بعد أن فرضت فرنسا معاهدة الحماية على تونس سنة 1881 أخذت - مخالفة لنظم الحماية تسخر القوى السياسية وهياكل الحكم فى تونس لخدمة رأس المال الفرنسي ، ومصالح الطبقة الحاكمة الفرنسية ، ولذلك حرصت على قتل السلطة الوطنية والقضاء على الشخصية القومية مستعينة بسلوك سبيل الادارة المباشرة وعززت ذلك باسناد السلطة الى قوات الاحتلال العسكرية والجندرمة تتصرف فيها وحدها دون تدخل من السلطات التونسية ، وزادت على ذلك فأعطت الفرصة للفرنسيين ليسيطروا على المصالح الاقتصادية ، وهم الذين كانت تتنافى مصالحهم الاقتصادية مع مصالح التونسيين
وكنتيجة لهذا ساد البلاد فقر اقتصادى وحالة من البؤس المادى والفكرى والادبي فأصبحت أجور التونسيين تافهة فى الوقت الذى ارتفعت فيه الاسعار كثيرا وفي الوقت الذى غلب فيه العمال والفنيون الفرنسيون على الاعمال وتقاضوا الاجور المرتفعة وحينما كان العمال يثورون للمطالبة ببعض حقوقهم كان المستعمر الفرنسي يقاوم هذا بالقتل والتعذيب والسجن والنفي ، بل انه لم يفكر لحظة فى ايجاد نظام الضمان الاجتماعى لهؤلاء البؤساء فتشردوا ، وعمت نونس حالة من الفوضى والبطالة ، وتعرضت الطفولة للكوارث والسقوط الاخلاقي ، وتبع كل ذلك ، العمل على قتل معنويات الشعب التونسى وذلك بمقاومة حركة التعليم وبرامجه الوطنية وقتل اللغة العربية واحلال الفرنسية محلها - بل ان الفرنسيين كذلك حاولوا ان يجروا المرأة التونسية الى حالة من الثورة لم تكن لتناسبها فى ذلك الوقت ، وهم قد أرادوا أن يخلقوا انشقاقا وتصدما
في المجتمع التونسي مستعينين بصنائعهم فى تونس للقضاء على الشخصية التونسية . ( 1 )
وعلى هذا الاساس كانت الحركة العمالية حركة ثورية انقلابية تسعى الى ان يسود تونس ومجتمعها مبادئ سامية وقيم عالية ، والى تسخير الهيكل السياسي لخدمة المجتمع بأسره لا لخدمة مصالح طبقة معينة . ) 2 (
وكان من الطبيعى ان تصطدم الحركة العمالية فى تونس بأصحاب رأس المال المستغل والاستعمار الفرنسي الذي فرض حمايته على تونس بالقوة ، وفرض عليها استعمارا سياسيا واقتصاديا واجتماعيا
وأصبح لزاما على الطبقة العمالية فى تونس ان تقاوم بجانب رأس المال وتحكمه النظام السياسي المفروض على البلاد وذلك لكى تحقق تحررها الوطني ولتنال حريتها الاقتصادية لتستطيع بعد ذلك أن تدير شؤونها بنفسها بعيدا عن كل تأثير مفروض من جانب القوى الرأسمالية الاجنبية ، وبعيدا عن التنظيم النقابي الفرنسي . ( Comite General de Travail : C . G . T ذى الميول الشيوعية والذى كان يعمل لفائدة الشيوعيين فقط ، وبجانب الحركة العمالية الدولية الحرة التى تعمل لفائدة جميع العمال على أساس من العدل والحرية والمساواة وبغض النظر عن الجنس والدين . ) 3 (
فرحات حشاد
وكان الزعيم النقابى العظيم فرحات حشاد رجلا آمن برسالته ومنهجه فى العمل ، وآمن برسالة محمد على الحامي الذي حمل لواء الحركة العمالية فى العشرينيات من القرن الحالى ، ولذا فقد جاهد لاكمال عمله وعمل بلقاسم القناوى من بعده ، وهو بقدر ما آمن بتنظيم العمل النقابى وتأسيس اتحاد النقابات العمالية بقدر ما آمن بالدعوة الى منح العمال حقوقهم ، وبقدر ما آمن بالعمل السياسي الوطني ، وكان على العكس من بلقاسم القناوى وحسن النورى ، فبلقاسم القناوى تبرأ من العمل السياسى ومن الانتساب الى جانب حزب الدستور ، وعلى العكس من حزب الدستور القديم الذى تبرأ من محمد على القابسى - مخدوعا بحيلة المقيم العام لوسيان سان - وعمله النقابى فأتاح للفرنسيين الاطاحة به وبعمله النقابى . ) 4 (
وكان الحزب الدستورى فى الوقت نفسه بزعامة بورقيبة غير غافل عن اهمية الميدان الاقتصادى اذ انكب عليه بالدرس والتحليل والتمحيص فأدرك انه لن يستطيع أن يغير من مجريات الامور الا اذا استرجع اولا اداة الحكم ومقاليد السلطة ليسخرها لخدمة الشعب التونسى ، وأدرك رجال الحركة العمالية وعلى رأسهم حشاد وجاهة هذا الرأى فتعاونوا مع الحزب وأخذوا مكانهم بجواره لصالح الحرية والعدالة والاستقلال تحت لوائه
وكانت تلك الملحمة الرائعة التى عاشها الشعب التونسى فى معارك المتوالية مع الاستعمار . ) ٥ (
اذن كان فرحات حشاد يؤمن بالعمل النقابي على أساس اجتماعي واقتصادى وسياسى مقتنعا واثقا أن حرية العمال وتحقيق العدالة بينهم وبين غيرهم انما هو جزء من حرية الوطن وتحقيق أمانية ، فاصبح عمله بذلك جزءا من العمل السياسى لحزب الدستور الجديد ، ووقف الاثنان متساندين ووقف بورقيبة
يساند العمال ويساند فرحات حشاد ويشيد بعمله وبجهاده ويعتبر هذا الجهاد مكملا للصراع الوطني ضد العدو المستعمر ، وسندا قويا لحزب الدستور فى جهاده ، وبهذا امتاز فرحات حشاد عن سابقيه ، فهو رجل نشأ فى الحياة النقابية فى الاتحاد الفرنسي .C.G.T بجانب بوزانكى ، ولم ينضم للاتحاد النقابي برئاسة القناوى سنة 1937 وظل لا يعرف فى الاوساط الدستورية حتى سنة 1944 فرأى وشاهد وعرف أن الاتحاد النقابى الفرنسى انما هو فرع من الحزب الشيوعي الفرنسي ، فادرك خطورة الاستعمار على حرية بلده ، فقرر الانضمام الى العمال التونسيين وتكوين الاتحاد العام التونسى للشغل ) 6 (
أما فلسفة فرحات حشاد النقابية :
فقد كان له فى نضاله النقابي مذهب ونظرة انسانية ، ومذهب ونظرة اشتراكية ، كما كان له أيضا مذهب ونظرة سياسية ، ومن ثم كان نضاله العمالى مرتبطا بالحركة الوطنية التونسية ارتباطا حقيقيا وعميقا جعله فى نظر المستعمرين خطرا على الوجود الفرنسي الاستعمارى وعلى الامتيازات الفرنسية والتعصب الجنسى لهم ، ومن ثم قاوموه حتى قضوا عليه وان لم يقضوا على حركته العمالية .
1 ( من الوجهة الانسانية كان مذهبه يقوم على خمسة مبادئ كانت قاسما مشتركا لسلوكه ونظريته فى جميع الميادين فى الاخلاق وفى الاجتماع وفي السياسة
أ - فقد كان يرى ويؤمن أن الانسان جوهره أساسا الخير ، ولذا فقد كان متفائلا حسن الظن بالناس
ب - وكان يرى ان حرية الانسان وعقلانيته أساس السعادة البشرية وسببها ، ولذلك مجد الحرية والديمقراطية والعقل
ج - وكان يؤمن بالانسان وقداسته فآمن بالتضامن والتعاون البشرى ورأى أن التقدم الاقتصادى والاجتماعى رهين بالتحرر السياسى فطبع كفاحه النقابى بطابع سياسي قومي .
د - ورأى ان القوة فى الاتحاد فتمسك بشدة بالوحدة القومية وحرص على وحدة الشعب التونسى
وكانت هذه المبادىء قوام أعماله وسلوكه
2 ( أما من الناحية الاشتراكية ، فقد كان يرى أن العمل أساس الخير فدعا الى العمل والمثابر ومقاومة الخمول والكسل ، وأمن بالمبادئ الاشتراكية فعمل على تجسيدها فى سلوكه ونشرها حوله . وكان يرى أنها تهدف الى القضاء على التخلف ومظاهر البؤس ، واعتمد فى الوصول الى ذلك على التعاضد والتعاون وخصب العقل التونسي وحماس الشعب ووعيه . ولم تكن رسالته للشعب التونسى وحده بل تعدت حدود بلاده فعمل على اقرار العمل النقابى فى شمال افريقيا على أساس العدل والحرية
وآمن فرحات حشاد بأن ) الاستقلال السياسى بغير الرقي الاجتماعى وبغير سيادة العدالة الاجتماعية وتغيير القواعد الاقتصادية والاجتماعية للنظام القائم ليس الا اغراء خادعا خطيرا ) . ) 7 (
أما الطريقة التى رآها لتحقيق هذه النظرية الاشتراكية فقد تمثلت فى مناداته باعداد مخطط للتنمية ، وتصنيع البلاد ، وتوفير الانتاج وزيادته
على أن تكون هذه الاشتراكية تونسية لحما ودما ، فطلب من التونسي ان يعتمد على نفسه لتحقيق هذه الاهداف ، ووجد فى تقاليده القديمة الاسلامية أساسا لها ، وهو مع ذلك لم يكن رافضا لرأس المال وانما حاول أن يوفق بينه وبين العمل ، ويرى ان لا غنى لاحدهما عن الآخر
. وهو فى هذه الناحية يتفق مع بورفيبة فكلاهما يؤمن بمبدأ الاعتماد على النفس وعلى القول بأن العقول التونسية كافية للاعتماد عليها . ويجب الاعتماد على المذاهب الاجنبية التى لا تنطبق على واقع البلاد ، وكلاهما يرى المحافظة على الوحدة القومية وعلى عدم الاستغناء عن أى طبقة بما فيها طبقة أصحاب رأس المال ، وكلاهما يعمل لتوجيه رأس المال وجهة اشتراكية . ) 8 (
3 ) ومن الناحية السياسية ، آمن فرحات حشاد بتكامل النضال النقابى والسياسي ، حيث أن سعادة الطبقة العاملة تقترن بسعادة الوطن بأكمله ، ورأى أن الكفاح النقابي انما هو أداة لتحرير الشعب وتخليصه من الاستعمار والاستغلال وطالب بوحدة شعوب المغرب العربى ووحدة الحركة العمالية فيها لان هدف الكفاح فيها واحد ، كما دعا الى وحدة أوسع وأشمل للحركة العمالية
فى البلاد العربية ، ثم دعا الى وحدة عمال العالم قاطبة ، فقد كان انسانا فلسفى النزعة يحب اخاه الانسان أينما وجده ، ويقول : إن التونسيين جزء من الانسانية لهم ما لها وعليهم ما عليها ، ويجب أن يدرك التونسيون أن المشاركة فى الحضارة الانسانية واجب بشرط أن تكون حضارة عادلة وحرة وسامية . ) 9
ولايمان فرحات حشاد بارتباط العمل النقابى بالعمل السياسي ، وبأن حركة العمال جزء من النضال الوطني في سبيل الحرية ، فانه حينما اعتقل الحبيب بورفيبة فى 18 ينير سنة 1952 تحمل بعده المسؤولية كاملة بشجاعة وتبصر وكان دائما يتصل به فى منفاه ويطلعه على سير القضية بل ويشجعه ويطمئنه وكان يرسل اليه دوما بأخبار النضال الوطني وتطوره . ) 10 (
وكان فرحات حشاد قد بدأ نشاطه النقابي سنة 1937 ولكن في نطاق نقابة العمال الفرنسية C. G. T. وفي هذه الفترة تفتحت مداركه وخصب عقله وطالع لكبار الفلاسفة وفي مقدمتهم الفيلسوف الالمانى كانت Kant ثم بدا يعمل فى الجنوب لمساعدة زملائه واستطاع بمعاونتهم واخلاصهم لفكرته ان يؤسس اتحاد النقابات المستقلة فى الجنوب سنة 1944 الذى ضم عمال صفاقس وما حولها ، ثم قدم بعدها الى تونس وكون بها سنة 1945 اتحاد النقابات المستقلة بالشمال ، وكان بها ) الجامعة العامة للموظفين ( فاستطاع أن يقابل المشرفين عليها وقابل مسؤولى النقابات المستقلة وأقنعهم بضرورة توحيد الصفوف ، ثم استقر رأي الجميع على عقد مؤتمر عام بين اتحاد نقابات الجنوب واتحاد نقابات الشمال ونقابة الموظفين بقاعة الخلدونية فى 20 يناير سنة 1946: وفى هذا المؤتمر التأسيسى تم الاندماج وتحققت الوحدة وبرز ) الاتحاد العام التونسى للشغل ( وانتخب فرحات حشاد كاتبا عاما له ( 11
ولكي يحقق فرحات حشاد أهداف العمال ومطالبهم ، ولكى يحقق فلسفته ونظريته العمالية النقابية فانه وضع نصب عينيه دستورا ومنهجا نقابيا سعى لتحقيقه قامت على الاسس التالية :
1 ( ايجاد منظمة نقابية قومية مستقلة عن كل منظمة غير تونسية .
2 ( تحقيق انضواء نقابة العمال التونسيين فى الجامعة النقابية العالمية ) 12 (
3 ( ان يقوم الاتحاد العمالى التونسى
أ - بايجاد نظام وأسلوب لتكامل رأس المال والعمال بحيث يحال دون تضخم رأس المال على حساب العمال وبحيث ينال العامل من الاجر ما يكفيه ويكفل له حياة كريمة تسمح له بالاستفادة من خيرات الرقي عن طريق ازدهار المشاريع والاعمال بأقصى فائدة للجميع
ب - وبايجاد نظام نقابى سليم .
ج - دراسة الحالة العامة للعمال من حيث ظروف حياتهم وعملهم وأجورهم والبحث عن المتعطلين منهم وعلاقتهم بأصحاب العمل
د - تربية الطبقة الكادحة وحملها على ادراك مدى صلة الحقوق بالواجبات ، ومعنى بذل الجهد ، والاعتماد على قيادة الحركة النقابية وذلك فى نطاق المصلحة العليا العامة للبلاد .
ه تنمية روح التساند والتعاون فى صفوف العمال ، وانشاء الصناديق للتضامن والتفكير فى نظام اجتماعى لرفع مستوى العمال يكون مستمدا من النظام الاجتماعى الاسلامي . ) 13 (
وأخذ فرحات حشاد ينظم الجهد والعمل ، وبدأ الصراع بينه وبين الاتحاد النقابي الفرنسي والمنظمات النقابية الاخرى ، فصمد للكفاح حتى نمت الحركة النقابية التونسية بشكل أتاح لها أن تلعب دورا بارزا فى القضية الوطنية وفى القضية العمالية . ووقفت تساند الحركة الوطنية بصلابة وتحشد كل الجهود لمواجهة كافة المشاكل التى تعوق تونس عن التقدم لاستعادة حريتها ) 14 فأدرك الاستعماريون خطره واغتالته عصابة ) اليد الحمراء ( الفرنسية فى تونس فى الخامس من ديسمبر سنة 1952)15 ( ولكن بعد أن أرسي قواعد العمل النقابى السليم .
) جامعة طنطا (

