كانت شروط صلح الحديبية فى ظاهرها هزيمة للمسلمين كما اعتقد الكثيرون ولكن الله جعل من هذا الصلح فتحا عظيما للمسلمين ولقد كانت اهم شروط الصلح ما يأتي :
(١)ان يعود المسلمون من حيث أتوا في هذا العام وان يزوروا البيت في العام الآتي اي في السنة السابعة للهجرة وان لا يمكثوا بمكة الاثلاثة ايام فقط .
٢) ان يعيد المسلمون من يلجأ اليهم ممن يعتنق الاسلام من أهل مكة ولا يسلم أهل مكة المرتدين .
٣ ) ان تعطى القبائل العربية الحرية تحالف قريشا او محمدا .
اما مدة الهدنة فكانت عشر سنين يأمن فيهن الناس ويكف بعضهم عن بعض مما جاء فى نص الصلح الصريح ولقد اشهد الرسول على الصلح رجالا من المسلمين ورجالا من المشركين ثم دخلت خزاعة في عهد محمد صلى الله عليه وسلم ودخلت بنو بكر في عهد قريش كمانص بذلك النص الثالث من اعطاء الحرية للقبائل تحالف من شاءت . ونحن اذ انا فشنا الصلح فانا نخرج بنتيجة عظيمة وهي ان قريشا قد اعترفت بالدين الجديد ولقد كان وقعه على المسلمين اشد من وقع السهام المسمومة وقد ظن اكثرهم انه هزيمة لهم ودار بين عمر بن الخطاب وابى بكر رضي الله عنهما حوار حول هذا الموضوع فقد كان عمر يرى مقاتلة قريش او ان يكون صلحا ليست فيه هذه الشروط ولقد انتهى الحوارباقناع عمر . ولكن الرسول امن بانه منصور لا محالة ورضيت قريش ورضى الرسول وعاد برهطه الى المدينة على ان يزور البيت فى السنة التالية وبذلك نفذ الرسول الشرط الأول .
أما الشرط الثاني وهو ان يعيد المسلمون من يلجأ اليهم ممن يعتنق الاسلام من اهل مكة ولا يرد اهل مكة المرتدين فقد ظهر فيما بعد انه لم يؤثر على الاسلام فى شئ بل بالعكس كان من عوامل نصره العظيمة . فان النفر الذين ردهم الرسول الى قريش ايفاء بالعهد لهم على رأسهم أبو جندل بن سهيل بن عمرو وابو البصير عتبة بن اسيد بن جارية وقد لاقي ابو جندل الامرين من قريش وعلى راسهم ابوه سهيل واستنجد بالرسول خشية ان يفتنوه فى دينه ولكن الرسول امره بالعودة لانه قطع العهد على نفسه بذلك وبشره بالنصر
اما ابو البضير فقد رده الرسول ايضا الى قريش حينما قدم اليه من مكة وقد كان محبوسا بها وقد اسلمه الرسول للرجل العامري الذي بعثت به قريش مع مولى لهم ليسلمهما الرسول ابا البصير ولكن ابا البصير قتل الرجل العامري فى الطريق وعاد الى الرسول ثملا بنشوة الانطلاق .
ولقد ذهب ابو البصير بعد ذلك الى منطقة ) العيص ( على ساحل البحر الأحمر فى طريق تجارة قريش ولقد خرج اليه المسلمون الذين كانوا بمكة يذوقون الوان العذاب والتفوا حوله في تلك المنطقة حتى بلغ عددهم سبعين رجلا واخذوا يقطعون الطريق على قريش ويؤذونهم حتى اضطرت قريش الى الغاء هذا النص والسماح لهم بالذهاب الى المدينة فكان الرسول في حل من تعطيل هذا النص اما المهاجرات فقد اكرم الرسول وفادتهن واخبر قريشا حين طلبت اليه ردهن بان النص لا ينطبق الاعلى الرجال فقط ولا ينطبق على النساء والى تسليمهن
اما النص الثالث الذي يعطي الحرية للفريقين يحالفان من اراد من العرب فقد اعطي النبى فرصة جميلة للتفكير فى نشررسالته الدينية وقد استغل الرسول هذه الفرصة الذهبية وفي السنة السابعة ارسل الرسول رسالة الى الملوك وولاة العهود يدعوهم الى الاسلام ومنهم ملك الحبشة وكسرى وامبراطور الروم .
ولقد ظن اليهود ان هذا الصلح يوم ان عقد ضربة قاضية على المسلمين لذلك بدءا يفكرون فى القضاء على المسلمين فاتصلوا بغطفان غربي نجد وأعدوا جيشا قصدوابه القضاء على المسلمين فعلم الرسول بذلك فارسل اليهم
حملة تتألف فى معظمها ممن حضروا صلح الحديبية الى خبير مقر بني النضير وكان عدد جيش الرسول ١٦٠٠ مقاتل وقد استطاعوا حصر اليهود في خبير بعد ان قطعوا الاتصال بينهم وبين حلفائهم فهزموا هزيمة شنيعة وقد رضوا ان يدفعوا نصيف منتجات بلادهم للمسلمين واخضع المسلمون البلاد الواقعة شمال خبير وقد رضي اهل فدك كما رضى اهل خبير ورضيت ) تيماء ( شمال يثرب ثم اضطر اهل وادى القرى من اليهود للخضوع للمسلمين . ويبدو أن قريشا احست بان صلح الحديبية على قسوته الظاهرة - كان فى صالح المسلمين ولذلك عولت على نقضه . والتاريخ يذكر ان الجماعة القرشيين حرضوا حلفاءهم بني بكر ضد خزاعة حليفة الرسول . وقد اعتدى البكريون فعلا علي الخزاعيين وتعقبوهم حتى الكعبة وقتلوا عددا وفيرا منهم فطلبوا النجدة من الرسول فبعث الرسول الى قريش وطلب اليها ان تدفع ديات القتلة الى خزاعة او تتخلى عن بكر او تعتبر نقض صلح الحديبية فرفضت الشرطين الاولين ورضيت بالثالث وهو النقض . على ان قريشا وكبيرها ابو سفيان رأت انها قد اخطأت فى تصرفها هذا فذهب ابو سفيان ووسط محاولا اعادة صلح الحديبية وهكذا ترتب على نقض صلح الحديبية فتح مكة واكتساب المسلمين كثيرا من الاعوان والحط من قيمة قريش ولقدتم الفتح ولم ترق فيه قطرة من دم الافى اماكن بسيطة وكان فتحا عظيما امن الرسول فيه الناس وعفاعن اعدائه وعمن تصدى لا يذائه يوم ان قام يدعوا الى دين الله ونحن هنا لا حاجة بنا الى تفصيل الفتح فان له بحثا مستقلا مستفيضا .
ولقد اخذ اهل مكة يسلمون تدريجيا ويجب ان لا تنسى ان بعض القبائل مثل بنى سليم وبعض قبائل مكة والمدينة اعتنقت الاسلام وانتشر الاسلام في الارجاء بعد الصلح الحديبية وقد كان عدد جيش المسلمين حين فتح مكة عشرة آلاف مقاتل وذلك على اثر فتح خيبر وانهزام اليهود وقد انضمت غطفان واسلمت كما اسلمت بنو سليم وقد قاومته قبيلة هوازن وحليفتها ثقيف ولكنه اخيرا هزمها فى موقعة حنين . ولقد بذل الرسول مجهودا
آخر فى نشر الأسلام وذلك فى السنة التاسعة للهجرة عام غزوة تبوك وكافي سببها اذا الروم اعدوا العدة للقضاء على الرسول لأنهم كانوا بريدون نشر المسيحية وقد ارادوا تخليص بلاد العرب من قوة المسلمين فلما سمع الرسول سيرجيشا جرارا عدته ثلاثون الفا وما ان وصل الجيش حتى علم ان الاعداء قد انسحبوا فانتهت مهمته ولقد بعث بخالد الى ) دومة الجندل ( ففأجاها واسر ملكها وأتى به للرسول وبعد حنين وتبوك دخل عرب الشام في الاسلام
اما العام العاشر فقد كان عام الوفود حيث اقبلت فيه الوفود من اليمن ومن حضرموت ومن عمان والبحرين واليمامة تطلب الدخول فى الأسلام ودخل الناس في دين الله افواجا وكل ذلك كان بعد صلح الحديبية الذي كان نصرا عظيما للاسلام .
ثم ماذا يا سيدي القارئ او لست معي الآن تقول إن صلح الحديبية كان نقطة تحول في تاريخ الأسلام ؟ وكان كما عده الله تعالى فتحا مبينا فى قوله جل وعلا : / انا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تاخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما ) وقال في بيعة الرضوان تحت الشجرة ( لقد رضي الله عن المؤمنين اذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما فى قلوبهم فانزل السكينة عليهم واثابهم فتحا قريبا ومغانم كثيرة ياخذونها وكان الله عزيزا حكيما* وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه وكف ايدى الياس عنكم ولتكون آية للمؤمنين ويهديكم صراطا مستقيما .* واخرى تقدروا عليها قد احاط الله بها وكان الله على كل شئ قديرا )وقال في موضع آخر " ان الذين يبايعونك انما يبايعون الله يد الله فوق ايديهم فمن نكث فانما ينكث على نفسه ومن اوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه اجرأ عظيما"
