عاش فقيد اللغة العربية الاكبر ، المرحوم ( احمد شوقى بك ) طوال ايام حياته ، شاعرا مجيدا لا يبارى فى ميدان الشعر ؛ حتى اطلق عليه لقب [ أمير الشعراء ] تقديرا لمكانته السامية الرفيعة بين شعراء عصره ، وتعبيرا عن معنى الاجلال والاكبار لنتاجه الخالد ، وبيانه الذى سرى فى النفوس سريان الكهرباء واصبح يجرى مجرى الامثال فى الانتشار والذيوع .
ولئن كان هذا الشاعر الكبير فى اوائل عهده مقلدا اكثر منه مجددا ، كما برى ذلك بعض الناقدين من معاصريه ، وكان - كما يقولون - ينظم اشعاره على نمط ما كان القدماء ينظمون ، وينحو نحوهم فى الاسلوب وفى الطريقة وفى المعانى احيانا ويسير على سننهم فى المواضيع التى كان يطرقها ، اقول لئن كان [ شوقى ] كذلك او على الاصح لئن اعتبره اولئك الناقدون مقلدا أكثر منه مجددا ؛ للاسباب السالفة ، فان تقليده لم يكن ككل تقليد ، كان تقليد شوقي جيدا ممتازا ، بل كان تقليد شوق نوعا جديدا ، يختلف ويسمو عن سواه ؛ ولسنا الا مصيبين إذا ما قلنا ان تقليد شوقى فى حياته الشعرية الاولى انما كان نوعا من انواع التجديد !
والآن فلننظر فيم وعلام يحاول بعض الناقدين انزال شوقى من منزلته السامية التى وصل اليها باستحقاق وجدارة ؟ ولماذا هم يصفونه بانه لم يكن مجددا فى الشعر ؟ وانه لم يكن الا مقلدا لا يختلف عن سواه من المقلدين ؟ ! الجواب سهل وبسيط ، لم ير هؤلاء لشوقى في اوائل حياته الا مجموعة قصائد اكثرها يدور حول المدح والرثاء وما اليهما ، وقليل منها الغزل والاجتماع ؛ فقالوا انه مقلد ؛ وانه
لم يجدد شيئا فى الشعر ، ولم يكتشف بابا جديدا فيه ؛ ولم ينهج بنهج شعراء الغرب فى تأليف القصص والروايات الفنية وما الى ذلك . . . الى آخر ما يقولون .
ولقد يكون فيما يقوله هؤلاء جانب من الحق ، لا يرتاب فيه مرتاب ، ولكن كما أن فيه هذا الجانب الذى اشرنا اليه ، فان فيه ايضا تعسفا فى الحكم وخطأ فى الرأى ، ومجانبة للانصاف ، نعم لم ينهج شوقى فى عهده الاول منهج شعراء الغرب فى تأليف الروايات والقصص ، وهذا وحده هو الذى قد يصح أن يكون جانب الحق فى اعتراضات المعترضين عليه .
وفى جهرنا بهذا القول شئ كثير من التسامح ، لان الفن الروائى فى الشعر وفي النثر ان صح أن يكون تجديدا لانه اكثر التئاما مع الذوق الادبى اليوم فان الاديب اذا لم يكن له فيه نصيب ، واذا لم يجعل منه ميدانا ليراعه وتفكيره فليس هذا بالذى يستحق أن يؤاخذه عليه الناقدون . ان القصص والروايات ليست مقياسا للحكم على الشعراء والكتاب ، ان جالت اقلامهم فيها استحقوا الاطراء والتقدير ، واذا لم يكتبوا او ينظموا فيهما شيئا اصبحوا هدفا للنقد والانتقاص ، كلا فان كل كاتب أو شاعر انما يكتب حسب النزعة التى ينزع اليها ، والميدان الذى يختاره لنفسه ، والميول التى يتجه اليها ، وما مقياس الحكم هنا الا الفن والاجادة فيه ؛ والا المعانى والاساليب يأتى بها كل من الشاعر والكاتب مائسة فى حلة بديعة من حلل الروعة والابداع .
وشاعرنا شوقى وان لم يكن في عهده السابق قد نظم قصصا وروايات فلم يكن هذا بضائره ، وهو وان كان قد سار على طرق القدماء ونحا نحوهم الا انه كان المتفوق الممتاز كشاعر فنان ، وكان فى شعره عبقرية وحياة ، وكانت شاعريته تلك الشاعرية الملهمة ؛ الفياضة بصنوف الجمال ، والمتسمة بسمات صدق التعبير والاحساس ، وسمو العاطفة والروح ، لقد اجتمعت في شعر شوقى كل العناصر الحية الصالحة ، أجل لقد كان شوقى شاعرا عبقريا وكفى ! وكان شاعرا مجددا
يمثل الزمن الذى عاش فيه ، وطبيعة العصر والبيئة والظروف التى مازجها ومازجته وكفى بكل ما ذكر دليلا وبرهانا على فساد ما يزعمه ناقدوه .
وبعد فقد برهن شوقي ايضا على انه السابق فى الميدان الذى اختاروه له ؛ أثبت هذا الشاعر العبقرى على انه المجيد فى حلبة البيان كشاعر روائى . . . وهذه رواياته المبتكرة التى انتخبتها قريحته في العهد الاخير براهين على ذلك . . قرأ الناس لشوقى رواياته ، واقاصيصه الشعرية فاعجبوا بها كل الاعجاب واكبروا ما فيها من آيات البيان والحكمة ، وهنا قطعت جهيزة قول كل خطيب ، وهنا لم يبق مقال لقائل ، ولم يبق اعتراض لمعترض ، او مكابرة لمكابر ، ففى (( مصرع كليو باطره )) و (( مجنون ليلى )) و (( قمبيز )) و (( على بك )) و (( عنترة )) ثم (( اميرة الاندلس )) أجل فى هذه الروايات المبتكرة الطريفة وجد أبناء العربية شاعرهم الفذ محلقا في سماء العبقرية والنبوغ ، وجدوه لا يقل مكانة عن اشهر شعراء اوربا فى العهد الحديث ، ولعمرى لو اتيح لشوق أن يعيش اعواما اخرى اذن لكان له فى هذا المجال جولات وجولات ، . . لقد كان هذا الشاعر العظيم - كما شهده الناس فى السنوات الاخيرة - مهتما بمواصلة الجهود ؛ ومتابعة التأليف والنشر فى عالم القصص الفنية نثرا ونظما ، خطة شاء أن يرسمها لنفسه أخيرا ولقد نجح فيما استطاع ابرازه للناس وكان نجاحه - ولا جدال - عظيما . مكة المكرمة [ س ]

