ليس غريبا ان يتاخر تحقيق المشروعات العلمية المبنية للأغراض السلمية مادام مجهود العلماء الفلكي ينحصر في صناعة الحرب . فان الوقت القصير الذي تقدمت فيه العلوم التكنيكية الحربية ، والمصاريف الهائلة التى رصدت لذلك . كانا كفيلين لاحراز الانتصارات العلمية السلمية التى من شأنها ان تضع تصاميم العلماء موضع تنفيذ .
ان القرن العشرين يكاد ينصرم ، وما زالت كفة السلم فيه راجحة ، ولكنه سلم مرهون بالتسلح الهائل ، وبالرغم من ان الرحلات الفضائية الأربع قد فتحت امام الانسان افاقا جديدة ، تتيح له التعرف على الكثير من الخفايا ، لكنه لا يزال عاجزا عن تحقيق ذلك مادام لا يرى الا ما تراه آلة الحرب . ولا يعنى الا بما تعنى به استراتيجية الجبهات . لقد كان داب الانسان منذ القديم ان يتعرف على اسرار الفضاء لما في ذلك من فائدة في توضيح المشروعات التى تهدف لخيره وسعادته . ولكن الفتوحات الكونية قد تمت في وقت لا يتاح فيه لابطالها الانكباب الكلى على الدراسة السلمية ، فكادت تفقد بذلك الامل الانساني ، لانها ستبقى لمدة طويلة مكبلة بامور لا ناقة للانسان فيها ولا جمل . ولعل اصدق منال على اهمال الشؤون التى تعود
بالخير على الجنس البشرى ذلك العجز الذي تقف امامه مشروعات السيطرة على المناخ . واذا كان العجز عن تنفيذ بعضها ناتجا عن نقص علمي معين . فان البعض الآخر لا يحتاج الا الى النفقات . وفي الوقت الذي يجب ان تتضافر فيه الجهود لتحقيق امور كهذه ، تتجه الامكانيات الى حقوق اخرى تؤدي إلى الاخلال بميزان القوي . مما يطلق سباقها حربيا جديدا . فتتكرر هذه الدواءة على حساب الانسان وروح العلم . ان ميزانيات التسلح في الدول تبلغ حدا يمكنها من ان تحول العالم الى فردوس ارضي ، ومع ذلك فالسباق ما زال مستعرا في تكديس اسلحة الدمار .
قد يبدو الحل الصحيح للامور طريفا . ولكنه منطقي وعلى الاقل فى اوضاع عالمية كهذه . فانه يجب فصل العلم والعلماء عن سياسات الدول ومؤسساتها ، وان يترك لهما الاستقلال الكلى لتحقيق ما قصرت فيه شؤون العالم منذ القديم . لان العالم لا يفكر بمنطق السياسي ولا بالمصالح العسكرية والتجارية ، وانما بروح مجردة لا تعرف الحدود . او ليس من العجب ان يمتاز هذا العصر بالتقدم الفضائي والعجز الارضي .

