أمامى الان مجموعة من النماذج الشعرية للشاعر نور الدين صمود ، لم يجمعها زمان واحد ولا مكان واحد من حيث النشر . ومن خلال هذه المجموعة تبين لى ان شعر نور الدين صمود ينقسم الى قسمين : قسم أريد أن أسميه " الوانا قديمة " ، وقسما اراد الشاعر نفسه ان يسميه " الوانا جديدة " وسننظر فى القسمين
فى الالوان القديمة يبدو صمود شاعرا غنائيا فى الرتبة الاولى . فهو شاعر العطر والشذى . شاعر المرأة والحب . تصاعد كلماته رقيقة ، هامسة ، حالمة اخصبت صورا شعرية ومعانى لم تضر بها المسحة التقليدية الا قليلا . . ننظر اليه من خلال هذه الالوان ، فتراه يتخبط فى قيود من حرير ، او يتمرغ على فرش . . من " سندس خضر واستبرق " ، فى جنة دانية قطوفها ، جنت له رياضها " تفاحا " وريحانا ! لقد سلخ الفترة الاولى من حياته الشعرية يتعبد للعيون ، يحاورها ، ويستلهم الجمال حيثما انزله الله فتقرأ له فى " الجبل الاخضر " :
فى قمة الجبل الاخضر هناك نهيم بفصل الربيع
فنعبث بالشجر المزهر ونمضى مع الوهم حتى نضيع
. . . سنبنى على الورد اعشاشنا ونغزل بالعطر هذا الفراش
ونقضى الحياة لدى وكرنا وحارسنا غلة او فراش ( 1 )
ثم تقرأ له فى : " تحفتان " :
اذا التفت العطر نحوى سأمضى وأتركه دامى الكبرياء
وان غمر القلب عطر الهناء رأيت بعينك معنى الهناء
لعلى انظم بيتا رقيقا من الشعر اكتبه بالعببير
عساى انظم عقدا جميلا من النجم فى خصلة من حرير ( 2 ) !
ثم تقرأ له فى " رسالتها " :
وانساب فى دنياك مثل فراشة يظللها فى الروض عطر الازاهر ،
وأمضى وأمضى أسأل الورود ما الهدى ؟ فيركض فى عينى سحر المناظر ( 3 )
ثم تقرأ له قصيد " غيوم " ، فتلمس الاسى والحزن يخيمان على كونه الشاعرى ، لان حواءه بجانبه " يمتص السقام منها شبابها " :
واذكر ايامنا الذاهبات وأسأل وهمى : تراها تؤوب ؟
ليضحك عمرى ، كفصل الربيع واشدو بدنياه كالعندليب ،
وتورق افراح روحى الحزانى وياتى الصباح وانسى الغروب ( 4 ) :
ثم تقرأ له فى قصيد " سحر وعطر
زرعت على عنيات الشباب حقولا من الفل والياسمين ،
ورويتها بالإمانى العذاب وسيجتها بالمنى والحنين ،
ووشحتها بالشذى والظلال ، وضمختها بالسنى والعطور !
وعلمت ثغر الزهور الدلال وكم هام قلبى بتلك الثغور ( 5 ) !
ثم تقرأ له فى " جوهر وحرير " :
تسألنى جزيرة العشاق
فى حيرة المشتاق ،
تسألنى عن انهر النضار
نلوح فى انهمار
شلال جوهر ونار . . .
تنساب فوق صدرك اللجينى ،
فى عطرك المغنى ،
فى شعرك الحريرى
انهار عنبر ونور ( 6 )
وتطالعك " عيناك جدولا نبيذ " فتقرأ له فيها :
عيناك يا حبيبتى بحيرتان
اراهما فابصر الضياء والظلال
. . . اراهما فتفتح الدروب
على عوالم الطيوب ،
ويوشك الخيال ان يرى الغيوب
عيناك جدولا نبيذ
عمرهما خدر (7)
هذه نماذج من الوانه القديمة ، يلاحظ القارئ انها متحدة فى موضوعها . فهى معان متكررة لخواطره بعينها . فالشاعر فى كل حالاته يجرر وراءه ذيولا من الحرير يوشيها التبر واللؤلؤ والجوهر والجمان . . ويضمخها العطر والشذى ، والروائح متجمعة متفرقة ! ولكن معانيه رغم رتابتها وتكررها طلية ، تبعث الدفء فى الحس ، وتحرك الخيال . .
من الواضح ان الشاعر ، فى مرحلته هذه ، ما كان يقيم شأنا للكلمة
" الطيبة " او " النافعة " حسب تعبير الالتزاميين . فهم صمود ، هو البحث عن كلمة " جميلة " يهمسها فى اذن حوائه . فهو على مذهب " البرناسيين " ( Les Purnassiens ) الذين يرون ان كل نافع قبيح ( Tout ce qui est utile Laid) وكانى بصمود يقول مع نزار قبانى .
" انا ناقل عطر . سفير يحمل الزنبق الى مزهرياتكم . . ليس عندى لكم خبز . . ولا كساء . . ولا دواء . . حياتكم أثمن من ان تستحيل الى مخبز لا تعبق منه الا رائحة الطحين ، وحروفى اثمن من ان تكون قنبا يحرق فى ذلك المخبز . " ( 8 ) فصمود من تباع " الفن للفن " ، يتخبط فى عوالم يحوكها وهمه ويبنيها خياله . يتيه فى جزيرة احلام - او ضياع ، كما سماها - طفلا شرودا تستهويه ثغور الازهار الباسمة ، والوان الفراشات الزاهية ، يتيه وراءها فرحا مسرورا ، مجنونا ترك الدنيا ومنافعها لاهل الدنيا ومنافعها . يسارق النجم غمزاته والبدر خفقاته والشمس المشرقة رعشاتها ، ليجمع باقة من الالحان والالوان يقدمها هدية لعينى حبيبته ! . .
فمرحلته هذه ، اذن ، مرحلة انفصالية ، يطيب للالتزاميين ان ينعتوها بالسلبية والانهزامية . قد عبر فيها الشاعر عن " جنونه " بصورة واضحة لا التباس فيها . وهل الجارون وراء الاحلام والاوهام غير مجانين ؟ وهل التائهون فى جزر الضياع ، ينشدون الغبطة اينما حلت ، غير شعراء خياليين يأكلهم وهمهم وجنونهم ؟ ولكن الجنون درجات ، والوان ! . . ذلك ما كانه صمود فى مرحلته الاولى . شاعرا " طوبائيا " ينشد الفرحة ، بعيدا عن دنيا الناس وواقعهم ، متصوفا ، قد انعزل فى عالم بعيد ، وانفصل عن اسباب الحياة " الخارجية " - الاجتماعية - منعكفا على ذاته تزكيها خيالاته واوهامه ولا اراه من المجدى ، اعتبار ما كتبه صمود فى بعض المناسبات الوطنية شعرا " التزاميا " يشارك به المجتمع - او العالم الخارجى - مشاعره واحاسيسه . بل انه حتى فى قصائده تلك لم يتخلص من اطياف عالمه هذا
فربة الشعر قريبة منه دائما بعطرها وشذاها ، والعصافير الصادحة ، والجداول المترنمة ، والفراشات السابحة فى بحر من النور ، والزهور الباعثة فى الفضاء شذى وعطرا . . كل هذه الملامح لعالمه " الذاتى " . تغفله ولو اقتحم عالم الناس . واذكر انى سمعت له مرة فى الاذاعة قصيدة قيلت فى عيد وطنى القاها امام فخامة الرئيس ، قد تجسمت فيها كل تلك الصور ، منتزعا تشابيهه فيها من عالمه " الوردى
اما من حيث الشكل ، فان القارىء يلاحظ شغف الشاعر بالبحر المتقارب وهو بحر شغف به الشاب من قبله . ولا غرابة فالبحر رقيق تناسب انغامه الموسيقية ما يتموج فى شعر صمود من عطر ، ويضوع من شذى ، و يرتعش من انغام ويخفق من أحاسيس الحب والدفء . . ولكنه ، كشاعر دأبه اصطياد الانغام الجديدة والصور البكر ، ما كان ليهدأ عن الجوس والبحث
عن ثوب جديد مناسب لكلمته الشقراء . . لذلك ، نراه يهتم بقضية " الشعر الحر " فينشر مقالا فى الفكر ، ثم آخر فى صفحة العمل الادبية . ثم نراه يتحة جادا ، الى الاهتمام بكلمته الشعرية ، اذ رآها ، فى ثوبها التقليدى القديم ، اشبه بعروس يسمع صوتها ، ولا يرى وجهها ، ترفل فى بهرجها وزينتها التقليدية التى لا يتسنى للانسان الحديث ، الذى سئم الرتابه والالوان الصارخة ان يتذوقها . . لذلك نراه يبحث لها عن ثوب بسيط ، ملائم فى جماله ومظهره للكلمة العربية الشعرية الحديثة . قد آمن بان الشعر لم يعد كأس ذهب فى يد امير ، بل اصبح قطعة خبز فى فم كل جائع للخبر والحرية " . ( 9 ) اذن ، فقد سار صمود فى ركب " اليساريين " ، الذين حاولوا الخروج بالوحدة الايقاعية للقصيدة العربية الى شكل جديد ، بسيط يتحاشى الرتابة ، والصرامة ، والصخب فى الايقاع . . فنقرا له قصيدة " السنابل " التى اثارت بعض الضجة فى الوسط الثقافي - على صفحة العمل الادبية ، ونقرأ له قصيدة " جوهر وحرير " ثم قصيدة " عيناك جدولا نبيذ " ثم قصيدة " صمود " التى نلمس فيها تغيرا فى الشكل والمضمون
كضياع النورس الغرثان ليلا فى الخضم الهادر
تاه ما بين سمائين بقلب حائر
وبعزم ثائر
حوله الافق استدارا
وتوارى . .
ويختم القصيد ، قائلا :
" نحن كنا مثل ذاك النورس
فى اشتداد الحندس
فى التراب التونسى ،
فاملئى يا شمس أرضى
واغسلى بالنور عرضى ! . . " . ( 10 )
ولكن هذا الاهتمام بالشعر الحر يبلغ به حد الهوس ، فنراه يوجه طعنات للشعر العمودى والشعراء " اليمينيين " والعائمين فى بحره . . لعل " الناقد " كان يظنها ضربات قاضية عليهم قاصمة لهم . هى دعوة صريحه الى تطليق الشعر العمودي ثلاثا ، وتزوج الشعر الحر زواجا كاثوليكيا ! أظهر الشاعر هذا العداء فى مقال طويل أسماه " بروكروستيس وثيسيوس " - الشعر العمودى والشعر الحر - نشرته صفحة " ادب وثقافة " بجريدة العمل بتاريخ 22 افريق و 6 ماى 1966
وملخص القصة ان " بروكروستيس " فى الاسطورة الاغريقية ، عملاق يستقبل ضيوفه ليبعث بهم ، فهو يقدم لجميع ضيوفه سريرا واحدا ينامون
عليه ، ويلجأ الى تشويه الطويل والقصير من المسافرين حتى يتساووا والسرير . وقد قيض القدر " ثيسيوس " ليقضى على هذا الجبار الفاتك فيخلص العالم والمسافرين من شره . فقدم له جرعة من دوائه قضت عليه يرى صمود ان قصة الشعراء العرب مع الشعر العمودى هى قصة المسافرين مع بروكروستيس . وحجة صمود فى ذلك ان الشعر العمودى يفرض على صحابه شروطا جائرة تنتهى بهم الى " الحشو " و " التمديد " فى الكلام بشتى الوسائل " ليسدوا الفراغ الذي يفرضه عدد التفعيلات المعينة فى البيت التقليدى " . فهم ( يقطعون ) بعض ما يريدون قوله . وهو " قطع ظاهر بغيض ليس له من مبرر الا ان الوزن قد ضاق عن المعنى الذى يريد ( الشاعر ) ان يقوله . " ويضرب اأمثلة متعددة على ذلك . . مثل قول الشاعر طانيوس عبده على بحر ( الكامل ) :
" القى مسدسه الخؤون ، وقال : مت ،
انى سأذهب راضيا ، فاذهب الى ٠٠ " ( 11 )
فالشاعر قد قطع رجلى " البيت على طريقة " بروكروستيس " ، بل انه قطع رأسه فاصبح من المستحيل فهمه دون شرح " . والدواء الناجع الذي يقترحه صمود ليقضى على هذا العملاق ، هو الشعر الحر . فهو ثيسيوس " المخلص " لقد خلص ثيسيوس العالم والمسافرين من بروكروستيس بجرعة من دوائه ألست معى ان الشعر الحر هي الجرعة التى نقدمها لعملاق الشعر العربى ؟
قد " يصوت " البعض لرأى صمود بان " جرعة الدواء التى تقدمها لعملاق الشعر العربى هى الشعر الحر " ، وقد تقنعهم براهينه وحججه . . ولكن اعتقد ان المشكلة لا تتطلب كل هذا الحماس . قليلا من التخفيض فى درجات الحرارة ، ويكون الاتفاق . وهل يعتقد الاستاذ الناقد ان الشعر العمودى عاجز عن التكيف وحاجز مانع من الابداع ؟ لينظر فى آثار الشابى ، احد دعائم النهضة الشعرية الحديثة فى مرحلتها الاولى ، وفى آثار نزار قبانى وهو شاعر عمودى من طراز أول - فسييتبين له ان فى مستطاع الشاعر " العمودى " ايضا ان يكيف التشكيل المكانى والتشكيل الزمانى للكلمة الشعرية كما يبتغى وان يهندس البيت الشعرى كما يشاء له ذوقه ، ويشاء الواقع الحضارى الذى يعيشه المثقف العربى اليوم . .
لكأن الشاعر قد أخذ على نفسه عهدا الا يكتب بيتا واحدا ذا صدر وعجز ولا شك ان " اليمينيين " من قراء " أدب وثقافة " قد وضعوه فى رأس قائمة اعداء الشعر العمودى فى تونس ، او العالم العربى كافة . . ومن هنا كان " الجو " ملائما لظهور " الالوان الجديدة " والفرصة مؤاتية لانبعاثها . . فكانت " مأساة الشيخ مصطفى " اولى المحاولات التى نشرتها " الفكر " ( 12 ) وقد قام حولها جدال - على صفحات الفكر - . وقد علق عليها الشاعر فى عدد جانفى 1968 من الفكر ( س 13 . ع 4٠ ) . فقال انه أراد ان يقدم فيها
" مأساة انسان بسيط ضرير لم ير النور منذ وجد ، وسيرحل دون ان يراه ، يجلس وحيدا امام باب المقبرة يحصى الموتى بوضع حصوة صغيرة فى قلة - اذ لا يستطيع إحصاءهم بطريقة اخرى لانه أعمى - ثم يقرأ الفاتحة وبعض الدعوات ، واثر ذلك يقرأ قوله تعالى : " كل من عليها فان ، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والاكرام " . واخيرا ، يسقط الشيخ مصطفى " فى نفس القلة التى كان يعد بواسطتها الموتى . " وهو رمز لموته . قال صمود انه قام ( بتسجيل اسطورة " تونسية سمعها منذ الصغر . فهو قد التجأ الى الاسطورة يستوجبها ، والى القرآن يقتبسه . واقتباس الاساطير ظاهرة عرفها الشعر فى الشرق العربى لدى شعراء " جيل الثورة " الباحثين عن " الالوان الجديدة " شكلا ومضمونا - . وهذه الاسطورة ، كما يبدو ، رمز لروتينية الحياة ولا جدواها فالشيخ مصطفى عجوز اعمى ، قد تاكله الضعف والوهن
" لكنما طريقه ظلام
" وعمره ظلام ٠٠
يشيع النازحين عن هذا الكوكب بكلمات هى القتام عينه والسوداوية نفسها . أما نهاية القصيدة فينبعث منها تشاؤم يسطم الانوف ! ولعل الشاعر ، من خلال تصويره لمأساة هذا الشيخ الضرير ، اراد تصوير مأساة الناس جميعا فى هذه الحياة ، فكل من عليها فان . وهل الانسان غير ضرير يتخبط فى هذه الحياة ؟ نهايته القبر . تقف جميع اعماله ومواهبه ، وأماله ، ومطامحه عند هذه اللحظة التى تفصل بين عالمى الحقيقة والخيال . فاى جدوى لحياته ، وأى معنى لوجوده ؟ وهنا تلتقى مأساة الشيخ مصطفى بمأساة العازف الاعمى " للشابى . فالشبه قريب جدا بين القصيدين - فى المعنى لا فى المبنى - . يقول الشابى :
ادركت فجر الحياة أعمى وكنت لا تعرف الظلام
فأطبقت حولك الدياجى وغام من حولك الغمام
وعشت في وحشة تقاسى خواطرا كلها ضرام
وغربة ما بها رفيق وظلمة ما لها ختام
تشق تيه الوجود فردا قد عضك الفقر والسقام
وطاردت نفسك المآسى وفر من قلبك السلام " .
ثم يقول قول المتشائم المستسلم :
فكلنا بائس جدير برأفة الخالق العظيم ،
وكلنا فى الحياة أعمى يسوقه زعزع عقيم
وحوله تزعق المنايا كأنها جنة الجحيم " ( 13 )
وجلى ما بين القصيدين من التشابه فى المعنى وان اختلفا فى الشكل ،
وتجانس فيما يخيم عليهما من شعور التشاؤم والاستسلام والاحساس بتفاهة الحياة ولا جدواها . .
وتلت " ماساة الشيخ مصطفى " قصيدة " من مذكرات راقصة محترفة " ، نشرت فى العدد الموالى من الفكر . ( 14 ) وفى هذه القصيدة يصور الشاعر " مأساة " أخرى هى مأساة فتاة ، راقصة محترفة ، تمنح رقصاتها لكل راغب ومواعيدها لكل طالب . فهى مشاهد تتكرر لها بلا انقطاع ومرة تشاهد كهلا ذا عكازتين - ينتحى " ركنا ركينا " ، فتفزع اليه بعد ان يعتريها الفتور من لهو الشباب ، راغبة منه مراقصتها طالبة منه موعدا . ولكنه لا يهتم بعبث الشباب . فيلبى ان يشرب معها كأسا ، ثم ينصرف غير عابئ لا مباليا
" خارجا من ركنه يسحب اثره
قدميه
يمتطى عكازتيه .
هذه القصيدة ، فى نظرى ، هى قمة عمل صمود الشعرى ، حتى الان فهى تفوق القصيدة السابقة من حيث الابداع الفنى - شكلا ومضمونا - رغم التشابه فى المعنى . . تصور هذه المأساة ما كنا قد تعرضنا له فى مأساة الشيخ مصطفى " من مظاهر الرتابة والروتينية المملة فى الحياة :
نغمة تلسعنى
سمعتها اذنى
الف مرة
فهى فى سمعى مرة " .
وما عثرنا عليه من مظاهر العجز والضعف والانطوائية . وما هذا الكهل او الشيخ ، العاجز ، الا رمز لما يعترى حياة الانسان من ضعف ووهن . . ونجد فى هذه المأساة ما وجدناه فى مأساة الشيخ مصطفى من تشاؤم وقتام فى نظرة الشاعر للحياة . فهذا الكهل الشيخ - قد عزف عن مشاركة الشباب لهوه وعبثه ، اذ يرفض جسدا شهيا يهدى اليه نفسه بما فيه من لذة ومتعة . . وينسحب من الميدان يجر وراءه رجليه وعكازتيه أليس هذا جوابا صريحا على السؤال الخالد : هل تستحق الحياة عناء العيش فيها ؟ وهو جواب سلبى . والذى يزيد هذا الشعور " بلا جدوى " الحياة حدة ، هو فشل الراقصة الشابة وخيبتها فى استمالة الكهل ، الذى رفض الحياة تأتيه دفقا يغرى ، اليها . فطموحها قد انتهى بفشل . فكتب عليها ان تمثل دور " سيزيف " الخالد . " تلسعها " رتابة واقعها وحياتها ، المرة . وذلك ما يفرضه عليها احترافها ومهنتها ، التى جعلتها تمنح جسدها لكل راغب فيه فيكون وجودها شيطانيا مرعبا ، ويكون قد كتبت عليها اللعنة الابدية ! . .
فهى كائن ، ضجر ، فاشل ، ملعون . . اليست هذه هى مأساة انسان اليوم قد كتب على حياته الضجر والفشل واللعنة ؟
فالقصيد اذن ، رمزى ، قد اعتمد فيه الشاعر على " مخيلته " لا على الاسطورة . وهو رمز نستطيع اتخاذه لفشل الانسان فى هذه الحياة ، فشل الانسان الخائب . وقد تذكرك هذه " الخيبة " ب " اربعاء الرماد " او " الارض اليباب " للشاعر الامريكي ت . س . اليوت . وقد تذكرك بمحاولة " غيلان المسعدى الفاشلة ، ولكنها تذكرنى ، خاصة ، بقصيدة للدكتور خليل حاوى سماها " الكهف " ( 15 ) يصور فيها عقم الزمن ، وخيبة الانسان المبدع فيه . يقول :
وتركت خيل البحر تعلك
لحم أحشائى
تغيبه بصحراء المدى
عانيت رعب زوارق
تهوى مكسرة الصدى
يلقى على عينى ليل جدائل . .
ثم يختمها قائلا
ماذا سوى كهف يجوع ، فم يمور ،
ويد متجوفة تخط وتمسح
الخط المجوف فى فتور
هذى العقارب لا تدور
فخيبة الانسان متجسمة فى كلا القصيدين بصورة مرعبة . ثم تلت قصيدة " الراقصة المحترفة " قصيدة " ريحانة سوداء " ، بعد زمن . ( 16 ) واول ما نلاحظه فيها ، هو وجود هذه العلاقة بينها وبين القصيدة السابقة ، من حيث الظرفان المكانى والزمانى اولا ، ثم من حيث خصائص الشخصيتين . فلوليتا - الريحانة السوداء - شابة جميلة ، عابثة ، تحيا لساعتها ، وتعيش حاضرها - مثل الراقصة المحترفة - . قد اقبلت " لوليتا ليلا على هذا الملهى لتسلخ من عمرها ساعات فى اللذة والمتعة والمجون جلست فى " ركن مهجور " . وطلبت " وسكى " . وأرادت اشعال سيجارة فاخذت تستلفت انظار القاعة اليها . " وتستهوى النظارة " واذ سرت فى جسمها النشوة ، وفعل " الجو " المعربد فعله فى أعصابها :
فرمت بالكأس وقامت ترقص
رقصت مثل المحمومة
حتى وقعت فوق الكرسى
متهالكة مهمومة .
فهى ، اذن ، فتاة ينهب الليل والشبق من عمرها ساعات تهبها لهما قربانا فهى " بوهيمية " تقتل ثوانيها فى احضان المتعة ، تمزق جسدها ، وتدعه للذة نهبا . . حتى الغثيان . وانه لشبه قريب جدا ، بين " لوليتا " صمود و " جانين " نزار قبانى ، الفتاة " الوجودية " الفرنسية ( 17 ) ، فكلتاهما تعيشان حضارة واحدة ، فى مجتمع واحد ، هو مجتمع مجنون محموم يهب عمره لليل فى الاقبية والحانات . . وكلتاهما تعيشان للحظاتهما ، وتهبان جسديهما للمتعة قربانا ! . . .
ان خيال " المأساة " يخيم على هذه القصيدة ايضا فهى صورة حية نابضة للمجتمع الغربى الحديث الذى انتابه الجنون ، واصبح يعيش على حساب اعصابه . هو مجتمع " حسى " قد طمر " روحه " وترك جسده فريسة للعنة والغثيان . . فاذا كانت قصيدة الراقصة تمثل مأساة الانسان " الخائب الفاشل " فان هذه " الريحانة السوداء " تمثل مأساة الانسان الذى فقد وعيه الانسان " الخائر " المجنون . فهو انسان بلا هدف ، يعيش فى عالم غير ذى جدوى ، لا معنى له . وبذلك ، يكون لهذه القصيدة حظ من السلبية التشاؤمية ، وان خفت وطأة التشاؤم والسوداوية عما هى عليه فى النموذجين السابقين
هذه ثلاثة نماذج ، قد اتحدت فى شكلها - فهى من الشعر المرسل - فى مضمونها وانى لاعجب لماذا سماها الشاعر " الوانا جديدة " . فهل هى جديدة بالنسبة له ، اذ لم يكتب مثلها من قبل ، ام بالنسبة للشعر التونسى ام للشعر العربى عامة ؟ انى أرجح الاحتمال الاول . فالشعر التونسى لم يعدم مثل هذه الالوان ، فى شكل " خطرات فلسفية " عرفت عند الشابى ثم عند الشاعر احمد مختار الوزير - وان كانت في شكل تقليدى - عمودى اما فى الشعر العربى ، فمن السذاجة القول انها لم توجد قبل صمود . .
اذن ، هى الوان جديدة فى شعر صمود ، يلاحظ القارىء ملاحظة جلية مواطن الجدة فيها بالنسبة لالوانه القديمة ، لا من حيث الشكل فقط ، ولكن من حيث المضمون ايضا . اما من حيث الشكل فاننا نلاحظ اهتمام الشاعر بالتشكيل الزمانى والمكانى للقصيدة ، اى وضعه للقصيدة فى اطارها الموسيقى واختياره للمسافات والابعاد التى تؤديها الكلمات الشعرية فيها وهو تطور تفرضه طبيعة الشعر المرسل . فالشكل القديم للقصيدة العربية يجعل حالة الشعر النفسانية خاضعة للاطار الموسيقى المفروض ، ومن ذلك يكون الاجهاد والمعاناة وقسوة الخلق . اما الشكل الحديث للقصيدة فيجعل " الصورة الموسيقية . . خاضعة خضوعا مباشرا للحالة النفسية والشعورية
التى يصدر عنها الشاعر " . ( 18 ) وعلى طريق الايقاع الموسيقى - التشكيل الزمانى يحاول الشاعر ايجاد تناسق وتوافق بين حالة القارىء النفسية المتلقية والعالم الخارجى ، وذلك بمحاولته خلق صور مكانية تتناسق والصور الموسيقية الزمانية . وهو ما نرى صمود حريصا على ايجاده ، وخاصه فى قصيدة " الراقصة المحترفة " ، عند وضعه لها فى شكل حوار ، تتكرر فيه الصور الموسيقية متحدة والصور المكانية للكلمات المتكررة ، وخاصة فى هذا المقطع :
لم يقل : هل ترقصين
لم يقل : هل تسمحين
لم يقل : معبودتى
لم يقل : فاتنتى
لم يقل شيئا ، ولكن . .
والتكرار النغمى ل " لم يقل " فى اول كل بيت ، صورة موسيقية تسمع ، بالعين ، فى هندستها العامة ، وتسمع بالاذن فى وحدتها النغميه ، تبعث فى حاسة السمع والنظر لدى المتلقى راحة تتلقاها الحالة النفسية بارتياح واطمئنان .
اما مضمون القصائد الثلاث ، فيلاحظ القارئ انتقالها من دنى الوهم والعطر ، إلى عالم اكثر واقعية وحقيقة . لقد نزل الشاعر من " برجه العاجى المضمخ بالعطر والشذى الى عالم الناس وواقعهم ، ولكنه مرتاب ، حذر ، يماشى الناس ويصافحهم عن بعد فهو يرتاد اماكن معينة " خاصه " ليلتقط منها صوره ويستوحى خواطره . فهو ، فى هذه النماذج لم يتخلص بعد من المثالية التى رافقته طيلة مرحلته الاولى . لقد خفت حدة غلوه فى الايمان بالكلمة الجميلة " ، والاخيلة التائهة فى عالم ضبابى ، بعيد ، بعيد
اصبح يؤمن ولو ايمانا يشوبه الشك - بالكلمة الطيبة النافعة . فهو معلق بين برج " الفن للفن " المتشامخ ، وبين " واقع الملتزمين " ونتيجة تشككه وحيرته واضحة فيما ينتهى اليه من آراء سلبية تجاه الحياة والناس لقد حاول ان يصور نوازع النفس البشرية من خلال المأساة " التى يعانيها عالم اليوم ، هذا العالم المجنون بما يعتريه من متناقضات ، فهو يؤوى الشيخ مصطفى ، والكهل ذا العكازتين ، الى جانب الراقصة المحترفه ولوليتا البوهيمية . . ولكن تصوير الشاعر لهذه النوازع كان جزئيا فلم يغص فى اعماقها البعيدة ليسبرها ، ولم يكن تصويره للمأساة شاملا ، ايجابيا ، بل اكتفى ببعض الجوانب التى لا تسمح لنا بوضعه فى قائمة " الالتزاميين " قد يخال صمود انه أصبح ذلك " الملتزم " الهادف ، المنشود ، فى محاولتيه اللاحقتين : الحماس " ( 19 ) - التى تلاحظ عودة الشاعر فيها على بدء ، وتحطيمه لعهده الذى كتبه على نفسه الا يكتب شعرا عموديا اذ أنه نادى بوأده حيا
فكتب " الحماس " فى قالب تقليدى ، عمودى ، قديم - ثم فى قصيدة " المدخنه " ( 20 ) على شكل الالوان الحديثة الجديدة السابقة - ففى هذين القصيدين ينغمس الشاعر فى دنيا الناس حتى أذنيه ، فلا يكفيه الامساء والاصباح معهم ، بل نراه يتعشق مصانعهم ، ويستطيب ما تنفثه من دخان
وشتان ما بين العطر والشذى فى الوانه القديمة والدخان الخانق ، المتصاعد من هذه " المدخنة " ، انه انتقال سريع او قل هو تدحرج سريع من عل . لقد نزل الى حمأة التراب وصخب العالم الآلى المجنون ، الذى تبعث اشباحه الجهنمية ظلاما فى القلب والبصيرة ، الشعر " جنون " . وتقاس عبقرية الشاعر على قدر " جنونه " . وقد كان صمود فى قمة " جنونه " فى الوانه القديمة ، ضم فى الوانه الجديدة الثلاثة الاولى ، ولكنه ، اخيرا ، حاول ان " يتعقل " ، فى " الحماس " و " المدخنة " ، فيؤاكل الناس ويشاربهم اكثر مما ينبغى ، ولعله يخال ذلك التزاما . ولكن ، ليعلم انه ، فى هذين القصيدين . لم يخلق الا " هياكل عظمية " لا حياة فيها . . واين هى الحياة فى قوله :
فأحبو أرضكم يا اخوتى واحبو بعضكم حبا عميقا
وافتحوا أذرعكم . . وابتسموا تفتحوا للخير فى الارض طريقا " .
فهل ان الشعر وعظ منبرى ؟ ؟
ثم اين هو العالم الشعرى الصافى ، الهادىء ، المريح ، الذى تغمره امواج الحياة والحب والجمال ، من هذا العالم الذى تتنفس فيه المداخن ، وتفجر آلات المصانع فى احشائه براكين وزلازل ؟ شتان ما بين صمود " المجنون وصمود " العاقل " . وكم نود ان لو رجع الى " جنونه " وشروده ، يتيه فى عالم المأساة ، ليصور لنا صورا رائعة ، لان عينه الشاعرة ، الثاقبة ، التى تستطيع ان ترى الجمال فى أجلى مظاهره ، هي غير عين " العقلاء " التى لا تستطيع ان تنظر أبعد من الظواهر ، بل ترى الاشياء خاضعة لقوانين منطقية معقولة . . فرسالة الشاعر ، هى ان يطير بالناس على بساط من الريح ليحملهم الى عوالم الجمال الخفية ، ومتى عرفوها ، صفت حياتهم ، وانقشعت غيومها ٠٠٠ والشعر " مأساة ، او لا يكون " ! . .

