الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "المنهل"

صورة وكفاح

Share

في أوائل صيف عام ١٣٨٣ ه وفي الطائف مصيف المملكة العربية السعودية . . الذى يفد اليه كل صيف آلاف المواطنين على مختلف طبقاتهم ومستوياتهم ، حيث الجو اللطيف ، والهواء العليل والفواكه الطازجة . في عشية ذات يوم ، بينما كنت أؤدى عملى كمدرس لمادة الآلة المكاتبة بالمعهد الفني السعودي بالطائف ، دخل على ، شاب يتراوح عمره ما بين العشرين او الحادية والعشرين . . أسمر اللون ، ربعة القامة ، متوسط الطول ترتسم على محياه علامات الطموح والسعي وراء مناهل النور والعرفان ، فصافحني ثم سألني عن كيفية الدراسة بالمعهد وعندما لاحظ انني سأجيبه عما استفسر عنه أخذ ورقة ومدها الى طالبا اجابته تحريريا فعلمت أنه فاقد السمع وفعلا أجبته . وقبيل مغادرته المعهد التفت نحوي وقال : هل يتعارض فقدان سمعي مع تعلم الآلة ؟ قلت : لا . فازداد طموحا ورغبة بعد أن ساوره الشك في قبوله فاستأذنني في الذهاب على أمل العودة في اليوم التالي لاحضار ما طلب منه والبدء في الدراسة فأذنته .

عاد في اليوم التالي وفي نفس الساعة التي حضر فيها في اليوم الاول . . محضرا ما طلب منه . وقبل البدء في اعطائه الدرس الاول . . عارضني قائلا : ان لى قصة أريد أن أشرحها لك قبل دراستي للآلة فقد تجد فيها ما يجعلك تمنحني قليلا من الرحمة والعناية . . وتكون المساعد الأول لي في

الالمام بهذا الفن الذي قد ييسر لي اعاشة أسرة كبيرة ! قلت له : قد تطول القصة ونخسر يومنا هذا !

قال : الأمل في الغد . قلت له : قلها قال : في العاشرة أو الحادية عشرة من عمري تقريبا أصبت بحمى شديدة الزمتني الفراش شهرين متواليين ، وكنت حينذاك أدرس في السنة الثانية الابتدائية ، مما جعلني أنقطع عن الدراسة من عام ٧٢ ه حتى عام ٧٨ ه وقد نتج عن هذا المرض فقداني السمع . ورغم كل ذلك فقد عدت للدراسة وأجهدت نفسي حتى تحصلت على شهادة اتمام الدراسة الابتدائية عام ٨٢-٨٣ ه وطيلة هذه المدة كنت وأبي وبعض أقاربي نفكر في عرض نفسى على الاطباء الاختصاصيين . وفعلا عرضت نفسي على اللجنة الطبية المحلية بالطائف وعلى الهيئة الطبية العليا بالرياض ، فأصدرتا تقريريهما بعدم جدوى علاجي لا في الداخل ولا في الخارج ولم أيأس من رحمة الله فرحمته وسعت كل شئ وهو الذي سلبني سمعي القادر على اعادته في يوم من الايام . وحاولت الحصول على عمل كتابي ، الا ان مرضي كان حائلا دون قبولي في بعض الأحيان ففكرت في الالمام بفن الآلة فقد احصل منه على عمل باعتبار كونه صنعة . . وأستطيع

معه مواصلة دراستي وتأمين معيشتي ومعيشة اسرتي .

قلت : بعد أن أثارت هذه القصة شجوني ، وتفاعلت مع احساسي ومشاعري وتسربت الى قلبي : حقا يا أخي انها قصة كادت تكون محزنة لولا أن الكفاح ألبسها ثوبا رقيقا ، وطموح النفس زادها جلاء وعمقا . . فسر على بركة الله . . ولا تدع لليأس طريقا الى قلبك . . فالغد قريب ، والمستقبل مشرق . . وهكذا مضى يومنا وكان درسا وعبرة . . كان ترحيبا بقضاء الله وقدره . . كان طموحا . . الى العلياء بهمة وشجاعة . كان صبرا وسعيا . . في الحياة نحو الأمل المنشود

بدأ دراسة الآلة ومعه الكثرر من الطلاب فكان مثالا للطالب المجد . . لم أجد في تعليمي له أية صعوبة . . رغم أن شرحي الدروس له كان تحريريا حينا وشرحا بالاشارة على السبورة حينا آخر . وقد كان محل اعجاب زملائه لما يتمتع به من فكر صائب وذكاء خارق . . وبعد مضي ثلاثة أشهر او اربعة من دخوله اختبرته ضمن دفعة جديدة فكان ترتيبه الأول فيها وكانت سرعته في الدقيقة الواحدة بمعدل ثلاثين كلمة . وهكذا وبالعزم والتصميم استطاع تحقيق هدفه ، لقد تعلم فن الآلة .

وبرح المعهد بعد أن تسلم شهادته . . وكنا جميعا ندعو له بالتوفيق . . وقد ظل مواظبا على الاتصال بى ، وكنت أسعى معه للحصول له على عمل . . وبعد بضعة أشهر وفقه الله الى عمل ناسخ آلة بالمرتبة الثالثة خارج الهيئة في احدى المصالح الحكومية بالطائف ولم يستقل هذا العمل فقد قبله

بصدر رحب وظل مستمرا في عمله ليكتسب زيادة في التمرين وخبرة فيه . . للحصول على مرتبة أرقى . . وكان في عمله هذا مضرب المثل ومثار اعجاب كل من رآه وهو يسيطر على الآلة بطريقتها الصحيحة ) اللمس ( حتى لقد بلغت سرعته فيها من ٣٠-٦٠ كلمة في الدقيقة الواحدة . . ثم التحق بالسنة الأولى المتوسطة عن " طريق المنازل " ونجح في السنة الثانية المتوسطة في جميع الدروس ، ومنها اللغة الانكليزية . وهو يدرس الآن بالسنة الثانية المتوسطة . وهدفه أن يكمل تعليمه الجامعي ويصبح نواة عاملة في بلاده الناهضة . . ويشاء القدر أن تشغر وظائف نساخ آلة بالمصلحة التى يعمل بها فاشترك ضمن المتسابقين ففاز في احداها . . بالمرتبة التاسعة .

اخي القارىء : انها صورة صادقة بطلها يعيش بين ظهرانينا انه الشاب ) محمد عبد الله النفيعي ( وهو صورة لا يصحبها شئ من الخيال . . صورة حية تعكس لنا حياة شاب مسلم لم يستسلم لليأس رغم تعثره بل تسلح بالصبر والايمان ، وظل يكابد في الحياة حتى رأى النور واستضاء بنوره الوهاج .

وهائنذا أسوق هذه القصة الواقعية لكل شاب مسلم لما حوته من معاني الكفاح والصمود أمام عقد الحياة ومتاعبها وكيف السبيل الى تحقيق الغايات المنشودة . والتغلب على المصاعب .

فحيوا معي هذا الشاب . . وليكن لنا قدوة نحن الشباب العربي السعودي المسلم . . في مسيرتنا في بلادنا المتطورة نحو الاهداف الطيبة والآمال الشامخة .

الطائف (

اشترك في نشرتنا البريدية