ان العرب قبل الاسلام لم يعتنوا كثير بالوثائق المكتوبه حتي ان اول كتاب عرفه التاريخ باللغة العربية هو القرآن الكريم ، كما سنرى فيما يلى :
روى عن النبي ) ص ( : " ان اول ما خلق الله القلم " ) ١ ( ان كلمة " قلم توجد فى كثير من اللغات السامية . وبما ان اليونان اخذوا علم الخط من الفينيقين ، فلا بد ان كانوا قد استعاروا كلمة " قلم " ايضا منهم ، فقالوا ومنه بالفرنسية .
روى عن ابن اسحاق انه قال : سمى اخنوخ " ادريس " ، لانه اول من خط بالقلم ودرس الكتب ) ٢ ( ولكن لا نعرف كيف كان هذا الخط .
" روى ابن اسحاق فى الكتاب الكبير ، عن شهر بن حوشب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : أول من كتب بالقلم ادريس . وعنه عليه السلام أنه قال : أول من كتب بالعربية اسماعيل . وقال ابو عمرو هذه الرواية اصح من رواية من روى ان اول من تكلم العربية اسماعيل عليه السلام .
" عن ابى ذر قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا ابا ذر ، أربعة ) يعني من الرسل ( سريانيون : آدم ، وشيث ، ونوح ، وخنوخ وهو أول من خط بالقلم . وأنزل الله على خنوخ ثلاثين صحيفة " ) ٤ (
الخط العربي قبل الاسلام ان البلاذرى ) المتوفى ٨٩٢ م ( من اقدم من حفظ لنا روايات العرب عن تاريخ خطهم . فقد بوب بابا فى " امر الخط " فى
آخر كتابه المسمى " فتوح البلدان " ) ص ٤٧١-٤٧٤ ( . فروى عن محمد بن السائب الكلبى ، والشرقى بن القطامى ، وقال : " اجتمع ثلاثة نفر من طئ ببقة ، وهم مرامر ابن مرة ، وأسلم بن سدرة ، وعامر بن جدرة فوضعوا الخط ، وقاسوا الهجاء العربية على هجاء السريانية . فتعلمه منهم قوم من أهل الانبار . ثم تعلم اهل الحيرة من اهل الانبار . . وتعلم بشر ) أخو اكيدر بن عبد الملك ( الخط من اهل الحيرة ، ثم اتى مكة فى بعض شأنه - ) فعلم رجلين هناك ، ثم رجلا فى الطائف ، وآخر فى ديار مضر ، وناسا فى الشام ( وتعلم الخط من الثلاثة الطائفيين أيضا رجل من طانحة كلب . فعلمه رجل من أهل وادى القرى ، فأتى الوادى يثرب "٥" فأقام بها ، وعلم الخط قوما من اهلها " .
اما ابن النديم ) المتوفى ٩٩٥ ( فقال فى أول كتابه ، كتاب الفهرست : " اختلف الناس فى أول من وضع الخط العربي ) الف ( فقال هشام بن محمد الكلبي : أول من صنع ذلك قوم من العرب العارية ) ومن أسمائهم أخذوا الحروف : ابجد هوز حطى كلمن صعفص قرست ( . ثم وجدوا بعد ذلك حروفا ليست من أسمائهم ، وهي الثاء ، والخاء ، والذال ، والظاء والغين ، والشين ، فسموها الروادف . . ) ب ( وقال ابن عباس أول من كتب بالعربية ثلاثة رجال . . . سكنوا الانبار . . وهم مرامرة بن مرة ،
وأسلم بن سدرة ، وعامر بن حدرة . . فأما مرامر فوضع الصور ، واما أسلم ففصل ووصل ، واما عامر فوضع الاعجام .
وللروايتين أهمية . فما يتعلق بالاولى ، فقد معرف ان حروف الهجاء السامية القديمة ) فى السنائية ، والفينيقية ، والبابلية ، والعبرانية وغير ذلك ( تنتهى بالتاء وزيادة ثخذ طغش ) حسب الهجاء العربى المغربي ( خاصة بالعربية - ولا أبحث ههنا فى الهجاء العربى المشرقى حيث الترتيب : سعفص ، قرشت ، ثخذ ، ضضغ - وما يتعلق بالرواية الثانية عن وضع علامات الاعجام ، فسنبحث فيها فيما بعد .
نماذج هذا الخط ومن عجيب ما نرى أن أقدم نماذج الخط العربى ، كما نعرفه الآن ، توجد خارج جزيرة العرب ، فى النمارة ، والحران وزبد .
نشر علم الخط في مكة رأينا آنفا ان بشر بن عبد الملك بن عبد الحن هو معلم المعلمين للخط العربى ، وهذا ما قال البلاذرى عن اعماله في مكة : " ثم أتى مكة فى بعض شأنه . فرآه سفيان ابن أمية بن عبد شمس ، وأبو قيس بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب يكتب . فسألاه ان يعلمهما الخط . فعلمهما الهجاء ، ثم أراهما الخط . فكتبا " . وقال ابن النديم بل هو حرب بن امية بدل سفيان . ولعل الحق مع ابن النديم ، فكل يقول ان بشرا تزوج من الصهباء بنت حرب . ) ولعل سفيان بن حرب المذكور عند ابن أبى داود ، هو ابو سفيان بن حرب).
ولا بد ان النبي ) ص ( رآهم جميعا لما كان صبيا او شايا .
وقال ابن النديم : " وكان في خزانة المأمون كتاب بخط عبد المطلب ) المتوفى ٥٧٨ م ( فى جلد أدم ، فيه . . . . قال : وكان الخط يشبه خط النساء " .
قال البلاذرى : " دخل الاسلام وفي قريش سبعة عشر رجلا كلهم يكتب " وسماهم ونجد أكثرهم بين كتاب النبى فى المدينة المنورة . وذكر البلاذرى ايضا ان بين المكيات الكاتبات : الشفاء بنت عبد الله العدوية ، وحفصة العدوية أم المؤمنين ، وام كلثوم بنت عقبة ، وعائشة بنت سعد بن عبادة وكانت تقول : " علمنى أبى الكتاب " ، وكريمة بنت المقداد . وقال : عائشة أم
المؤمنين كانت تقرأ المصحف ولا تكتب ، وام سلمة ام المؤمنين تقرأ ولا تكتب .
الخط في المدينة ذكرنا انفا عن البلاذرى ان بشر بن عبد الملك أتى يثرب فأقام بها وعلم الخط قوما من اهلها . وقال ايضا : " ان الكملة ) وهم من جمعوا الكتاب والرمى والعوم ( فى الجاهلية من أهل يثرب : سويد بن الصامت وحضير الكتائب " . ثم روى عن الواقدى : " كان الكتاب بالعربية فى الأوس والخزرج قليلا ، وكان بعض اليهود قد علم كتاب العربية ، وكان تعلمه الصبيان بالمدينة فى الزمن الاول ، فجاء الاسلام وفي الأوس والخزرج عدة يكتبون ، وهم . . "
فلو كان يهودى علم المدنيين الخط ، فانه علم الخط العبراني ، فلما هاجر النبي الى المدينة . . وهاجر معه اهل مكة انتشر الخط العربي هناك حينذاك . . والله أعلم . .
العصر الاسلامي اوامر القرآن كان النبى أميا ، كما أكد القرآن . قال : " سورة ٢٩ آية ٤٨ " : ) وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون " . . وكيف لا يفتخر الاسلام بأن اول وحي اوحى اليه كان فى أمر القراءة والثناء على القلم ) سورة ٩٦ ، آية ١-٥ (
" اقرأ باسم ربك الذي خلق . خلق الانسان من علق . اقرأ وربك الاكرم .
الذي علم بالقلم . علم الانسان ما لم يعلم "
فكان من أول اطباق هذا الامر كتابة الوحى ، وحفظ القرآن بواسطة الخط . وله أهمية خاصة ، فان كل ملة تعتني يدينها اكثر من أى شىء آخر . فاهتم المسلمون بالقرآن المكتوب جد الاهتمام ولم يزالوا في اتقان الخط وتجميله . ولا شك ان الخط المستعمل للقرآن هو من أجمل خطوط العالم ، وأيضا من أتقنها لصحة التلفظ وعدم امكان الابهام ) فكلمة HAMID مثلا يمكن ان نقرأها : حمد ، وحميد ، وحامد ، وحاميد ، ولا يوجد مثل هذه الامكانات والابهامات فى الخط العربى مع اعرابها ( . واول ما فعل النبي بعد ما هاجر ، هو بناء مسجد ، وخص فيه
ضفة للتعليم ، فعين اساتذة لتعليم الكتابة مثل عبد الله بن سعيد بن العاص ، وعبادة ابن الصامت .
ومن أول ما نزل من القرآن بعد الهجرة آية المداينة ) سورة ٢ ، آية ٢٨٢ ( ، فأمر بوجوب كتابة المعاقدات المالية اذا كانت الى أجل . وقال النبي عليه السلام : " ما حق امرئ مسلم ، له شئ يوصى فيه ، يبيت ليلتين الا ووصيته مكتوبة عنده " . ومن ألطف ما روى عن النبى الامى انه لما أسر الاسارى فى بدر ، طلب الفداء من كل واحد منهم ، فمن كان يعرف الكتابة ، جعل فداءه تعليم عشرة غلمان من المسلمين الكتابة . ) وفيه جواز المعلم المشرك لتعليم المسلمين (
ذكر الطبرى ان النبى عليه السلام " بعث معاذ بن جبل معلما لاهل البلدين : اليمن وحضرموت " . وقال ايضا : " وكان معاذ معلما يتنقل فى عمالة كل عامل " . وايضا " ومعاذ بن جبل يعلم القوم يتنقل فى عمل كل عامل " .
الكتابة بالعبرانية وغير ذلك قبل ان نطالع تطور الخط العربي ، يجب أن نذكر ان المسلمين احتاجوا منذ العصر النبوى الى خطوط سوى الخط العربي
ذكر المسعودي ان زيد بن ثابت كان " يكتب الى الملوك ويجيب بحضرة النبي وكان يترجم للنبى بالفارسية والرومية والقبطية والحبشية . تعلم ذلك بالمدينة عن أهل هذه الالسن " . وذكر عدد من المؤرخين ان النبى عليه السلام قال لزيد : " أتحسن السريانية ؟ فانها تأتيني كتب " . قلت : " لا " . قال " فتعلمها " فتعلمتها فى تسعة عشر يوما - وكأن المراد بالسريانية هي
العبرانية ، فان اليهود كانوا يستعملون الخط العبراني مهما كانت اللغة التى يتكلمون بها .
ذكر ابن حنبل عن " عبد الله بن عمرو ابن العاص قال : رأيت فيما يرى النائم لكأن فى احدى اصبعى سمنا وفى الاخرى عسلا ، فأنا ألعقهما . فلما اصبحت ، ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : تقرأ الكتابين : التوراة والفرقان فكان يقرأهما " وذكر ابن سعد " . . رأيت عبد الله بن عمرو يقرأ بالسريانية " . وروى ابن كثير فى تفسيره : " قال النبي عليه السلام : بلغوا عنى ولو آية ، وحدثوا عن بنى اسرائيل ولا حرج . ومن كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده من النار . رواه البخارى عن عبد الله بن عمرو . ولهذا كان عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قد اصاب يوم اليرموك زاملتين من كتب أهل الكتاب ، فكان يحدث منهما ، بما فهمه من هذا الحديث من الاذن فى ذلك " .
ذكر ابن ماجة " ان النبى عليه السلام قال يوما لابى هريرة : أشكمت درد ؟ ) ألك وجع فى البطن ؟ ( . ولكن لم يرو شئ عن كتابته بالفارسية . نعم ذكر السرخسي " روى ان الفرس كتبوا الى سلمان رضى الله عنه ان يكتب لهم الفاتحة بالفارسية . فكانوا يقرأون ذلك فى الصلاة حتى لانت ألسنتهم للعربية " . وفى النهاية حاشية الهداية : " روى أن الفرس كتبوا الى سلمان الفارسي أن يكتب لهم الفاتحة بالفارسية . فكتب : بسم الله الرحمن الرحيم بنام يزدان بخشايندة بخشايشكر . فكانوا يقرأون ذلك فى الصلاة حتى لانت ألسنتهم بالعربية . وبعد ما كتب ، عرض على النبي صلى الله عليه وسلم ثم بعثه اليهم ولم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم
كذا فى المبسوط " . ان كتابة أبرهة على السد فى مارب بالخط الحميري ) المسند ( ، وابرهة مات عند ولادة النبى ) ص ( . فالراجح ان هذا الخط كان رائجا بين اهل اليمن ، فمن أسلم منهم مثل أبى هريرة كان لا بد يعرف ذلك الخط . وأنا وجدت كتابات بذلك الخط في المدينة على العقيق عند بئر عروة
كان للنبى عليه السلام ختم يختم به مكاتيبه . ولكن ذكر ابن سعد ان النبى لما عاهد مع اكيدر ) أخي بشر بن عبد الملك ( صاحب دومه الجنذل ، وكان فى الاصل من اهل الحيرة ، وكتب الكتاب " ختمه بظفره " والختم بالابهام معروف فى جميع العالم . اما الختم بالظفر فهو امر يتعلق بالعراق خاصة فقد نجد كتابات على اللبنات ، فيها علامة مثل الهلال الصغير فى آخر النص ويقول
الكاتب او فريق المعاهد : ختمته بظفرى . ولذلك ختم النبي عليه السلام بظفره ، على طلب أكيدر .
حاجات الخط العربي احتاج المسلمون اولا الى ان يكتبوا القرآن . وأمر القرآن المسلمين ان يكتبوا جميع المداينات . واحتاج النبي أيضا كرئيس الدولة الى من يكتب له اموال الزكاة والمغانم ، ومن يكتب له الى الملوك وفي سائر ما يعرض له من الحوائج
أما الصحابة ، فسوى القرآن وحوائجهم من العقود المالية ، بدأوا يكتبون الاحاديث منذ حياة النبى وزاد شغلهم بها بعد ما توفى . ونسمع عن كتب السير والتاريخ والفتاوى ) الفقهية ( منذ عصر الخلفاء الراشدين
تطور الخط كلما زادت حاجة الناس الى المكاتبات ، ازداد اعتناؤهم بالتدقيق والاتقان . والفرق بين خط الكتابات من قبل الاسلام والخط الموجود الآن الذى ننشر به هذه المجلة هو الرقش ) أى النقاط المميزة بين ب ت ث ن ي ، ج ح خ ، الى غير ذلك ( والاعراب ) أى حركات الفتح والكسر والشدة والسكون وغيرها ( وبدون هذين يبهم على القارىء مراد الكاتب . ويروى عن سيدنا عمر انه قرأ مرة " فاتوا ان يضيفوهما " بدل " فأبوا أن يضيفوهما " كما ورد فى القرآن . وذكر السيوطي ان سيدنا عثمان كتب مرة الى أهل مصر تولية رجل ثم قال : " فاذا جاءكم فاقبلوه " ، فقرأه الناس " فاذا جاءكم فاقتلوه " ، فكان سبب الفتنة وشهادة سيدنا عثمان فان الثائرين لم يصدقوا حين حلف انه لم يكتب بأمر القتل
فمتى بدأ العرب بايجاد هذه الامور من الرقش والاعراب ؟ الظاهر ان الناس لما احتاجوا الى حل هذه الصعوبات ، فكر كل واحد ، وتحصلت اقتراحات عديدة ، ولم يبق ما بقى الا بعد طول تجربة ومسابقة بين اقتراحات مختلفة . وهذا معنى النزاع فيمن اوجد هذه الايجادات . رأينا فيما سبق ان ابن النديم ينسب الاعجام الى ما قبل الاسلام . وذكر الدانى ان ايجاد الاعراب ينسب الى ابى الاسود الدؤلي . والى نصر بن عاصم الليثى ، والى خليل بن أحمد . ويمنسب ايضا الى يحيى بن يعمر والحجاج بن يوسف . وكل هذا لئلا يلحن ) أى يغلط ( الناس في قراءة القرآن
وحكى الدانى ايضا ان الاعراب كان اولا بواسطة النقاط مختلفة الالوان ، وكذلك الفرق فى محل النقطة . فلما صعب هذا ،
اوجدوا الاشكال ليميزوا بين الرقش والاعراب وكلاهما بمداد واحد .
هذا ما روى المؤرخون . ولكن من حسن حظ العلم لم تتلف جميع الوثائق القديمة ، واكتشف بعضها منذ قريب . وهذه الوثائق تصحح بعض ما روى المؤرخون وتخبر عن بعض ما لم يخبروا . فلنبحث عن الرقش والاعراب على حدة :
الرقش ان حروف الهجاء العربية تحتوى على : ) ٢٨ ( حرفا على عدد منازل القمر . اما الاشكال فهى نصف هذا العدد كما سنرى فى الجدول التالى :
أ - ب ، ت ث ن ،ي - ج ، ح ، خ ، - د ، ذ - ر ، ز - س ، ش - ص ، ض - ط ، ظ - ع ، غ - ف ، ق ، س - ل - م - و - ه
ولا تتميز الا بالنقاط . نشر جورج مايلس مقالة مصورة عن كتابة وجدت على سد قريب الطائف ، نقرؤ عليها ، فى ستة أسطر ما يلى
" هذا السد لعبد الله معوية / امير المومنين ، بنيه ) = بناه ( عبد الله بن صخر / باذن الله لسنة ثمن وخمسين ١٠ / للهم اغفر الله معوية / مير المومنين وثبته وانصره ومتع / المومنين به . كتب عمرو بن حباب "
ويقول صاحب المقال انه يوجد رقش على احدى عشرة كلمة ، يعنى فى السطر الاول عن ى من معاوية ، وفى السطر الثاني على ب ون وي من بنيه ) اى بناه ( وفى السطر الثالث على ث ون وى . من ثمن وخمسين ، وفي السطر الرابع مع احتمال الرقش على كلمة " اغفر " ، وفي السطر الخامس على ث وب وت من " ثبته " وكذلك ن من " وانصره " وت من " متع " وفى السطر السادس على ن و ى ) مع احتمال
ن ( من " المومنين " وب من " كتب " ، وب الثانية من " حباب " ) ما يمكن ان نقرأ خباب او جناب ايضا ، والرجل غير معروف (
هذا على كتابة من السنة ٥٨ ، ولكن نجد الرقش على بردى أقدم من هذا . . فقال آدولف كرومان : " ولو أنه اعتقد منذ برهة ، على اساس ما ذكره المؤلفون العرب ، أن ايجاد الرقش اى تنقيط الحروف لم يحدث قبل النصف الثاني من القرن الاول للهجرة . . ولكن الحقيقة ان اقدم بردى ) بابيروس ( موجود ومؤرخ سنة ٢٢ للهجرة المطابقة سنة ٦٤٣ للميلاد المسيحي ) من ذخيرة الامير الكبير راينر ، كما نشر فى دليل معرض ويانا ١٨٩٤ ، رقم ٥٥٨ ( يرينا الرقش على الحروف خ ، ذ ، ز ، ش ، ن " . وهذا البردى من خلافة سيدنا عمر بن الخطاب ، وعليه نص عربي مع ترجمة يونانية ، عثر عليه فى بلدة أهنس فى مصر ، ويذكر الجنود البرية والبحرية ، والخيل ، ومن الاسلحة الخفيفة ومن الاسلحة الثقيلة . وهذا نص القسم العربى منه كما قرأه كرومان :
سطر ١ - بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أخذ عبد الله
١ - ابن جبير وأصحابه من الجزر من أهنس : أخذنا
٣ - من خليفة تذرق ابن أبو قير الاصغر ومن خليفة اصطفن ابن أبو قير الاكبر خمسين شاة .
٤ - من الجزر ، وخمسة عشر شاة اخرى اجزرها أصحب سفنه وكتئبه وثقلاه فى
٥ - شهر جمدى الاول من سنة اثنين وعشرين .
وكتب ابن حديدة " . ونجد فى كتاب كرومان صورة هذا
البردى وترجمة النص اليونانى ومعلومات اخرى . ونشر كرومان مقالا آخر فيه صور بينها بردى مؤرخ " سنة اثنتين وعشرين " وبردى آخر غير مؤرخ ) ارخه كرومان ٢٢-٧٥ ه)، وآخر من سنة ٥٧ للهجرة كلها مرقوشة ظاهر الرقش
الرقش فى العصر النبوى رأينا آنفا كتابة معاوية على سد الطائف مرقوشة . ومعاوية يعزو الرقش الى النبى عليه السلام . وجدت ذكره فى تدريب الراوى للسبوطى ) ص ١٥٢ ( ، وحقق لى استأذان كريمان صبحى الصالح ويوسف العش أن نفس الرواية توجد أيضا فى مخطوطتين : فى تاريخ دمشق لابن عساكر ) الجزء السادس ، ورقة ٢-٣ ( ، وفي الجامع لاخلاق الراوى وآداب السامع للخطيب البغدادى ) ورقة ٥٥ ( ، الاولى منهما فى دمشق والاخرى فى الاسكندرية . وتذكر هؤلاء المصادر
" عن عبيد بن أوس الغسانى كاتب معاوية قال : كتبت بين يدى معاوية كتابا . فقال لى : يا عبيد ارقش كتابك ، فانى كتبت بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم رقشته - ) وفى رواية السيوطى : كتبت بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا معاوية ارقش كتابك ( - قال عبيد : قلت : ومارقشه ) وفي رواية ابن عساكر : ما رقشته ( يا امير المؤمنين ؟ قال : أعط كل حرف ما ينوبه من النقط " .
نرى من هذا أن الرقش كان معروفا فى أواخر العصر النبوى ) فان معاوية صار كاتبا له بعد فتح مكة فى سنة ثمان للهجرة ( نعم لم يراعه الناس تماما فى جميع ما يكتبون ، كما نرى فى برديات عصر سيدنا عمر أيضا . ولكن لا شك ان
الرقشة عرفها الناس منذ العصر النبوى فقد روى ابن الانثير أن النبى عليه السلام قال : " إذا اختلفتم فى الياء والتاء فاكتبوها بالياء " ) مثل ليعلم ولتعلم ( ويعاضده ما روى الدانى " عن يحيى ابن أبى كثير : كان القرآن مجردا فى المصاحف ، فأول ما احدثوا فيه النقط على الياء والتاء ، وقالوا : لا بأس به هو نور له "
الإعراب من المحتمل ان الاعراب شىء متأخر عن العصر النبوى واحتاج الناس اليه لما لحنوا فى قراءة القرآن . فيقال ان ابا الاسود الدؤلى اختار رجلا من عبد القيس فقال " خذ المصحف وصبغا يخالف لون المداد فاذا فتحت شفتى فانقط واحدة فوق الحرف واذا ضممتها فاجعل النقطة الى جانب الحرف ، واذا كسرتها فاجعل النقطة فى أسفله ، فان اتبعت شيئا من هذه الحركات غنة فانقطه نقطتين . فابتدأ بالمصحف حتى اتى على آخره . ثم وضع المختصر المنسوب اليه بعد ذلك " وعزا الدانى هذه الحكاية الى ولاية زياد زمن معاوية ، ولكن نقل بالهامش الدكتور عزة حسن ، محقق كتاب الدانى عن كتاب " الايضاح فى الوقف والابتداء " لابي بكر الانبارى ) ورقة ١٦-١٧ ( أن عمر بن الخطاب امر ابا الاسود فوضع النحو . وابو الاسود من التابعين توفى فى سنة ٦٩ للهجرة وكان تلميذ سيدنا على ايضا .
ولكن لما يرى ان رسم القرأن ) فى سورة ١٢ ، آية ٣٢ ( " ليكونا " بدل " ليكونن " وكذلك " اذا " بدل " اذن " ) ١٤/١٢ ( وايضا
لنسفعا ، بدل " لنسفعن " ) ١٥/٩٦ ( الى غير ذلك ، يمر ببالنا ان التنوين على الاقل من عصر النبي عليه السلام . ويؤكد هذا ان رسم القرآن ) فى ٨٨/٢١ ( " ننجى " . وبالعكس ايضا يرسم فى القرآن ) ٤٧/٥١ ( " بأييد " ويتلفظ " بأيد "
ولكن لا نجزم به . وصرح الدانى ان لاهل المدينة كان طريق خاص للاعجام ثم تركوه واخذوا طريق اهل البصرة . ولم يصل الينا الى الآن وثائق كافية لنعرف تطور حركات الاعراب واشكاله
ولا بأس بالاشارة ان الخط العربي يحذف الألف كثيرا ، فيكتب بسم الله الرحمن الرحيم وكان وجب ان يكتب " باسم اللاه الرحمان الرحيم " . ولكن هذا أمر قديم ونجده قبل الاسلام ايضا لا بالخط العربى فحسب ، بل ايضا بخطوط سامية اخرى مثلا يوجد كتابة أبرهة فى مارب على السد وهى بالخط الحميري ) المسند ( فتكتب " مسحه ورح قدس " ويجب أن نقرأ " مسيحه وروح قدس " ، فهذا الخط يحذف الوو والياء ايضا . كان الناس لم يحتاجوا الى حروف العلة وكفاهم الحروف الصحيحة .
ويجب ان ينسب ايضا الى اقدم العصور الاسلامية زيادة حرف الالف فى صيغة الجمع من الماضى والمضارع ) مثل فعلوا ، يفعلوا ( . وسبب رأيي هذا هو أن القرآن يستعمله احيانا ويتركه أحيانا ، وايضا يستعمل حيث لا نستعمل الالف الآن ، مثلا :
) ما كنت تتلوا ( ) بدل تتلو ( ٤٨/٢٩ . ) ما نشوا ( ) بدل ما نشاء ( ٨٧/١١ . ) وكذلك الضعفوا ، الشفعوا ، العلموا ( بدل : ) الضعفاء ، الشفعاء ، العلماء ( وهذا يدل
على ان هذا من اول امر الكتابة . وبما ان رسم سيدنا عثمان للقرآن لم يغير - ونعم ما فعل المسلمون - وصل الينا نماذج بدء الكتابة العربية .
النقود يوجد فى متاحف العالم نقود اسلامية من جميع العصور ، منها ما ينسب الى سيدنا عمر والى سيدنا معاوية . وعلى مؤرخ الخط العربى ان لا ينساها . وبما انى لم اشتغل بهذا الموضوع ، اكتفى بالاشارة اليه .
الخلاصة ان الروايات عند المؤرخين ، والحقائق
فى الوثائق القديمة مثل اوراق البردى والكتابات على الحجر وما ينسب من المكتوبات الى النبي ، وكذلك النقود ) الدراهم والدنانير وغير ذلك ( تدل على تطور سريع للخط العربى . فرقش الحروف وعلامات الاعراب بدأت منذ العصر النبوى ، وتم تطورها فى عصر الصحابة . وما دام لم يكن هناك وسائل الكتابة بالماكينات ، كفى اللغة العربية خطها الذى ورثته منذ العصر النبوى والخلافة الراشدة . وهذا الخط لا يماريه احد فى الجمال ، والاتقان والاقتصاد ، فان الخط العربى نوع من الاختزال يأخذ مكانا اقل مما تأخذ خطوط اخرى . فلو اعتنى صانعو المطابع ومهرة الخط العربي فتعاونوا لامكن ايجاد الآلات اللازمة لكتابة الخط العربى المشكل ) المعرب ( مع سرعة العمل وجمال الفن ، والله المستعان

