اني لسعيد بأن أحمل اليكم ، أنتم أعضاء مؤتمر أدباء العرب ، تحية الادباء التونسيين بل تحية " تونس " كلها حكومة وشعبا . تحية الشقيقة العربية الى شقيقاتها فيما بين الخليج الفارسي والمحيط الاطلسي وانها لتحية زاخرة بأعمق مشاعر الاخاء والترابط والتآزر من أجل تحقيق الوحدة وفي سبيل خير الجميع
واني لسعيد أيضا بأن أحمل اليكم هذه التحية الاخوية العميقة الصادقة باسم " تونس " المتحررة المستقلة وقد كسرت قيود الاستعمار والاستغلال ورفرفت على ربوعها أعلام الحرية والاستقلال وانطلقت تعبر عن ذات نفسها في غير سلطان عليها من واغل دخيل .
وأصارحكم أيها الاخوة الاحرار بأن " تونس " تحس احساسا قويا بأنها مدينة باستقلالها وتحررها لتلك النزعة القويمة التي آمن بها شعبها كل الايمان وهي نزعة الاستمساك بالقومية العربية والمحافظة عليها واتخاذها محورا تدور حوله اتجاهاتها في كيانها النفسي وفي حياتها العقلية والثقافية والادبية جميعا .
كانت القومية العربية في " تونس " سدا منيعا في وجه المستعمر حفظ " لتونس " شخصيتها واذكى حيويتها وصانها من أن تتحلل وتذوب تحت مطارق الاستعمار وفيما نصبه لها من حبائل وشباك فاذا هي تخوض معركة الحرية وامام عينها نور ساطع وهاج من قوميتها العربية يهبها المضاء والعزم والايمان .
فاذا كانت مهمة مؤتمر اليوم مؤتمر أدباء العرب أن يبحث موضوع " الادب والقومية العربية " فان البلاد التونسية عامة والادباء التونسين خاصة يستشعرون له هزة الاريحية والاستجابة في حرارة واخلاص . ذلك لان القومية العربية في تلك البلاد أصيلة عريقة تصاحب تاريخها منذ حمل اليها الركب العربي طابع العروبة . وقد كانت " القيروان " رابعة العواصم العربية الكبرى في نشر الثقافة ومن " القيروان " انتقلت الى المغرب العربي والى السودان المغربي والى الاندلس
لغة العرب وثقافة العرب وأدب العرب ، ومن أهل " القيروان " نبغ الاقطاب من اللغويين والادباء والنقاد كالقزاز والحصري وابن رشيق
بل ان " جامع الزيتونة " هو اسبق معاهد العروبة مولدا وابعدها في التاريخ عهدا فقد حمل مشاعل الثقافة العربية منذ اثنى عشر قرنا وستين عاما اذ تجرد لدراسة العلوم العربية منذ سنة ١١٦ هو ظل على مر العصور منارا للدرس والبحث يتخرج فيه العالم والفقيه والاديب وكان من الذين اغتذوا بلبانه شيخ علم الاجتماع وفخر العقلية العربية عبد الرحمان بن خلدون .
وان " تونس " قد ورثت " القيروان " في القيام على تراث العروبة وارساء دعائم القومية العربية منذ سبعمائة سنة . وقد اقامت - الى جانب معهدها العتيق معهد الزيتونة - مؤسسة علمية لبثت تعمل معه وهي " المدرسة الصادقية " التي اسسها المصلح الكبير " خير الدين التونسي " وبفضل ابناء الزيتونة والصادقية بسقت دوحة الثقافة العربية وازدهرت افنان الادب العربي وعلى يد أولئك الابناء البررة واذكر منهم محمود قابدو وابا القاسم الشابي انبثت في الامة روح العروبة واستقرت عقيدة القومية العربية ثائرة على الاستعمار والاستبداد داعية الى العزة والحرية منادية بالاخاء والوحدة بين أمم العرب .
اخواني : يقول شاعرنا العربي :
انما تنجع المقالة في المر ء اذا صادفت هوى في الفؤاد
ولا أحسب ان بين الاراء والمنازع في محيط الامم العربية مقالة هي أقرب الى القلوب والعقول جميعا من عقيدة القومية العربية والادباء في كل عصر هم المرآة المجلوة لنزعات الامم ومقومات حياتها فلن يكون أدبنا العربي صادقا كل الصدق مصورا لحياتنا حق التصوير الا اذا عبر عن حياة القومية العربية وصدر عن روحها وآتاها ما يتيح لها في مستقبل العروبة كمال النماء والازدهار .
فامضوا في سبلكم أماما وعناية لله من حولكم تبارك الجهود وتسدد الخطى.

