى مجلة لخدمة الشعر الحي ، كما يقول محررها ، وهذا العدد خصصته لشوقي ، بصفتها هي لسان جمعية أبولو ، ولأن شوقي أول رئيس لها ..ثم ورد على بعد ذلك بيوم من سكرتير الجمعية ، ورئيس تحرير المجلة د أبو شادى مكتوب قال فيه : انه يرغب فى امداد المجلة ، بما يمكن من شعر ونثر ،  واننى سأجيبه ، واوجه اليه اشتراكى وشيئا من الشعر  ..  والعدد الخاص ..    بشوقي بالطبع هو عدد ديسمبر 1932 )) .

ويرد عليه صديقه الحليوى فيقول : ((سمعت عن المجلة ولم أرها على كل حال . لقد تفاءلت بالتماس تلك المجلة لشعرك ، فلعل عبقريتك تظهر فى مصر )) .

وبالطبع ، وكما تنبأ الاستاذ الحليوى " رحمه الله " ظهرت عبقرية الشابى فى مصر .

وفي الرسالة الثانية والعشرين يقول الشابى لصديقه الحليوى  : أما علاقتى انا بأبوللو فقد حدثتك فى رسالتى السالفة باننــي وجهت لها قصيدتين والاشتراك ، وطلبت من صاحبها ان يوجه الى الاعداد الاولى منها..وقد ورد على كتاب منه يفيد ذلك، وطيه الاشتراك قائلا : انه يستسمحنى عذرا فى ارجاعه لأن المجلة توجه الى كهدية خالصة ، وصحبته ورقة مطبوعة في طلب العضوية بجمعية أبولو ، حتى يضمن اسمى فى مثبت اعضائها )) .

3 ــ وفي الرسالة السادسة والعشرين بتاريخ 12 نوفمبر 1933 يذكرالشابى انه أجمع العزم على طبع ديوانه ، وأنه وصلته رساله موجهة اليه من أبى شادى يطلب فيها اليه كتابة تصدير لديوانه (( الينبوع )) الذي يباشر طبعه الآن .

4 ــ وفي الرسالة السابعة والعشرين ، وهي بتاريخ 22 نوفمبر 1933 : يذكر الشابى أنه سير سل إلى أبى شادى المقدمة التى كتبها لديوان (( الينبوع )) .

5 ــ وفى الرسالة الرابعة والعشرين يقول الشابي للحليوى وجهت دراساتك إلى أبولو ، ومعها ثلاث قصائد لي ، كما أرسلت كلمة رد على الاديب مختار الوكيل (12) ، وقد لاحظت أن يكون الرد رقيقا.. وقد قدمتك الى أبى شادى وتسكت الرسائل بعد ذلك عن كل شئ مما بين الشابى وابى شادى من  صلات

هذا قليل مما أردت أن اقوله فى هذه المناسبة فى يوم المهرجان ، مهرجان الشابى العظيم الخالد ، في ذكرى وفاته الخمسينية ، وهذا المهرجان درى صفحات مجلة أبولو .

وفاء وعرفانا بالفضل لشاعر مبدع خلدته وتخلده عبقريته على مرور الأيام ..

اشترك في نشرتنا البريدية