ليس في الارض من طريق يؤدى سالكيه أو بعضهم للسعادة
فلها اسم بين الانام شهيد ومسماه مستحيل الشهادة
ما رأينا الا شقاء عتيدا لبنى الارض كلهم أو عتادة
وعلى العلم بالشقاء ترانا تتمنى من البنين الزيادة
لا تظنوا أيها القراء الاعزاء ، ان هذه الابيات من شعر أبى العلاء المعرى ، وان حملت الينا روح المعرى وفلسفته ، بل هي في الحقيقة جزء من قصيدة طويلة نظمها الشاعر الكويتى صقر سالم الشبيب ، وان لمستم في هذه الابيات روح المعرى ترفرف بين سطورها ، فهو أن شاعر الكويت تربطه بشاعر العمرة الحكيم عدة أواصر . فقد كان المعرى محروما من نعمة البصر ، وصقر كذلك - محروم من نعمة البصر ، وكان المعرى متشائما من الحياة ، متذمرا من تكاليفها ، وصقر متشائم - أيضا - من الحياة وتكاليفها . وكان المعرى يدعو بشدة لايقاف النسل لما قد يصيب هذا النسل من متاعب والام فى هذه الحياة . ولكن صقرا اخف منه لهجة فى محاربته ، وذلك لان صقرا تزوج ولم ينجب . أما المعرى فقد اضرب عن الزواج وحارب النسل . ولكن شاعر الكويت يلتقى مع حكيم المعرة وشاعرها فى تخويف الناس من النسل . فصقر يرى أن الحياة كلها شقاء لبنى الارض وبرغم علمهم بالشقاء واكتوائهم بعذابه فهم يطلبون المزيد من البنين
وهنا تعترض الشاعر المفكر معضلة كبيرة ، وهي ان الوالد يحب أولاده ويتمنى لهم كل خير ، فكيف إذن يخرجهم الى الحياة ، وهو يعلم علم اليقين بان هذه الحياة دار شقاء ليس فيها سعادة ولا هناء فالوالد اذن مبغض
لاولاده عندما يقذفهم فى عالم الشقاء ، وهذا تناقض واضح ليس بعده تناقض انه تناقض بين الحب والبغض ، ثم يتعمق شاعرنا صقر سالم الشبيب في فلسفته فيقول - ان كان هذا الوالد يحب أولاده حقا وصدقا ، فلماذا - اذن يخرجهم الى الحياة القاسية وهو نفسه متذمر من هذه الحياة ويود الخروج منها بكل ما لديه من طاقة وعزيمة
أمحب أولاده الوالد المسكين أم كان مبغضا أولاده
ان يكن والد البنين محبا فلماذا قدفك باب الولاده
وهو باب مذمر منه الى الدنيا تمنى فى وجهه إيصاده
ثم يستمر صقر فى تساؤله فيقول : - أيود هذا الوالد المحب لاولاده ان يرى أبناءه الاعزاء يتقلبون في الشقاء ويشكون من متاعب الحياة وان كان هذا الوالد يبغض أولاده قبل أن يأتوا الى الحياة فاسألوه عن سبب هذا البغض وهم لم يسيئوا اليه ولم يؤذوه ، بل انه لم يرهم ولم يروه . والانسان انما يبغض الذين يبغضونه وينال منهم الاذى والعذاب ، اما الذين مازالوا فى عالم الغيب فكيف ولم يبغضهم ؟
أفيرضى المحب أن ينظر المحبوب يشكو من الشقاء اشتداده .
أوكن حاقدا يريد انتقاما فسلوه ماذا نما احقاده ؟
انما يحقد الحقود على من قد رآهم بين الورى أضداده
وبنوه فى عالم الغيب لم يأتوا بأمر يسوء منه فؤاده
اننى إذ اكتب اليوم عن الشاعر صقر سالم الشبيب ، وهو ما يزال فى عالم الحياة قائما اريد ان اكرم شاعرنا وهو حى يرزق لانه ليس فى ملتى ولا اعتقادى أن يكون التكريم للاموات من الأدباء والشعراء والفنانين فحسب ، بل يجب أن ينال هؤلاء المواطنون المخلصون نصيبهم من الاكرام وهم بين ظهرانينا . واذكر ان صديقا اديبا قال لي عندما علم باننى ساكتب عن شاعرنا صقر ، ) إن هذا الشاعر ما يزال فى عالم الاحياء ( فكأن الاديب الحى يجب ان نتناساه ويناله من عقوقنا الاذى والعذاب ، وكأن الاديب الحى يجب أن يهمل ويبقى منبوذا حتى تطوى صفحته من هذه الحياة ويصبح تحت طيات التراب وعند ذلك فقط يستحق منا التقدير والاعجاب وغاليات الدموع إن الاديب فى نظرى يجب أن يكرم فى هذه الحياة اكراما ماديا
وأدبيا على ما أسدى لبلاده من خدمات جليلة في ميادين الادب . لكى يشعر بالتقدير الحق فيواصل الجهود وينتج المزيد من أعماله الادبية . اما إذا احس بالاهمال والعقوق ولم يجد أى صدى لمجهوداته الادبية فانه يعتزل روض الادب ويبتعد عن المجتمع فيخبره الادب ويخيره المجتمع ، وكم يدركنا الاسف الآن أن نرى هذا الشاعر قد اعتزل المجتمع وقبع في ركن من أركان بيته منذ أكثر من عشرين سنة وأخذ يردد
ولما لم آجد في الناس حرا يعين على ملمات الدهور
نبذت الناس ظهريا ورائى وناديت المنون الا فزورى
فمثلى ماله فى العيش خير وهل فى العيش خير للفقير
أخاف اذا بقيت تذل نفسى على طمع لذى مال كثير
فتمنحها مدائحها اللواتى تعز على الفرزدق أو جرير
ولكنى كما سميت صقر وهل ابصرت ذلا فى الصقور
لا شك أن الاديب أو الشاعر يحتاج الى الابتعاد عن المجتمعات فى كثير من الاوقات لكى يتفرغ للخلق والانتاج ، ويكون بمناى عن المجاملات والهذر التاقه الذى يدور في المجالس الخاصة والعامة . ولكن العزلة التامة لا تساعد على الخلق والانتاج بل هي على العكس : انها تخمد الجذوة المتقدة من المواهب فى الاديب او الشاعر وتمنعه من التطور ومسايرة الزمن وقد اعتزل شاعرنا المفكر الناس اعتزالا كاملا حيث اخفق أبو العلا المعرى لان آبا العلا لم يستطع اعتزال الناس اعتزالا كاملا فقد ألح عليه طلاب علمه وعشاق أدبه في الدخول عليه للاستفادة منه فلم يستطع ازاء هذا الالحاح الا الموافقة على ما طلبوه . فاقتحموا عليه عزلته وأخذوا يستفيدون من دروسه في الادب واللغة والفلسفة . أما شاعر الكويت صقر سالم الشبيب فيرد على طلاب علمه وعشاق أدبه فيقول
قالوا اعتزلت الناس قلت لانهم جروا على المحزنات صنوفا
لولا مخالطتي البرية لم يكن قلبى لذؤبان الهموم خروفا
وفى رأي ان شاعر الكويت لو فتح بابه لطلاب العلم كما فعل فيلسوف المعرة ، لما وجد أحدا من هؤلاء يجر عليه صنفا واحدا من المحزنات بل لوجد من هؤلاء الطلاب من يعينه على ملمات الدهور وعلاج الهموم ولكن إن يكن صقر قد اعتزل الناس وأوصد بابه في وجوه عشاق ادبه
وطلاب علمه فقد أدى واجبه خير أداء في أيام شبابه اذ كانت له فى خدمة المجتمع أياد بيضاء ، وكان يحمل لواء الاصلاح مع الرعيل المصلح الاول وقاد الحركة الفكرية فى الكويت الى آن رأى أبناء الوطن يجنون ثمراتها الشهية . وقد سجل الشيخ عبد العزيز الرشيد فى تاريخ الكويت سيرة شاعرنا صقر بمداد من المفاخر والمكرمات ، ووفاه حقه بما هو أهله وقال عنه الشيخ يوسف بن عيسى ،
أيا صقر الحجا وأديب قومى وشاعرهم باقرار العموم
وشاعرنا ، صقر سالم الشبيب ، علائى فقد البصر فى سنيه الاولى ، لذلك فهو يحتاج الى مزيد من الرعاية والعناية من مواطنيه الاعزاء . ولم يتوان اخوانه المخلصون وعشاق فلسفته وآدبه عن القيام بواجبهم تجاهه ومن هؤلاء ، الربان الكويتى الاديب عيسى عبد الوهاب القطامى . فقد كان القطامي لصقر كالوالد الشفوق يحبه ويتفقد أحواله ويعينه على متاعب الحياة وقسوة الايام . وصقر يحفظ الفضل لاهله ولا ينسى جميل أصدقائه ومعروفهم . وفي هذه الابيات دليل صادق على حفظ الجميل ورعاية العهد ، وقد نظمها شاعرنا عندما سافر المرحوم عيسى القطامى الى بغداد لطبع كتابه دليل المحتار فى علم البحار قال :
يقولون لي فى وجهك الحزن قد بدا وفيه لنا لاح التضجر يا صقر
فقلت لهم عيسى القطامى عازم على سفر فالقلب منى به جمر
وهل لي سوى عيسى اذا الضر مسنى بلقياه عنى ينجلى الهم والضر
وهل بعد عيسى الحر لي من مؤنس واندر شىء فى الانام هو الحر
ومن ذا سواه ان شكوت أعانني وان أهف وافانى ولي عنده عذر
فكم من جميل جاءني منه كامل يحف به من طيب شيمته الشكر
كأنى الذى أسدى الصنيع وهكذا من الناس من تزكو خلائقه الزهر
وكم لقطت أذناى لالاء لفظه فأهدته نحو الصدر فانشرح الصدر
ولؤلؤ لفظ الحر أوفر بهجة وأثمن من در به يسمح البحر

