كنا نتحدث عن الأعاجيب والأحداث الغريبة التى مرت ولم يكن لها أى تفسير طبعي . . وكان معظمنا قد ذكر حادثة أو قصة على الاقل . . وكان من بين الجلوس رجل دقيق الجسم ذو وجه ابيض شاحب . . كان يراقب . . وينظر الى المتكلمين ولم يفه بكلمة واحدة . . عندها اراد " ديبني " ان يشركه معنا في الحديث . . فاستدار اليه وساله اذا كانت لديه قصة او حادثة يرويها لنا . .
فكر الرجل لحظة ثم قال :
حسنا . . ليس ما ساقوله قصة عادية ، . وبمعنى الكلمة . . لكنها حقيقة . . وأعتقد انها ليست اكثر غرابة من القصص الاخرى فقط بل أكثر متعة ايضا . . وساخبركم عنها لانها حدثت لي شخصيا . . وتزداد غرابتها فى انها اكتملت بعد ظهر هذا اليوم !
ورجوناه أن يبدأ القصة فقال : " منذ سنة أو اثنتين مضتا . . كنت
فى بيت عتيق متهالكة جدرانه من أثر الرطوبة . . فقد كانت على الغرفة بقع كبيرة من الرطوبة تملأ القشرة المغطية للجدار . . واحدة من هذه البقع كانت تحدث باستمرار ، وكانت تشبه وجه رجل ما تماما . . مما جعلني أعتاد مراقبتها أثناء تمددي فى الفراش صباحا . . وأخيرا بدأت أفكر فيه . أو فيها ، على أنه حقيقة . . وكأن الرجل معي ورفيقى فى السكن . . والسئ الغريب انه بينما كانت البقع الاخرى والشقوق تتغير وتتشكل الا أن هذه البقعة ظلت كما هى محافظة على شكلها الاول . .
كنت يومها اشعر بالمرض . . فلازمت الفراش وليس لدي شئ سوى القراءة أو التفكير . . وعندها استطاع ذلك الوجه الحائطي أن يأخذ جل الاهتمام والتفكيرمنى . لقد بدأت ملامحه تظهر يوما بعد يوم . .
وشكه يتضح اكثر فاكثر . . فأصبح شيئا هاما فى تفكيرى ، فى ليلتى ونهارى . . أصبحت استدارة الأنف مكتملة . . والرأس كان غريبا . . لقد كان لرجل غريب
جدا نادر الوجود بنسبة واحد فى الألف
" حسنا . . لقد بت أشعر بالراحة . . ولكن الوجه ظل مسيطرا علي ، تماما حتى لقد وجدت نفسى أفتش فى الشوارع عمن يشبهه . . وكنت متأكدا الى حد ما بأن الرجل حقيقة موجود . . ويجب ان أقابله . . لم أعرف لماذا . . كل الذى أعرفه اننى وهو قد اجتمعنا سوية . . بالمصادفة وفي هذه الغرفة . . ذهبت الى أماكن لا يتجمع اليها سوى الرجال . . كالاجتماعات السياسية . . مباريات الكرة . . محطات القطارات . . ولكن كل جهد لى ذهب هباءا ، ولكم كانت الوجوه المختلفة هناك . . وكم هى كثيرة . . كلها كانت مختلفة . متباينة . . وكلها كانت تنتمى الى أنماط عديدة .
لقد أصبحت مجنونا بالبحث عنه ، ولقد أهملت كل شئ سواه . . كنت أقف بين جموع الناس باحثا عنه . . حتى أنهم حسبوني معتوها . . وحامت شكوك الشرطة حولى لكثرة ذهابي ومجيئى . .
النساء . . لم أعد أنظر اليهن الرجال . . الرجال فقط . . وطيلة الوقت .
مرر الغريب يده بطريقة قاسية على وجهه ثم قال :
وحينئذ . . وفي النهاية رأيته . . كان في سيارة أجرة متجها شرقا نحو " بيكادلى " فلحقته . . ولكنى لم أستطع تماما . . فأخذت سيارة أجرة وصحت في السائق : الحق بالسيارة تلك
وقد نجح السائق فى تتبعها حيث وصلنا الى محطة " تشارينج كروس " للقطارات واندفعت فوق الرصيف ووجدت الرجل الذي أريد ، وبرفقته سيدتان وطفلة كانوا ذاهبين الى فرنسا . . فانتظرت محاولا الحصول منه ولو على كلمة واحدة . . ولكن عبثا حاولت . . ثم جاء بقية الرفاق فانضموا اليهم . . وتحركوا سوية الى القطار . . وبسرعة استطعت قطع تذكرة الى " فولكستون " مؤملا الأمساك به على الباخرة قبل ابحارها . . ولكنه كان قد سبقني اليها مع أصدقائه واختفوا عني حيث ضمتهم غرفة خاصة ، لقد كان على ما بدا لى ذا ثروة طائلة .
وما الفائدة ؟ . لقد فشلت ثانية . . ولكننى قررت العبور الى فرنسا ايضا واثقا من انه سيترك رفاقه بعد بداية الرحلة ويغادرة الغرفة للتنزه . . لقد كان لدي من المال ما يكفى فقط لتذكرة الى بولونيا . . ولكن ليس هناك ما يستطيع منعي الآن .
اتخذت مكانا تجاه باب غرفته وانتظرت بعد نصف ساعة فتح الباب . وخرج منه الرجل ومعه الطفلة الصغيرة . . شعرت
لحظتها ان قلبي قد زادت دقاته . حتى لكانها تستطيع هز السفينة هزا .
كانت تقاطيع وجهه هي هي . . ليس هناك اى فارق . . نظر الى ، ثم ابتعد عني . . فقلت في نفسي : اما الآن . . وأما فلا . .
ثم وجدت نفسي أقول له : اعذرني يا سيدى ! لا أظن انه يضيرك لو أعطيتني بطاقتك الخاصة . . فلدى سبب ضرورى جدا للاتصال بك
هنا بدت عليه الدهشة والاستغراب . . ولكنه فعل ما أردت منه . . فببطء شديد تناول محفظته ثم ناولني البطاقة ثم اختفى عن ناظرى . . فقد كان واضحا جدا انه اعتقدني مجنونا ومن الأحسن به أن يفعل ما أردت . .
" وبكل حذر ودقة أمسكت بالبططاقة . وأسرعت نحو ركن هادىء بالباخرة وقراتها ، أظلمت الدنيا فى عيني . . أصاب الدوار ، رأسى بسبب هذه الكلمات ( مستر اورماندوول ) ! وبعنوان : " بستبرج الولايات المتحدة " .
بعد ذلك فانى لا أتذكر شيئا الا انني وجدت نفسى فى مستشفى بمدينة بولون ، هناك حيث مكثت في حالة سيئة جدا لبضعة اسابيع . . ومنذ شهر فقط عدت إلى هنا .
( وسكت الغريب ثانية . . ونظرنا اليه والى بعضنا . . لقد كانت كل احاديث الآخرين لا شئ إذا ما قيست بقصة هذا الرجل الشاحب الوجه ) .
" عدت ثانية " . . قالها بعد لحظة او اكثر : عدت ثانية . . والى ( جريت اورمائد )
ستريت ) . وعنا بدلت كل ما استطيع من جهد لمعرفة ما يمكن عن هذا الامريكى . . كتبت الى يستبرج . . لرجال الصحافة الامريكان . . قابلت بعض الامريكيين فى لندن . . ولكن كل الذى استطعت معرفته هو انه مليونير ذو أبوين انكليزيين يسكنان لندن . . ولكن أين ؟
وهنا لم أجد اجابة للسؤال هذا . . كان الوقت يمضى ، ويمضى . . حتى توقف صباح الأمس . . حيث ذهبت الى الفراش فى تعب شديد غير عادى ، ونمت الى وقت متأخر . . وعندما استيقظت كانت الشمس يملأ الغرفة بأشعتها . . وكما تعودت فقد نظرت الى الجدار مباشرة حيث الوجه . . ثم فركت عيني ونهضت قائما . . لقد كان بالامكان رؤيته . . ولكنه البارحة كان أشد وضوحا اذ بهت لونه بالمرة . . فخرجت مغضبا حزينا . . فوجدت صحف الصباح جاهزة لبيع . . ومن بين ابرز عناوينها
( حادثة اصطدام لمليونير امريكي )
لا بد أنكم جميعا قد قرأتم هذا الخبر . . المهم لقد اشتريت صحيفة وقرأت فيها ما كنت اعرفه من قبل : " مستر اورماند وول . . مليونير يستبرج وجماعته . . على سيارة من سبيزيا إلى بيزا . . وقوع حادث لهم حيث انقلبت بهم السيارة . . حالة المستر اورماند خطرة ! "
رجعت حالا الى غرفتي وكأننى فى حلم غريب . . وجلست على السرير متطلعا الى الوجه بعينين مضببتين . . وحالما عاد الصفاء إلى عيني وعلى حين غرة وجدته قد اختفى تماما !
أخيرا وجدت ان المستر " ر ن ، قد
مات وهذا ما خمنته
وسكت ثانية . . فقلنا : مدهشة حقا وغريبة جدا
نعم . . قالها الرجل ثم اضاف :
هناك ثلاث عجائب وهي اكثر الاشياء غرابة في قصتى هذه . . .
فقلنا بصوت واحد : وما هي العجانب ذى ؟
فقال : الاولى : وهي احتمال وجود تشققات رطبة بجدار في عمارة سكنية بلندن وليس فقط ان تشبه وجل رجل امريكي محترم . . بل ان تختفى بمجرد موته . . . وهذا من الصعب على العلم أن يفسره . .
الثانية : وهي ان يكون اسم ذلك الرجل مطابقا لاسم المكان الذي ظهر منه وجهه على الجدار . . . أليس كذلك ؟
قلنا : نعم . . هو كذلك . .
ثم بدأ نقاشنا بانفعال تام . . وأثناء ذلك قام الرجل الشاحب الوجه وقال : ليلة سعيدة أيها الاصدقاء
وعندما كان بالباب سأله أحدنا قبل تركه الغرفة عن الشئ الثالث الذي اعتبره الاعجوبة ثالثة فى قصته العجيبة ؛
قال الرجل حالما فتح الباب :
أوه . . كدت أنساه . . أو قد نسيت . .
الأعجوبة الثالثة يا اصدقائي كانت حول القصة نفسها . . اذ الفتها قبل نصف ساعة فقط . .
الى اللقاء مرة ثانية
( مكة المكرمة )

