الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8الرجوع إلى "الفكر"

صور غريبة للشابي

Share

ان الذين كتبوا عن حياة الشابى وشعره كثيرون ، وهم يختلفون فى تقدير أدبه وتفسير شعره وفهم شخصيته ، وما منهم الا وأظهره فى صورة تختلف عن صورة الآخر تبعا لمزاج الناقد ومقاييسه وعدته فى البحث والدرس ، ولكنها متفقون جميعا على ان الشابى شاعر كبير ظفر به الادب العربى المعاصر فأغناه بروائع خالدة على وجه الدهر ما بقى فى العربية من يتذوق الشعر الرفيع والادب الراقى . ولكن ناقدا من هؤلاء الدارسين لحياة الشابى وشعره قد اخرج لنا منه صورة غريبة ننكر فيها كل الملامح والمميزات التى ذكرها للشابى . ونعجب كيف تصدر عن رجل تعد مؤلفاته بالعشرات يكتب فوقها انه دكتور في الفلسفة ، وعضو فى المجمع العلمى بمدينة كذا وفى جمعية البحوث الاسلامية بقطر كذا ، وأعنى به الدكتور عمر فروخ ، فقد اخرج هذا المؤلف فى سنة 1954 كتابا بعنوان " شاعران معاصران " قارن فيه بين الشاعر الفلسطينى ابراهيم طوقان وبين الشابى فخصه بدراسة استغرقت حوالى المائة صفحة ولكنها كانت مليئة بالاوهام والاخطاء وسوء الفهم والاستنتاج ، والمزاعم التى لا اساس لها ... مع ان المصادر التى استخدمها لدراسة الشابى كانت كافية لاعطائه صورة صادقة عن الشاعر لو أراد ان يقرأ شعره قراءة تدبر وامعان وان يقارن النصوص وتواريخها فى شئ من الاناة والصبر

وقد كنت قرأت هذا الكتاب حين صدوره ورأيت مافيه من التحامل على الشابى وعزمت على نقده وتفنيد بعض ماجاء فيه من الدعاوى ، ولكننى - للاسف - صرفت عن ذلك بشواغل اخرى.

وها نحن نتعرض أولا للصورة التى قدمها الدكتور فروخ للشابى نستخرجها - بقدر الامكان - من كلامه وبلفظه . فالشابى عنده شخصية عجيبة فذه مضطربة عاجزة ، ولكنها طموح كونتها أربعة عناصر أساسية كلها متنافرة هي فقره ومرضه وتبحره فى الآداب العربية . ثم حال بلده تونس فى البؤس الاجتماعى ولكنه عاد فى موضع آخر وانكر هذا التبحر فى الآداب فقال : انه لا يرى فى شعر الشابى أثرا لثقافة واسعة - كما انكر وطنية الشابى فقال (ص 169 ) والشابى شاعر ناقم ، يزعم انه يريد ان يؤدى رسالة ولكنة فى الحقيقة يحمل معولا ليهدم به كل شئ . الحياة والناس والبلاد والوطن والامة " واخيرا يزعم ان ما ابداه الشابى فى شعره من الحزن والتشاؤم اثار فى نفس القراء شيئا من الاشفاق على الشاعر وحمل كثيرا منهم ومن الدارسين على اعطائه من المقام الادبى أكبر من حقه . ومعنى هذا أن مقام الشابى الادبى

كان اكثر من حقه وانه قد ناله بدافع الرحمة والاشفاق من طرف القراء والدارسين لان من لقى مثله - حسب تعبيره . " عذابا حقيقيا فى حياته القصيرة يستدر العطف والاشفاق " ثم يموت والد الشاعر فيتعرض الابن للبؤس وعيشة الضنك ويعضه الفقر بنابه لان أباه لم يكن غنيا - ونحن نقول له : من اين لك بهذا ؟ ومن الذى اخبرك ببؤس الشابى وعيشه الضنك وفقر ابيه؟

أما مرضه فلا يقنع برواية مواطنه أبى القاسم كرو الذى ذكر انه اصيب بداء تضخم القلب فراح يستشهد باقوال نكرة من نكرات مصر انتهب قصائد الشابى المنشورة بمجلة " ابولو " ونشرها فى كتاب غفل من التاريخ أسماه " الروائع لشعراء الجيل " وادعى فى مقدمته ان الداء أنشب أظفاره بصدر الشاعر ويعنى بذلك أن المرض كان مرض السل الرئوى . فنسج الناقد من ذلك اسطورة مهد لها بقوله : لا يزال الشرقيون الى اليوم يحرصون على كتمان ما ينزل بهم من الامراض الوبيلة واذا هم اعترفوا أمام الآخرين باصابتهم او اصابه ذويهم باحد هذه الامراض فانهم يكتمون عادة اسم المرض وعلى هذا الاساس لحق الغموض باسم المرض الذى نزل بالشابى . ثم يبالغ الدكتور فروخ فى نتائج هذا المرض على حياة الشابى فيزعم أنه أثر فى اتجاهه فى الحياة وفى الشعر كما يزعم أن احوال الشابى المادية وحالته النفسية لم تمكنه من احتمال نفقات العلاج ، والاخلاد الى الراحة التامة . لذلك كان موته منتظرا في كل حين " ونقول للدكتور مرة أخرى من اين لك بهذا وفى أى كتاب قرأته ؟ ان الشابى لم يكن رجلا مريضا فى كل حياته بل كان بدء شكواه من المرض فى السنوات الاخيرة من حياته ، أى بعد وفاة والده على وجه التحديد ، ولم يكن فقيرا بالوجه الذى ذهب اليه الناقد فالمعروف ان اسرة الشابى كانت اسرة ميسورة العيش وكانت لها بعض الغلات فى الجريد وبعض الاراضى بجهة مجاز الباب على ما اعتقد . ولم يذكر من ترجم له انه كان عاجزا عن احتمال نفقات العلاج أو غيرها من النفقات

ثم يتحدث الدكتور فروخ عن حياة الشابى الزوجية وعن حبه الاول فيخلط في ذلك خلطا عجيبا ويدعى دعاوى ليس له عليها من برهان أو حجة . واستمع اليه يتحدث عن ذلك : " ويتضح لنا من دراسة حياته وشعره ان زواجه لم يكن موفقا وانه لم يكن وادعا سعيدا فى حياته الزوجية .. وهاته الحياة الزوجية البائسة اليائسة فى احدى نواحيها دفعت الشابى قبل ان يمضى العام الاول على زواجه الى تطلب سعادة موهومة فى حب فتاة ظن فيها تحقيق أحلامه ، لكن هاته الفتاة توفيت وشيكا فى العام الذى أحبها فيه فاذكى ذلك فى نفسه الاسى على حاله ، والنقمة على حوادث الدهر ، وظل الشابى يذكر حبة هذا مدة ثم جعل ينساه أو يحمل نفسه على نسيانه وسرعان ما اطاعته نفسه فتناسى حبه الاول وانتقل الى حب جديد ثم الى آخر فثاخر . ويدون لنا شعر الشابى مواقف من الحب توحى بانه قد اندفع مع عاطفته وراء المرأة لايلوى على شئ . . ولاريب أن هذا الاندفاع كان سببا من الاسباب التى قربت منيته اليه مع أنه كان يستطيع ان يحيا مع دائه كما عاش

غيره مع ادوائهم . ولكن القضاء النافذ والقاءه بيده الى التهلكه كانا عليه كتابا موقوتا " اه

وبمناسبة حديثه عن قصيد ( صلوات فى هيكل الحب ) يقول اننا نرى فى هذا القصيد حبا جديدا لفتاة جديدة فى حياة الشاعر ويعارض ابا القاسم كرو الذى يرى أن هذا القصيد قاله الشابى فى فتاته الاولى .. وبعد ان يورد بعض القصائد الغزلية الاخرى يتهم الشابى بأنه لم يكتف بحبه الاول بل احب و اغرق فى حبه ومجن ونثر مجونه فى عدد من قصائده المتأخرة , وأنه لا يرى غرابة فى ذلك لان كثيرا من الذين أحبوا حبا صادقا ثم أصابتهم صدمة فى حبهم هذا ، قد انقلبوا منغمسين فى الملذات ضالين فى شعاب الهوى ، متهتكين ثم قال " ويبدو أن الشابى كان من هؤلاء . "

فهل رأيتم ، بربكم ظلما أكبر من هذا الظلم .. الشابى صاحب المثل العليا فى الحب والذى عاش فى وسط محافظ يحرص على تقاليد العفة والشرف, الشابى صاحب قصيد " صلوات فى هيكل الحب " . ينقلب عند الدكتور فروغ شاعرا ماجنا متهتكا متهالكا على اللذة ، ضالا فى شعاب الهوى لان الدكتور الفيلسوف طبق على الشاعر نظرية العوامل النفسية عند من احبوا حبا فاشلا فأنتجت له هاته النتيجة الباهرة

كل هذا لا يخرج عن الاستنتاج العقيم والرجم بالظنون اما حقيقة الامر فهى ان الشابى كان فى سنة 1924 شابا فى الخامسة عشرة من عمره وكان قد مضت عليه اربع سنوات فى التعلم بالزيتونة وكان والده اذ ذاك قاضيا شرعيا ببلدة رأس الجبل ومن المرجح جدا أن يكون الشابى قد تعرف فى فترة من فترات اقامته مع والده ، بفتاة كان يلقاها ويتفسح معها فى بعض المنتزهات وان هاته الفتاة هى التى تحدث عنها فى أوائل شعره حديثا ساذجا ونظم فيها أولى قصائده وهى التى ذكرها الدكتور فروخ فى دراسته واتخذها مثلا على ضعف غزل الشابى وضحالته . ونحن نعرف ان هاته الاشعار قد حذفها الشابى من ديوانه حين اعده للطبع وقال عنها ان فيها سذاجة صبيانية ... واتفق أن ماتت الفتاة فى تلك الفترة وانتقلت اسرة الشابى إلى زغوان سنة 1927 وهى السنة التى نشر فيها الاستاذ السنوسى مختارات وافية للشابى فى كتابه المعروف " الادب التونسى فى القرن الرابع عشر " جاء فيها كثير من مراثيه لهاته الفتاة . أما زواج الشابى فانه لم يقع الا في صنف 1930 بعد وفاة والده فى سبتمبر 1929 . ومن المؤكد عندى ان الشابى لم تكن له حياة قلبية غير تلك الفتاة التى احبها وهو فى سن الخامسة عشرة

فليس هناك اذن خيانة زوجية ، ولا اندفاع وراء المرأة ولا القاء للنفس الى التهلكة ، ولاحب ينتقل ويتجدد كما يدعى الدكتور الناقد

على ان الذى أوقع الكثيرين فى الغلط فى خصوص هاته المسألة انما هو قصيد صلوات فى هيكل الحب ، الذى نشره الشابى بمجلة " أبولو " فى عدد افريل 1933 والذى رأى فيه الدكتور فروخ وغيره حبا جديدا للشاعر بينما رآه آخرون ، ومنهم الاستاذ كرو ، انه قيل فى فتاة الشاعر الاولى . والحقيقة

ان الشابى استوحى هذا القصيد . حسبما ذكر لى ذلك شفويا . . من فتاة انجليزية مصورة كانت قد اقامت مدة بتوزر لتصوير بعض مناظر المدينة وواحاتها على نحو ما يفعل الفنانون الاجانب فى بلادنا . فرآها الشابى تغدو وتروح وتقبل وتدبر فاستولى جمالها وشبابها على مشاعره الى درجة الذهول الصوفى فرفع اليها تلك الصلوات . ومن قرأ القصيدة قراءة متأمل على هذا المعنى تبين له ان الشاعر يصف نوعا من الجمال يراه ولا يدنو منه وينسم عبيره ولا يقطف وروده وان ذلك الشوق العارم ، وتلك العبارات الملتهبة لا يمكن أن توحيها الا اللهفة المنبعثة من الحرمان - ألا ترى انه يتحدث عنها حديث المتفرج الذى لا يباح له الدخول للهيكل:

كلما ابصرتك عيناى تمشين بخطو موقع كالنشيد

خفق القلب للحياة ورف الزهر فى حقل عمرى المجرود

ثم انظر الى هذا الالتماس ، التماس الشاعر المحروم الذى يريد أن يعيش فى قرب المحبوب بل يقنع حتى بظله .

يا ابنة النور اننى أنا وحدى ، من رأى فيك روعة المعبود

فدعينى اعيش فى ظلك العذب وفى قرب حسنك المشهود

عيشة للجمال والفن والالهام والطهر والسنى والسجود

نعم ان كل من أمعن النظر فى قصيد " صلوات فى هيكل الحب " رأى انه لا يمكن ان يقال فى محبوب عرفه الشاعر وتحدث اليه وافضى له بلواعج الغرام بل هو يمثل صلاة مرفوعة الى " المرأة " الى رمز الحب فى قلب شاب فى سن الرابعة والعشرين ظل محروما من الحب بحكم المجتمع الانفصالى ، وسيطرة الوسط المحافظ ، وتقاليد الاسرة المتشددة . لقد خطرت تلك الفتاة الانجليزيه أمام نظر الشاعر الشاب ذات يوم فأججت مشاعره النائمة وأحيت فى قلبه الميت ذكرى حبه القديم واشواق قلبه الدفينة

أنت تحيين فى فؤادى ما قدمات فى أمسى السعيد الفقيد

وتشيدين فى خرائب روحى ، ما تلاشى فى عهدى المجدود

من طموح الى الجمال ، الى الفن الى ذلك الفضاء البعيد

وتبثين رقة الشوق والاحلام والشجو والهوى فى نشيدى

بعد ان عانقت كئابة أيامى فؤادى والجمت تغريدى

وخلاصة القول : ان الذى أوقع الدكتور فروخ فى هذا الخلط الغريب انما هو عدم تحقيقه تواريخ نشر قصائد الشابى ليعرف مدى تطور شعره وليستبعد منه اشعار التجارب الاولى الساذجة ، فليس من العدل فى شىء أن تحكم على الشاعر بقصائد قالها فى سن الخامسة عشرة وأن تبنى عليها أحكاما عامة تشوه صورة الشاعر وتظهره شخصية متلاشية مضطربة بين القوة والضعف أو أن تحكم عليه بانحلال ألاخلاق والتهالك على المجون بينما كان ، فى حقيقة الامر . من اعف خلق الله وأسماهم نفسا وأطهرهم حياة.

اشترك في نشرتنا البريدية