- ١٢٩٤ - شيطان - ليطان
قال ابن الاعرابى : سألت العرب : أى شئ معنى " شيطان ليطان " قالوا : " شئ تمتد به كلامنا أى نشده . " أه
قلت : وقياسا عليه ما يقوله الناس فى
أيامنا السابقة ( شقدف ، مقدف )
(عفريت ، نفريت ) . . ( كراكب ، درادب ) . . واحسب أن أهل العلم اطلقوا على ذلك ( الاتباع . . ) للشد والتوكيد والاشباع ولو جاء مخالفا لما قبله أحيانا كقولهم عدس مدس ، رزمز ، بزمز ، وكندس مندس ، وهكذا كل ما انطلق به اللسان . . وانفرجت به الشفتان ، ولا ينتطح في ذلك عنزان .
- ١٢٩٥ - ما هو الجندعان ؟
يقولون : جاء فلان وأخبرنا أن بين زيد وعمرو نزاعا . . وبينهما حصل ( الجندعان ) وفعلا وتركا . . مما لا يصح صدوره عن العقلاء . . ولها مرادف هو ( الهيل والهيلمان ) ولعل صحته " الهول والهيلمان "
وفكرت ثم راجعت عن أصل هذه الكلمة لغة فلم أجد لها نصا ما . . اللهم الا ان يكون في المعاجم اللغوية الكبرى . . ولم يتسع الوقت لي للبحث فيها عن هذا ( الجندعان ) .
وضاق ذرعى بالجهل بها .. وأخيرا آثرت
أن أرجو من أستاذنا الانصارى . . اسعافي مع القراء . . بما وقف أو يقف عليه عن أصلها وفصلها . . فان العلم نور على كل حال وكفانا الله شر الجندعان ومترادفاته . . بالمفهوم المتداول . .
ولا أستبعدان لها أصلا فما أقل ما عرفناه من مشتملات الموسوعات اللغوية القديمة . . ولا تقول العامة الا ما ورثته ممن هم اكثر منها فطنة واحاطة وتبصرا بالكلام من الآباء والاجداد .
حاشا ما هو دخيل من اللغات الاخرى وما أكثره في المدن دون البوادى غالبا .
- ١٢٩٦ - ردغ . . لا رجع
في اللغة نص صريح " بأن الارض الموحلة بالطين والوحل الشديد يقال عنها أو يطلق عليها : أرض ردغة . . والجمع ردغ ورداغ وردغات .
غير أن الاستعمال الشائع . . هو ( الرجغ ) ويظهر أن الجيم مبدلة عن الدال في وقت ما ودرج الناس على ذلك خطأ . . وما دام هناك نص واضح صريح . . بأنها الردغ - لا الرجغ - فان من الافضل العودة بها الى الصواب اذا أمكن ذلك ، بعد الرسوخ الطويل .
على أن سفلتة أو تزفيت الشوارع ( كما يرشد الى ذلك أستاذنا العلامة الشيخ علي الطنطاوى فى برنامجه التلفازى الذى لا يخلو من الاحماض والايماض ، جزاه الله خيرا ) قد حماها من الوحل والطين وستلحق بها ( الازقة ) ان شاء الله . . فلا يكون فيها شئ من الردغ . . كلما أمطرت السماء ( رذاذا ) ولم تجرف السيول .
- ١٢٩٧ - بيت لعروة بن الورد
يقول عروة بن الورد ، الشاعر العربى الحكيم :
قلت : فهل كان عبر القرون الطويلة يتحدث عن زماننا هذا وأهله وأجداثه ؟ ألا ما أثرى الادب العربى بالحكم البالغة . . وما أغبن الذين ينصرفون عنه الى غيره من الآداب المستوردة . . وهل هناك من ايجاز واعجاز شعرى كقول الشاعر العربى الجاهلى ( النابغة الذبياني ) ؟
اللهم ألهمنا الرشد والهداية والاستقامة بفضلك وكرمك يا أرحم الراحمين .
- ١٢٩٨ - الثلج والخيار
قال الشاعر :
وأراد بذلك هجوه . . وانه " بارد " . .
قلت : وأحسب أن ما كان يعتبر هجوا ، يصبح في فصل الصيف مدحا . . فما ألذ الثلج مع الخيار اذا شيب باللبن . . ابان الظهيرة والقيلولة وحمارة القيظ .
واذن لالتهم ابن عمارة هذا كل من صادفه من محرورى القلب ومسعورى الكبد . . حبا له لا تكرها منه . . لا أكثر الله من أمثاله .
-١٢٩٩- الشمس . . والقمر
قال العباس بن الأحنف :
هى الشمس مسكنها في السماء
فعز الفؤاد عزاء جميلا
فلن تستطيع اليها الصعود
ولن تستطيع اليك النزولا
قلت : ولو عاش العباس هذا الى زماننا هذا ، لرأى رواد أبولو١٥ - وكيف صعدوا الى القمر - وجاسوا خلاله . . وهو مما يستعار للجمال الذى ينشده ويفتقده وقد ذكرت ببيتيه هذا قول الشاعر العصرى المعروف امام العبد ، وكان أسود البشرة :
أنا ليل وكل حسناء شمس
فاجتماعى بها من المستحيل
وها نحن نرى البشر يتطلعون رويدارويدا إلى ما وراء القمر من الكواكب . . غير أن ما لا نشك فيه أبدا أنهم عاجزون عن الاحاطة بأسرار هذا الكون العظيم . . مهما اكتشفوا ومهما اعتسفوا . . وانما هم مصداق قوله تعالى :
(حتى اذا أخذت الارض زخرفها وأزينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالامس )
وسبحان ربنا العلى الاعلى .
- ١٣٠٠ - قمران . . لا كمران
انها جزيرة في جنوب البحر الاحمر . . ويغلب أن يسميها الناس " كمران " بالكاف وما هى كذلك . فان أصل التسمية لها كان بسبب معقول : فهى " قمران " بالقاف . . وتقرب مساحة قمر ان من ١٤ ميلا طولا ،
و ٦ أميال عرضا .
وعلة تسميتها بقمران هى أن انعكاس ضوء القمر قرب مياهها يجعل الناظر يرى القمر على هيئة قمرين .
قرأت ذلك في العدد الممتاز من مجلة " العربى " الغراء تمام السنة التاسعة ، عام ١٣٨٧ ه
وذكرنى ذلك بالبيتين المشهورين قديما والمعروفين ببيتي " الرقمتين " . . قال الشاعر :
رأت قمر السماء فذكرتنى
ليالي وصلها بالرقمتين
كلانا ناظر قمرا . . ولكن
رأيت بعينها ورأت بعيني
وقد تصدى لشرحهما الادباء ، والمعنى صدى يسرحهما الادباء ، والمعنى فيهما واضح لا يحتاج الى بيان . . وشتان ما بين القمر ينعكس وجهه على صفحة الماء ، وبين القمر الذى عناه الشاعر في بيتيه . . وما يزال القمر أبلغ ما يصف به الشعراء من تكامل جماله من بنى الانسان ، ولا عبرة بما اكتشفه الرواد أخيرا من صخوره وجباله ورماله وأخاديده ، فانه ما برح الرمز الاول للتفوق والاعتلاء والنور والبهجة والضياء ، وحسبنا ما انتهبناه من لياليه القمراء .
وان قال أهل الامثال : "أضيع من قمر الشتاء " فان طقس بلادنا المعتدل لا يسومه الضياع . . ولا سيما فى أواسط الصحراء .
-١٣٠١- جبل ( قرنيت ) في ( الشفا )
سواء منا من هو باد ومن هو حاضر .. لا ينطق اسم هذا الجبل الاشم في أعالى الشفا
( ١) قرنيت - بضم القاف وسكون الراء بعدها نون مفتوحة فيا ، تحتية ساكنة فتاء مفتوحة .
بمنطقة الطائف وهو الذى يراه القادم اليه من مكة . . من جهة " اليمانية " أو وادى نخلة حالما يتوسط المكان المسمى ( حرم القميع ( قبل )أم الحمض ( وهو أعلى القمم التى تتصدر جبال الشفا . . كما أنه ذو شعبتين ظاهرتين لكل مشاهد .
وقد قرأت في بعض المؤلفات الحديثة أنه انما سمي بذلك ( قرنيت ) وهو اسم أعجمى رومانى . . الا وهناك احتمال بأن الرومان في أحد الازمان الغابرة قد كانت لهم صلة ما بهذه المناطق . . وما عرف التاريخ القديم والحديث ذلك ولا اعترف به بحال ،
وانزعجت كثيرا لذلك . . وهدانى التفكير والتأمل الى التعليل بأن سبب التسمية انما هو كونه ذا سنامين أو شعبتين ظاهرتين .. فقال العرب الأولون عنه أنه ( قرنان ) وحرفت بمرور العصور ، فقيل : انه (قرنيت ) وما هو الا ( قرنان ) . . ويؤيد ذلك أن بمكة المكرمة جبلا يطلق عليه حتى الآن ( جبل قرن ) . . فهذا ( قرنان ) . .
واذا اتسع بنا الخيال قلنا : ان التسمية نشأت من أن الجبل المشار اليه ذو صخور من (القرانيت) أو ( الجرانيت ) الا أن العرب القدامى لم يعرفوا ذلك حتى يسموا به جبلا . أو واديا . . وهناك في الشمال مما يلى ثغر (ضبا ) الجبل الطود العظيم المسمى (بشار ) وهو ذو ثلاث شعب . . وقد شهدته ومررت فوقه في طائرة محلقة وعرفته لزملائى من الركاب آنئذ . . لاننى أبصرته من الارض فما اشتبه علي . . وانا أنظر اليه من حالق وكان حريا به أن يسمى ذا القرون . والله أعلم .
- ١٣٠٢ - من الايام المعدودة
تروى كتب التاريخ أن ( الناصر لدين الله الاموى ) بقي في حكم الاندلس خمسين سنة وستة أشهر وثلاثة أيام .
قال ابن غالب : وجد بخطه : ( أيام السرور التى صفت له في هذه المدة الطويلة يوم كذا - ويوم كذا - فكانت أربعة عشر يوما . . وقد توفي في رمضان سنة خمسين وثلثمائة ) اه .
قلت : ما أعظم ما يتحمل صاحب الولاية والسلطان من الاعباء ويتجشم من الاتعاب في سبيل الله والاصلاح اذا كان ممن يؤمنون بالله واليوم الآخر . . فهو ساهر والناس نيام . . وما كان له أن يصبر ويصابر لولا الاعتقاد الراسخ واليقين المكين بأن جزاءه على ما قدم سوف يلقاه ( يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا ) ولولا ذلك لما أرضته الدنيا بحذافيرها عما يتكبد من مشاق لا يتغلب عليها الا بقدر ما أوتيه من قوة الايمان . . وتوفيق الرحمن . . والله لا يضيع أجر المحسنين .
- ١٣٠٣ - من شعر الزهاد
قال الزاهد أبو وهب عبدالرحمن العباسى المتوفي سنة ٣٤٤ ه عن تسعين سنة في أيام الناصر بالاندلس وكان حفل جنازته عظيما :
انا في حالتى التى قد تراني
أحسن الناس لو تأملت حالا
منزلى شئت من الار
فى أسقى من المياه زلالا
ليس لى كسوة أخاف عليها
من مغير ولا ترى لى مالا
أجعل الساعد اليمين وسادى
ثم أثنى اذا انقلبت الشمالا
قد تلذذت حقبة بأمور
فتدبرتها . . فكانت خيالا
قلت : وتذكرت حين تلاوتى لهذه الابيات بيتين قالهما شاعر العرب الكبير المرحوم الشيخ فؤاد باشا الخطيب في هذا المعنى ، وهما :
كم ضجعة بالقاع في خلس الدجى
فوق الرمال العفر وهي وسادى
أدركت اذ أدركتها معني الكرى
وسكينة الارواح في الاجساد
وسبحان من جعل في كل قلب ما أشغله ، ونعما الحياة الجامعة الوادعة : ( ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ) .
- ١٣٠٤ - الاثر . . ينوب عن العين
جاء في كتاب نفح الطيب للمقرى أن موسى بن محمد بن عبدالملك (٦٣١-٦٣٥ ه ) وكان واليا على " الجزيرة الخضراء " من قبل ابن هود ، أخبره شخص أن عند بعض النبهاء كراريس من شعر الشعراء وأخبار الرؤساء الذين تشتمل عليهم دولة الموحدين فأرسل اليه يستعيرها ، فأبى ، وقال : ان كانت له حاجة اليها يأت للاطلاع عليها . . فضحك موسى وقال لابنه علي : سر معى اليه . . فقال له : ولن يكون هذا حتى نمشى له على
هذه الصورة . . فقال له : اننى لا أمشى له ولكن أمشى للفضلاء الذين تضمنت الكراريس أشعارهم وأخبارهم ، أتراهم لو كانوا أحياء مجتمعين في موضع أنفت أن أمشى اليهم .. فقال علي : لا ، فقال : ان الاثر ينوب عن العين ، وذهبا فاطلعا عليها وشكر موسى لصاحبها ، ثم قال لابنه : ( اننى سررت بهذه الفائدة أكثر من الولاية ، وان هذا والله أول السعادة وعنوان نجاحها ) اه .
قلت : وهكذا كان الاهتمام بالعلم والمعرفة حافزا للعظماء على ابتغائهما من مظانهما أنى كانت ، وكذلك كان احتفاظ أصحابها بكنوزهم الغالية . . لندرتها ، وهى مخطوطة لا مطبوعة ، وانما يعرف الفضل لذوى الفضل ذووه .
- ١٣٠٥ - البشكة . . والابتشاك
أتذكر أننى تناولت في احدى الشذرات السابقة هذه الكلمة . . وتساءلت عن أصلها ورجحت أنها قد تكون من اللغة التركية . أما مدلولها في بلادنا ، فهو معروف لا اشكال فيه فهى تعنى ( الجماعة ) المتآلفة التى تجمع بينها المودة والصداقة ويخرجون الى المتنزهات في أيام الغيم والمطر للقيلات ، ويلتفون على بعضهم في أكثر الاوقات وقضاء السهرات .
وما زلت حريصا على أن أجد لها أصلا من اللغة العربية . . ولم أظفر بذلك حتى الآن غير أننى قرأت لأبي الطيب المتنبى هذا البيت : وهو يمتدح سيف الدولة :
وما ارضى لمقلته بحلم
اذا انتبهت توهمه ابتشااكا
قلت : وفسر الابتشاك بأنه الكذب ، ومن هنا علق بذهنى احتمال أن تكون التسمية ماخوذة فى " البشكة " من هذا الابتشاك . . لما فيها من الاحماض والتسامح برغم أنها تشمل نخبة الناس وأفاضلهم ، ممن لا يغلب بينهم الكذب أو التكاذب ، وان كانت ظروف اللهو البرئ لا تخلو من ذلك أحيانا للترفيه وأكد ذلك عندى ما لا يزال متداولا في الاوساط العائلية فانهن يقلن:"انهن خرجن الى بيت فلانة للهرج أو الهرجة أو (ليهرجن) وما الهرج الا القتل لغة . غير أنه تحول بمرور الزمن الى الكلام والحديث ، دون قصد الى ما كان يعنيه في أيام الفتن الهوجاء والحمد لله ، الذي من علينا بالهرج المأمون ، حتى تبدل معناه الى هذا المضمون ، برغم أنف الحاسد والمغبون ، أدام الله علينا نعمه ظاهرة وباطنة وأوزعنا شكرها .
١٣٠٦
لا أدرى ان كان ذلك توهما او واقعا فقد
كنا نسمع أهل الابل والجمالة اذا أرادوا زجرها أو احتثاثها في السير صاحوا بها بكلمة ( حد - بدون مد ولا ألف ) ولعلهم كانوا ينطقونها محرفة من هاد ) التى هى الاصل اللغوي الصحيح المنصوص عليه.
ولقد طال عهدى بسماعها منذ أقال الله الجمال من الشقادف والشبارى ، ومنذ تحولت الى المسالخ ، بعد استخدام السيارات فهى تصعد بنا القمم والجبال والجسور وان لها على كل عربي حق الرعاية والأكرام ، فطالما كان لها الفضل في ( المواصلات ) عبر الصحارى . . وحسبها أنها ذكرت في التنزيل الحكيم : ( أفلا ينظرون إلى الابل كيف خلقت )؟
وما أجمل منظرها ومن حولها ( الفصلان) ومن ورائها السهول والأودية والروابي والرعان . . ومن تحتها العشب الناضر ومن فوقها الرباب الغامر..وقاها الله شر الاستئصال وحفظها وانسالها من الاضمحلال.
