الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "المنهل"

صورة, The Face on the Wall

Share

كنا نتحدث عن الأعاجيب والأحداث الغريبة التى مرت ولم يكن لها أى تفسير طبعي . . وكان معظمنا قد ذكر حادثة أو قصة على الاقل . . وكان من بين الجلوس رجل دقيق الجسم ذو وجه ابيض شاحب . . كان يراقب . . وينظر الى المتكلمين ولم يفه بكلمة واحدة . . عندها اراد " ديبني " ان يشركه معنا في الحديث . . فاستدار اليه وساله اذا كانت لديه قصة او حادثة يرويها لنا . .

فكر الرجل لحظة ثم قال :

حسنا . . ليس ما ساقوله قصة عادية ، . وبمعنى الكلمة . . لكنها حقيقة . . وأعتقد انها ليست اكثر غرابة من القصص الاخرى فقط بل أكثر متعة ايضا . . وساخبركم عنها لانها حدثت لي شخصيا . . وتزداد غرابتها فى انها اكتملت بعد ظهر هذا اليوم !

ورجوناه أن يبدأ القصة فقال : " منذ سنة أو اثنتين مضتا . . كنت

فى بيت عتيق متهالكة جدرانه من أثر الرطوبة . . فقد كانت على الغرفة بقع كبيرة من الرطوبة تملأ القشرة المغطية للجدار . . واحدة من هذه البقع كانت تحدث باستمرار ، وكانت تشبه وجه رجل ما تماما . . مما جعلني أعتاد مراقبتها أثناء تمددي فى الفراش صباحا . . وأخيرا بدأت أفكر فيه . أو فيها ، على أنه حقيقة . . وكأن الرجل معي ورفيقى فى السكن . . والسئ الغريب انه بينما كانت البقع الاخرى والشقوق تتغير وتتشكل الا أن هذه البقعة ظلت كما هى محافظة على شكلها الاول . .

كنت يومها اشعر بالمرض . . فلازمت الفراش وليس لدي شئ سوى القراءة أو التفكير . . وعندها استطاع ذلك الوجه الحائطي أن يأخذ جل الاهتمام والتفكيرمنى . لقد بدأت ملامحه تظهر يوما بعد يوم . .

وشكه يتضح اكثر فاكثر . . فأصبح شيئا هاما فى تفكيرى ، فى ليلتى ونهارى . . أصبحت استدارة الأنف مكتملة . . والرأس كان غريبا . . لقد كان لرجل غريب

جدا نادر الوجود بنسبة واحد فى الألف

" حسنا . . لقد بت أشعر بالراحة . . ولكن الوجه ظل مسيطرا علي ، تماما حتى لقد وجدت نفسى أفتش فى الشوارع عمن يشبهه . . وكنت متأكدا الى حد ما بأن الرجل حقيقة موجود . . ويجب ان أقابله . . لم أعرف لماذا . . كل الذى أعرفه اننى وهو قد اجتمعنا سوية . . بالمصادفة وفي هذه الغرفة . . ذهبت الى أماكن لا يتجمع اليها سوى الرجال . . كالاجتماعات السياسية . . مباريات الكرة . . محطات القطارات . . ولكن كل جهد لى ذهب هباءا ، ولكم كانت الوجوه المختلفة هناك . . وكم هى كثيرة . . كلها كانت مختلفة . متباينة . . وكلها كانت تنتمى الى أنماط عديدة .

لقد أصبحت مجنونا بالبحث عنه ، ولقد أهملت كل شئ سواه . . كنت أقف بين جموع الناس باحثا عنه . . حتى أنهم حسبوني معتوها . . وحامت شكوك الشرطة حولى لكثرة ذهابي ومجيئى . .

النساء . . لم أعد أنظر اليهن الرجال . . الرجال فقط . . وطيلة الوقت .

مرر الغريب يده بطريقة قاسية على وجهه ثم قال :

وحينئذ . . وفي النهاية رأيته . . كان في سيارة أجرة متجها شرقا نحو " بيكادلى " فلحقته . . ولكنى لم أستطع تماما . . فأخذت سيارة أجرة وصحت في السائق : الحق بالسيارة تلك

وقد نجح السائق فى تتبعها حيث وصلنا الى محطة " تشارينج كروس " للقطارات واندفعت فوق الرصيف ووجدت الرجل الذي أريد ، وبرفقته سيدتان وطفلة كانوا ذاهبين الى فرنسا . . فانتظرت محاولا الحصول منه ولو على كلمة واحدة . . ولكن عبثا حاولت . . ثم جاء بقية الرفاق فانضموا اليهم . . وتحركوا سوية الى القطار . . وبسرعة استطعت قطع تذكرة الى " فولكستون " مؤملا الأمساك به على الباخرة قبل ابحارها . . ولكنه كان قد سبقني اليها مع أصدقائه واختفوا عني حيث ضمتهم غرفة خاصة ، لقد كان على ما بدا لى ذا ثروة طائلة .

وما الفائدة ؟ . لقد فشلت ثانية . . ولكننى قررت العبور الى فرنسا ايضا واثقا من انه سيترك رفاقه بعد بداية الرحلة ويغادرة الغرفة للتنزه . . لقد كان لدي من المال ما يكفى فقط لتذكرة الى بولونيا . . ولكن ليس هناك ما يستطيع منعي الآن .

اتخذت مكانا تجاه باب غرفته وانتظرت بعد نصف ساعة فتح الباب . وخرج منه الرجل ومعه الطفلة الصغيرة . . شعرت

لحظتها ان قلبي قد زادت دقاته . حتى لكانها تستطيع هز السفينة هزا .

كانت تقاطيع وجهه هي هي . . ليس هناك اى فارق . . نظر الى ، ثم ابتعد عني . . فقلت في نفسي : اما الآن . . وأما فلا . .

ثم وجدت نفسي أقول له : اعذرني يا سيدى ! لا أظن انه يضيرك لو أعطيتني بطاقتك الخاصة . . فلدى سبب ضرورى جدا للاتصال بك

هنا بدت عليه الدهشة والاستغراب . . ولكنه فعل ما أردت منه . . فببطء شديد تناول محفظته ثم ناولني البطاقة ثم اختفى عن ناظرى . . فقد كان واضحا جدا انه اعتقدني مجنونا ومن الأحسن به أن يفعل ما أردت . .

" وبكل حذر ودقة أمسكت بالبططاقة . وأسرعت نحو ركن هادىء بالباخرة وقراتها ، أظلمت الدنيا فى عيني . . أصاب الدوار ، رأسى بسبب هذه الكلمات ( مستر اورماندوول ) ! وبعنوان : " بستبرج الولايات المتحدة " .

بعد ذلك فانى لا أتذكر شيئا الا انني وجدت نفسى فى مستشفى بمدينة بولون ، هناك حيث مكثت في حالة سيئة جدا لبضعة اسابيع . . ومنذ شهر فقط عدت إلى هنا .

( وسكت الغريب ثانية . . ونظرنا اليه والى بعضنا . . لقد كانت كل احاديث الآخرين لا شئ إذا ما قيست بقصة هذا الرجل الشاحب الوجه ) .

" عدت ثانية " . . قالها بعد لحظة او اكثر : عدت ثانية . . والى ( جريت اورمائد )

ستريت ) . وعنا بدلت كل ما استطيع من جهد لمعرفة ما يمكن عن هذا الامريكى . . كتبت الى يستبرج . . لرجال الصحافة الامريكان . . قابلت بعض الامريكيين فى لندن . . ولكن كل الذى استطعت معرفته هو انه مليونير ذو أبوين انكليزيين يسكنان لندن . . ولكن أين ؟

وهنا لم أجد اجابة للسؤال هذا . . كان الوقت يمضى ، ويمضى . . حتى توقف صباح الأمس . . حيث ذهبت الى الفراش فى تعب شديد غير عادى ، ونمت الى وقت متأخر . . وعندما استيقظت كانت الشمس يملأ الغرفة بأشعتها . . وكما تعودت فقد نظرت الى الجدار مباشرة حيث الوجه . . ثم فركت عيني ونهضت قائما . . لقد كان بالامكان رؤيته . . ولكنه البارحة كان أشد وضوحا اذ بهت لونه بالمرة . . فخرجت مغضبا حزينا . . فوجدت صحف الصباح جاهزة لبيع . . ومن بين ابرز عناوينها

( حادثة اصطدام لمليونير امريكي )

لا بد أنكم جميعا قد قرأتم هذا الخبر . . المهم لقد اشتريت صحيفة وقرأت فيها ما كنت اعرفه من قبل : " مستر اورماند وول . . مليونير يستبرج وجماعته . . على سيارة من سبيزيا إلى بيزا . . وقوع حادث لهم حيث انقلبت بهم السيارة . . حالة المستر اورماند خطرة ! "

رجعت حالا الى غرفتي وكأننى فى حلم غريب . . وجلست على السرير متطلعا الى الوجه بعينين مضببتين . . وحالما عاد الصفاء إلى عيني وعلى حين غرة وجدته قد اختفى تماما !

أخيرا وجدت ان المستر " ر ن ، قد

مات وهذا ما خمنته

وسكت ثانية . . فقلنا : مدهشة حقا وغريبة جدا

نعم . . قالها الرجل ثم اضاف :

هناك ثلاث عجائب وهي اكثر الاشياء غرابة في قصتى هذه . . .

فقلنا بصوت واحد : وما هي العجانب ذى ؟

فقال : الاولى : وهي احتمال وجود تشققات رطبة بجدار في عمارة سكنية بلندن وليس فقط ان تشبه وجل رجل امريكي محترم . . بل ان تختفى بمجرد موته . . . وهذا من الصعب على العلم أن يفسره . .

الثانية : وهي ان يكون اسم ذلك الرجل مطابقا لاسم المكان الذي ظهر منه وجهه على الجدار . . . أليس كذلك ؟

قلنا : نعم . . هو كذلك . .

ثم بدأ نقاشنا بانفعال تام . . وأثناء ذلك قام الرجل الشاحب الوجه وقال : ليلة سعيدة أيها الاصدقاء

وعندما كان بالباب سأله أحدنا قبل تركه الغرفة عن الشئ الثالث الذي اعتبره الاعجوبة ثالثة فى قصته العجيبة ؛

قال الرجل حالما فتح الباب :

أوه . . كدت أنساه . . أو قد نسيت . .

الأعجوبة الثالثة يا اصدقائي كانت حول القصة نفسها . . اذ الفتها قبل نصف ساعة فقط . .

الى اللقاء مرة ثانية

( مكة المكرمة )

اشترك في نشرتنا البريدية