- 2 - نتعرض اليوم الى صورة اخرى لاتقل غرابة عن الصورة الاولى وهى تدل هاته المرة على ان الناقد لم يستطع تذوق شعر الشابى ولا فهم روحه وفنه فكانت آراؤه فى اسلوب الشابى الشعرى وفى اغراض قصائده مجموعة مئاخذ وانتقادات جانب اللجاجة فيها والاعنات اكبر من جانب الانصاف والتقدير
وهاته المئاخذ نوعان : نوع يتعلق باسلوب الشابى فى النظم يتعرض فيه للألفاط والتراكيب ونوع يتعلق بالفنون الشعرية التى طرقها الشاعر .
اما عن الناحية الشكلية فقد اخذ النافذ على الشابى اولا الضعف اللغوى والنحوى ، زعم ان شعره لا يدل على انه كان بارعا فيهما على الرغم من انه كان طالبا بالجامعة الزيتونية - كما ذكر فى مكان آخر ان اعجاب الشابى بالادب المهجرى اكسبه ضعفا فى التركيب واغراقا فى الرمز . ويقول ايضا ان للشابي اخطاء لغوية وصرفية ونحوية نشات من قلة مبالاته بالمجرى اللغوي الصحيح حينما اراد ان يسوق آراءه وان تلك الاخطاء لا يجوز ان تصدر عن شاعر صغير فضلا عن شاعر عبقرى خريج الزيتونة . ثم أخذ عليه ثانيا ضعف التركيب وركاكة التعبير والتكرار فقال : " ان شعر الشابى متفاوت جدا فيه الضعيف الركيك وفيه القوى المتين . ثم فيه المعانى المعادة المكررة وفيه المعانى التى تنعم بقسط وافر من الابتكار من حيث التعبير على الاقل " وقال فى مكان آخر : " ومن السيئات التى اكتسبها الشابى من اعجابه بالشعر المهجرى الشمالى كثرة التعداد والتكرار والاعادة للالفاظ والتراكيب والمعانى مما ينفر احيانا في الذوق الادبي هذا بعد ان ذكر من قبل ان تكرار المعاني في ألفاظ متشابهة يدخل شيئا من الملل على نفس القارىء وان ليس فى شعر الشابى اثر لثقافة واسعة " ثم اخذ عليه ثالثا الغموض والاغراق فى الاستعارة فقال : " وسرعان ما اغرق الشابى فى الرمز وتوسع فى الاوصاف الخيالية ورام التعبير عن هواجس النفس الغامضة المكبوتة فاضطر ان يلائم بين لغته وبين غموضه فركت لغته فى طوريه كليهما ( اى قبل بلوغ العشرين وبعد بلوغها) وقال ايضا : " ويتبع هذا الغموض في المعاني والايغال فى الاستعارة ركاكة ظاهرة هي التى كنت اود ان تغيب من ديوان الشابى بحذف عدد من القصائد والمقاطيع على الاقل . اما عن الاستعارة نفسها فيقول ان الشابى مغرق فى
استعاراته كثيرا ، واستعاراته بعيدة احيانا وسمجة احيانا اخرى " . ثم اخذ عليه رابعا التقليد وعدم الابتكار فى الافكار فقال : " كان الشابى فى بعض شعره السياسي متشائما ناقضا كلتا يديه من امكان الاصلاح او النهوض وعندى ان كثيرا من ارائه فى هذا الباب كانت تقليدا للشعراء الذين طرقوا هذه الموضوعات " . ويقول بعد ان يورد ابياتا من شعر صباه : " وللشابي بضع قصائد من هذا النوع ليس فيها ابتكار ولا حسن خيال ولا قوة تعبير .
واخيرا اخذ عليه خامسا الهلهلة وعدم تساوق المعانى في القصيدة فقال : ان بناء القصيدة عنده متخلخل في الاكثر فالقصيدة موضوع واحد ولكن الابيات غير متعانقة بل يمكن تقديم بعضها على بعض او يمكن حذف بعضها او تبدیل مكانه من غير ان يختل المعنى . ذلك لان الشابي كثير ترديد الالفاظ والتراكيب والمعانى فى شعره . فاذا نحن حذفنا بعض الابيات من قصائده لم يخل ذلك بالابيات الباقية بل ربما اشتد ترابطها فكان لها الايجاز محسنا لاشك فيه
هذه خلاصة آراء الناقد فى اسلوب الشاعر وفنه وهى قاطعة فى ان الدكتور لم يكن راضيا عن فن الشابى - ولاعبرة بما جاء من عبارات الثناء الفاتر على قصائد اخرى . فان هذا الثناء المتكلف قد ضاع فيما قيده به الناقد من احترازات واستدراكات . ولاشك ان فن الشابى لم يكن كما وصفه الناقد فلقد كاد ينعقد الاجماع . على جمال اسلوب الشابى وبراعة فنه ، ومعجز صوره الشعرية .
وفي رأيي ان الذى اوقع الناقد فى الغلط وسوء التقدير هو اعتماده على اشعار الشابي المختارة فى مجموعة الاستاذ زين العابدين السنوسي التي نشرت 1927 وفيها اشعار الشابى الاولى التى نظمها فى اول عهده بالشعر وهى اشعار لم يلتفت الى معظمها الاستاذ كرو في مجموعته لعلمه انها تمثل طور الصبا والتى ان ذكرت فانما تذكر على سبيل التاريخ لمراحل شعره لا لتستخرج منها الاحكام العامة على طريقة الشاعر او الحكم على شاعريته . ولا ندرى كيف يؤاخذ الدكتور فروخ الشابي بانه لم يحذف من ديوانه عددا من المقاطع والقصائد وكانه لا يعلم ان الشابي لا يد له في الاختيار فليس هو المسؤول عما اختير له من الشعر فى المجموعات والدليل على ان الشابي لم یکن راضيا عن شعر صباه هو حذفه له فى المسودة التي اعدها لطبع ديوانه.
اما ما يأخذه على الشاعر من الغموض فاغلبه تحكم من الناقد ليس له اساس ، فهو مثلا يذكر هذين البيتين من قصيدة ( اغاني الرعاة )
فاذا طالت ظلال الكلاء الغض الضئيل
فهلمى نرجع المسعى الى الحي النبيل
ويعقب عليهما بان المعنى المقصود غامض الا ان يكون الشاعر قد قصد : اذهب بك الى الغابات لترعى العشب فيها ريثما يطول العشب في حينا فنعود اليه ، فهل رايتم عشبا يطول فى الحى يرجع اليه الراعى بعد ان يرعى العشب الذى فى الغابات - وهل بلغ من اسفاف الشابي الى ان يقصد مثل هذا المعنى السخيف ؟
وكل ما في الامر ان الراعى يقول للخراف : اذا جاء المساء وعلامته ان يطول ظل الكلاء على الارض فهلمى نرجع الى حينا النبيل . وهو معنى واضح لا غبار عليه وهكذا قل في اغلب تعسفاته التي يضيق المقام عن التعرض لها وتفنيدها . و اما ادعاؤه ان استعارات الشابي سمجة او مغرقة في البعد فقد دل به على انه من القوم الذين لا يجيزون للشاعر ان يخرج عن طريق الاستعارات التى سنها القدماء واعتبروا الخروج عنها خروجا عن « عمود الشعر العربي »كما عابوا ابا تمام بذلك واتهموه بالخروج عن الطرق المعبدة والقوالب المسبوكة - ولا شك ان اعظم ميراث الشابى ومزاياه هو خروجه من هاته الحلقة الحديدية الضيقة واطلاقه العنان لخياله الخصب في الاتيان بالاستعارات المبتكرة ولو ظهرت لامثال الدكتور سمجة او مغرقة في الغموض
تلك نماذج من آراء الدكتور فروخ فى نظم الشابي وطريقة صوغ قصائده على انه حين انتقل للكلام عن اغراض قصائد الشابي والفنون الشعرية التي نظم فيها لم يكن اقل صرامة فى الحكم عليها بل يخيل لنا انه اجتهد في ان يظهر فيها الشابي بمظهر المتناقض المضطرب بين القوة والضعف وبين التقليد والتجديد - فهو مثلا يقف وقفة طويلة عند الغزل الذى نظمه الشابي قبل العشرين ليقول عقب ذلك : ان اكثر هذا الغزل عادى صريح ضعيف الخيال والبناء ، كثير التقليد .اما بعد العشرين فقد اتسع باب الغزل عنده ممزوجا مرة بالشكوى والتشاؤم ومرة بالاندفاع والمجون
هذا كل ما اوحته روائع الشابى الغزلية للناقد فتكلم عنها بهذا الاسلوب الفاتر الخائر مما يجعلنا نتساءل هل الناقد من الذين يتذوقون الشعر حقا ويميزون بين جيده ورديئه ؟.
ويقول عن شعر الطبيعة عند الشابي : « ان جميع شعره يدخل في وصف الطبيعة ان اردنا بوصف الطبيعة الكلمات التي تدل على مظهر العالم المادى كالجبال والغيوم والرياح والازهار والربيع والغابة اما ان عنينا بها الصور المقتضبة من العالم المادى الذى نعيش فيه فانها قليلة فى شعر الشابي بل نادرة بالاضافة الى مجموع شعره بحيث لم يجد له من هذا النوع الا قصيد الجنة الضائعة » وقصيد » من اغاني الرعاة وقال عنهما ان الوصف فيهما يشمل عددا من الصور الطبيعية جمعت على غير نسق مخصوص لا يؤلف وحدة وصفية .
ويقول عن شعر السياسة والقومية ان شهرة الشابي كلها مدينة لشعره القومى او لبضعة ابيات من شعره القومى . وانتقد قصيدة « ارادة الحياة فقال ان فيها صورا شعرية جميلة وتشابيه واستعارات جديدة غير انها كمعظم شعره مملوءة بالرمز الذى يجعل المعانى غامضة فى كثير من الاحيان.. على ان قيمة هذه القصيدة انما هى فى ابيات معدودة متفرقة ينقص من جمالها انها تاتى بين ابيات فيها معان مرددة مكررة معادة
فهل رايتم كيف لا يسلم من معول الدكتور حتى احسن قصائد الشابي واجملها. فاين هو الغموض والرمزية في قصيدة « ارادة الحياة » التي يعدها الدكتور على سعد « من اكمل قصائد الشابي بحسن سبكها ووحدة جوها و لطابع الفرح والعافية والقوة التي تتسم به .
و من ادعاءاته قوله بان الشابي غيرمتقيد بشيء من الدين في شعره وانه ينحو في تشابيهه واستعاراته احيانا منحى لا يقره التوحيد او هو زندقة في رأى النقاد القدماء . ويقول ايضا اول ما نلاحظة ان الالفاظ الدينية قد خسرت في شعر الشابي قدسيتها .
ومعنى هذا ان الناقد يحجر على الشاعر استعمال العبارات الدينية الا لغايات دينية بحتة . فاذا قال الشاعر مثلا :
ايها الليل يا ابا البؤس والهول ويا هيكل الزمان الرهيب
فيك تجثو عرائس الامل العذب تصلى بصوتها المحبوب
انكر عليه ان يستعمل لفظ الصلاة لعرائس الامل . لان للصلاة مدلولها الخاص في الدين . فهل هذا نقد للشعر ام تزمت مشين
لقد زار الدكتور فروخ المغرب وتونس سنة 1958 واطلع بنفسه على الاثر السىء الذى تركته دراسته عن الشابي في نفوس ادباء تونس والمغرب فحاول ان يوضح من جديد بعض آرائه فى الشابي ويعتذر عما جاء في كتابه من ضعف وارتجال. فنشر فى عدد اکتوبر من مجلة « الفكر » لتلك السنة رسالة ذكر فيها انه يشعر بما في دراسته من نقص وانه لم يستطع ان يعرف الشابي الا من خلال بعض ما كتب عنه . ثم وضح رأيه فى نقطتين مما اخذ عليه وهما التشاؤم الذى ادى بالشابى الى اليأس من اصلاح الشعب ثم اعتماده للادبين الاجنبي والمهجرى اعتمادا ادخل غموضا على افكاره وضعفا على اسلوبه وقد رأى بعضهم في هاته الرسالة تراجعا من الناقد . اما نحن فاننا لم نر فيها الا دليلا آخر على ان الدكتور فروخ لم يفهم من شخصية الشابي وروحه لا الكثير ولا القليل وانه كان ابعد الناس عن الاضطلاع بدراسة الشابي اذ يجب لذلك ان يكون للدارس ذوق ادبى رفيع يمكنه من تذوق الشعر وفهم نفسية الشاعر من خلاله

