فصل ممتع من كتاب ذي اسلوب وتفكير حديثين في دراسة شاعرية الشاعر ابن الرومي بعنوان ) ليالي ابن الرومى ( لمؤلفه صديقنا الأستاذ طاهر زمخشرى وقد اعده للطبع
. . وتراقصت الاشباح حول وسادى لتحول بينى وبين النوم وشعرت بالأفكار السود ، تثقل رأسى فلا استطيع تحريكه الى ذات اليمين او ذات الشمال ، وبدأت هواجسى تتلاحق ، وكأنها زبد موج يتكسر على الشاطئ .
وكان الليل ساكنا والنجوم توصوص لاهية فى جلبابه الداكن ، مرسلة بصيصا من النور الخافت لا يشرق ولكنه يزيد الظلام روعة وفتنة ؛ ومرت الدقائق بطيئة والليل فى سكونه يعد خطواتها فى تثاقل وكان الامر لا يعنيه أو كأنه لا يرتقب مطلع الفجر ، فحولت بصرى على غير قصد منى الى عقرب الساعة المعلقة على الجدار فاذا بها تشير الى الثامنة ، وإذا فى أثب فجأة من الفراش جامعا قبضة يدى كمن يريد ان يلاكم ، ولكن عضلاتى تراخت عندما احسست ان هذه الاشباح أخيلة لذكريات ايامى السعيدة والشقية معا ، تجيء هذه لتذكرني بيوم طواه الماضى فتنشر صوره حولى ، حتى اذا حملقت فيها وكأنى أحاول التهامها طوتها لتعرض على صورا اخرى ، لتهون على نفسى جرائر الارق باستعراض هذه الصور ، إلا انى اريد الالتذاذ بالنوم لاغمض أجفانى واضمن لعضلات جسمى بعض الراحة ، وهذا الذى دعانى الى محاولة طرد الاشباح ولو بلكمة واحدة اذا كان هذا فى مقدورى . .
وقلت لنفسى : هذا هو الهزيع الاخير من الليل والاشباح مصرة كل الاصرار على ان تحول بيني وبين النوم فما على اذن الا الابتعاد عن مكانها حول وسادى ، بالذهاب الى تلك الرابية التى تعودت الصعود اليها كلا طاردتنى الهواجس ، لانى أستريح اليها والى الكون الساكن حولها . !
وانا فى طريقي اليها إذا بصدى صوت جهورى يردد :
وجر بت حتى ما أرى الدهر مغريا على بشيء لم يقع فى تجاربي
ارى المرء مذ يلقى التراب بوجهه الى ان يوارى فيه رهن النوائب
ولو لم يصب الا بشرخ شبابه لكان قد استوفى جميع المصائب
يا هذا لا تفزع من الهواجس ولا ترهبها ولا ترغب فى الفرار منها ؛ لأن الرغبة فى الأمر كالفرار والرهبة منه ، والغاية واحدة ، وانا مثلك :
تتنازعنى رغب ورهب كلاهما قوى واعياني اطلاع المغايب
فقدمت رجلا رغبة فى رغيبة واخرت رجلا رهبة فى المعاطب
اخاف على نفسى وارجو مفازها واستار غيب الله دون المعايب
آلا من يرينى غايتى قبل مذهبى ومن أين والغايات بعد المذاهب ؟ !
وانتبهت من غيبوبتى عند سماع هذه الابيات ؛ وتوحيت مصدر الصوت الا انه صوت مجلجل مدو من كل الآفاق التى حولى فما وسعنى الا الاصغاء اليه بكل نفسي الا انه انقطع فأخذت اردد واتذوق ما فى الآبيات من معان سامية وما فى نفس صاحبها من طموح نفس تزاعة الى إدراك الرغائب ، هيسابة فحسب حساب المعاطب ؛ فهو لذلك يقدم رجلا رغبة فى الرغيبة ويؤخر الثانية خوفا على نفسه من التهلكة ، فاين من يريه غايته وهو ذاهب اليها مادامت الغايات بعد المذاهب فى ايمان الظافر بغاياته فى النهاية ، ولو أنه الرجل الذى لا يغرب الدهر على شئ لم يقع فى تجاربه رغم أن هذا الدهر رهن النوائب فماذا يروعه اذن ومم يخاف . ؟
وتجسمت صورة هذا الساعى وراء غاياته بهذا التبصر الحكيم ومصاولته لدهره الملىء بالمصائب ولكنى لا اكاد اصدق بل ولا أصدق ان نهاية المصائب قد يستوفيها فقدان شرخ الشباب ؛ فالحيوية المتدفقة لا يحد من نشاطها ولا يخفف من فورتها كر السنين والايام ، ونسبة النشاط واحدة فى كل المراحل ؛ والشباب مرحلة من مراحل العمر لا أكثر ولا أقل . .
وغمرنى التفكير فى هذه الاخيلة فما راعنى الاصدى الصوت آتيا من بعيد مرددا : " لك العذر يا هذا لان للشباب ذكربات حبيبة الى النفس ، وانك لانزال
نعيش فى كنفها ؛ مغمورا فى ملذاتها وصبواتها ، إلا انك قريبا ستجد نفسك قاب قوسين او ادنى من الشيب فهىء عصاك التى تتوكأ عليها وتهش بها على هذه الذكريات ، لتسوقها معك الى عالم الفناء ! وستحس بواقع الامر عندما تلمع أول شعرة بيضاء فى رأسك وتردد فى حسرة :
أول بدء المشيب واحدة تشمل ما جاوزت من الشعر
مثل الحريق العظيم تبدؤه أول سول صغيرة الشرر
تعدى إذا ما بدت - صواحبها كأنها عرة من العرر
كذا صغار الأمور مابرحت تكون منها مبادئ الكبر
هنالك فقط تشعر ان الشباب آفلت من يديك ، وفقدته فلا نجد العزاء إلا فى مرا كضته ، وسوف لا يعود اليك مهما حدثت عنه ، ما دام المشيب قد اخذ سبيله اليك فتعز بالركض فى ميادين باطله ، لأن الزمان قد ساءك بفقدانه وانت فى غفلة ؛ وردد إذا شئت :
لاح شيب فرحت أمرح فيه مرح الطرف فى العذار المحلى
وتولى الشباب فازددت ركضا فى ميادين باطلى اذ تولى
ان من ساءه الزمان بشىء لأحق الورى بأن يتسلى
فشتان بين مرحلة كلها فورة واندفاع ، ومرحلة تثقل فيها الخطى ، لان . حاديها الناهى المطاع كما يقال :
كفى بالشيب من ناه مطاع على كره ومن داع مجاب
حططت الى النهى رحلى وكلت مطية باطلى بعد الهياب
وقلت مسلما للشيب : أهلا بهادى المخطئين الى الصواب
ألست مبشرى فى كل يوم بوشك ترحلى أثر الشباب ؟
لقد بشرتني بلحاق ماض أحب إلي من برد الشراب !
فلست مسميا بشراك نعيا وإن اوعدت نفسى بالذهاب
فلعلك اذا دفعت بشبابك الى الهاوية ، وهدرته بالاندفاع معه فى تيار الشهوات واللذاذات الزائفة ، فستحاول ان تبكى عليه بعينك فلا تطيق لأن الكلال قد اذابها ، وستحب أن تسمع اصداء الحديث عنه فلا تستطيع لأن أذنك
لم تعد تصغى إلا للصخب ؛ ويحب ان ترجع فلا تقدر لأن قدميك على شفا جرف هار تنتظران زهقة النزع أو لطمة الموت القاسية فصدقني فيما أقول :
ومن صدق الاخيار وار واسقامه بصحة آراء ويمن نقائب
ومازال صدق المستشير معاونا على الرأى لب المستشار المحازب
وأبعد أدواء الرجال ذوى الضنا من البرء داء المستطب المكاذب "
ولقد كدت ان اصعق عندما سمعت الصوت يردد كل هذا فى أسلوب رصين وديباجة مشرقة ، وتصوير شيق يستهوى الادراك فمن هو ياترى صاحبه . . ؟ فلم تختلج هذه الخاطرة فى نفسي حتى سمعت الصدى يتجاوب ثانية بقوله :
أنا من خف واستدق فما يثقل أرضا ولا يسد فضاء
ان أكن غير محسن كلما تطل ب إنى لمحسن أجزاء
فمتى ما أردت صاحب فحص كنت ممن يشاعر الحكماء
ومتى ما أردت قارض شعر كنت ممن يساجل الشعراء
ومتى ما خطبت منى خطيبا جل خطبي ففاق بى الخطباء
ومتى حاول الرسائل رسلى بلغتني بلاغتى البلغاء
يالله هذا الضامر الدقيق التركيب يقول عن نفسه إنه ناقد وشاعر وخطيب واديب ، من يسمع هذا الا يرمي قائله بالجنون أو الغرور على الاقل ؟ ! يا للادعاء اذا كان لا يحسن كل ما يطلب منه وهو يحسن ما يذكر اعتقد انه من الافذاذ وقل ان يجود الزمان بمثله ، ولكنى أشك فى أنه أحد أولئك الحمقى المغرورين .
واخذت خواطرى تتلاحق فى تصوير هذه الشخصية او تصوير غروره بصورة ادق . . الا ان الصوت انسكب فى اذنى هذه المرة نغوما يمازجها شىء كثير من الرقة وفي نبرة اشبه ما تكون بنبرة العاتب المدلة ؛ وكانها نبرة محب عاتب يعلن الرضا ، ويتجاوز عن الهفوة ؛ وهل هفوة اعظم من ان ارميه او ارمى صاحبه على الاصح بالغرور وانا لم اتعرف إليه بعد ، بل ولم ادر اين مكانه من الارض ؟ ولكن سمو الخلق وصفاء النفس يحلقان بصاحبهما فى أسمى الآفاق ومن السمو التجاوز عن الهفوات والسيئات
قال فى نبرته النغوم الرقيقة الناعمة :
تجاوزت عن خطيئتك لان من مبادئي العفو ، وعليك ان تكون كذلك :
خذ العفو واصفح عن اخ بعض عيبه إذا ما بدا و ارفق بما أنت غامز
فان هو أدى بعض حق فارضه فليس بمغبون أخ متجاوز
ولهذا عفوت عنك ، والعفو من شيم الكرام .
اتانى مقال من اخ فاغتفرته وان كان فيما دونه وجه معتب
وذكرت نفسي منه عند افتضاحها محاسن تعفو الذنب عن كل مذنب
ومثلى رأى الحسنى بعين جلية وأغضى عن العوراء غير مؤنب
فياهاربا من سخطنا متنصل هربت الى أنجى مفر ومهرب
فعذرك مبسوط لدينا مقدم وودك مقبول بأهل ومرحب
ولو . بلغتنى عنك أذني أقمتها لدي مقام الكاشح المتكذب
ولست بتقليب اللسان مصارما خليلي اذاما القلب لم يتقلب "
الا ما أسمى هذه النفس الرقيقة الحواشى ، والجياشة بالعواطف النبيلة وما اسعدني بالاصغاء الى ما تفيض به ، الا ان الفجر قد اطل من وراء الجبال ، فتراجع الليل ، وغاب الصوت ؛ وانا لا أكاد اريم من مكانى افكر فى هذا الصوت ؛ ومبعثه وارجع الى صوابى ووقع الحياة ، فاذا بى بين شباب فى ملذاتهم يعمهون ، وشيوخ بتصابيهم يتفكهون ، فقلت لنفسي لعله صوت من الماضى .

