من حق السياسة ان تكون كظاهرة اجتماعية لمزاولة الحكم ، وكظاهرة للتعامل بين دولة وأخرى . . فهى ضرورة لوجود الحكم والحاكمين ، وضرورة فى علاقات الدول مع بعضها . وحيث ما كانت سياسة من نوع ما ذكرنا كان سياسيون يزاولونها من غير ان يوجه لهم لوم ، لانهم يعملون لمصلحة الدولة وفى اطارها فى الداخل او فى اطار سياستها الخارجية . ولذلك كله ظروفه وشروطه تكونت على تعاقب الدهور منذ ان اخذ الانسان يعيش فى كتل متحضرة ، أى حسب آداب واخلاق وتقاليد وعوائد جعلته يختلف بعض الاختلاف عما كان عليه اباؤه فى الغابات والأدغال .
لكن الظاهرة التى أريد ان ادرس بعض جوانبها هى غير تلك ، وهذه الظاهرة تكاد تكون من الطفيليات التى تعلو الأولى كما تعلو الطفيليات الهيكل أو التمثال الحجرى مع مرور الزمان وتلتصق به حتى تكاد تصبح منه ، وهى ليس منه فى شئ ، وانما هى طارئة عليه وعارضة له .
السياسة التى أعنى هى تلك التى تتسم فى بعض " المجتمعات " وخصوصا فى مجتمعات العالم الثالث - بظهور ساسة محترفين . وهؤلاء يظهرون فى مجتمعاتنا وكانهم يحترفون السياسة ويتخذونها حرفة من الحرف ويمتهنونها مهنة من المهن ، كما ان فى المجتمع الطبيب والنجار والحداد والساعاتى والجزار والفحام ومن اليهم ممن يتكون منهم كل مجتمع متكامل حيث تقوم المرافق ويتم سد الحاجات .
ويغلب على الظن ان السياسى المحترف هو شخص لا حرفة له او اذا كانت له حرفة ما فهو يرى ان السياسة اجدى له من حرفته الأصلية ، فيمتهنها لانها قد تأتي بالمال وبالجاه وبالسيطرة والتحكم ، وكل ذلك لا تأتى به حرفته أو تأتى ببعضه . فهو يتطفل على السياسة من غير ان يكون مهيئا لها أو من غير ان يكون له من دوافع الخير والصدق ما يجعله نافعا لمجتمعه وان كان قادرا على اجتلاب النفع لنفسه دون نفع لأهله .
وليس السياسى المحترف فى حاجة الى ذكاء كبير ، لانه لا يحاول ان يفهم
المشاكل فضلا عن ان يحلها ، الأمر الذى يتطلب شيئا من الذكاء خصوصا اذا كانت المشاكل عويصة . بل يكفى للمهمة الشخصية التى يسعى لتحقيقها ان تكون له " شطارة " تغنيه عن العقل والذكاء وكثير من الفهم ، ونعنى بـ " الشطارة " ذلك النوع من الدهاء الذى يصطحب بالخبث ولا يسعى فى الخير . فالسياسى المحترف " شاطر " شاطن (1) .
ويتسم أكثر ما يتسم السياسى المحترف بالجرأة . . تلك الجرأة التى يعيشها المغاربة حين يقولون : " الصلابة " واذا ارادوا أن يعبروا عنها بعبارة أعمق وأبلغ قالوا عنها : " جبهة " ، وهى تعابير تعنى الجرأة والوقاحة وقلة الحياء وخصوصا فى الدفاع عن الباطل . كما يتسم السياسى المحترف بالدفاع عن مبادىء قد لا يعتقد صحتها أو صوابها ، وانما تحفزه مصالح آنية للدفاع عنها ، مصالح قد لا يكون له فيها ناقة أو جمل ، وانما توصله الى تحقيق مصالحه هو ، وقد ترتبط بالمال أو بتحقيق اغراض وحاجات معينة .
ويلاحظ ان الساسة المحترفين يتكاثرون فى العالم الثالث بعد الانقلابات ، كما تتكاثر الفطر (2) بعد تهاطل الامطار ، وكثيرا ما يكون السياسى المحترف ضابطا فى الأصل ، والضابط اذا لم يكن محاربا أو بانيا لا بد من ان يحترف السياسة لانها أجدى له وأفيد فى غيابه عن حمل السلاح أو تكوين اجيال حماة الأوطان .
ويلاحظ كذلك ، كما يستخلص من الكتاب الذى نشره الاستاذ " لييون هامون " عام 1966 ان دور الضباط فى تسيير الشؤون فى العالم الثالث لا يكون دائما بناء .
وغريب ما فى الأمر ان السياسي المحترف قد يقاوم بعمله مذهبا سياسيا معينا أو يناوىء وضعا ما ويزعم انه يهدف الى الاطاحة به - غير ان ذلك لا يصده عن أن يعيش فى مستوى اولئك الذين يحاربهم ويحارب اراءهم ومذاهبهم ، بحيث لا يمكن ان ترى بينه وبينهم فرقا أساسيا لا فى مستوى الحياة ولا فى السلوك : ألا ترى دعاة الاشتراكية وبعضا من دعاة الشيوعية من هؤلاء المحترفين للسياسة وهم فى بحبوحة من العيش لا يتنقلون الا فى المراكب
الفارهة يقودها السواقون الذين يفتحون الابواب ويطأطئون لهم الرؤوس فى الركوب والنزول ؟ أما مستوى المعيشة الذى يعيشون فيه فلا يمكن ان يقارن بمستوى اولئك الذين يعتبرونهم محرومين من ضروريات العيش والذين يتذرعون بحرمانهم المزعوم ويتخذونه وسيلة لقلب الأوضاع التى يستغلونها احسن استغلال فى الوقت الذى يشنون عليها الحملات الشعواء .
والسياسي المحترف هو الذى تتكون منه تلك الطبقة التى لا شخصية لها وهو من النوع الذى جعل شعاره : " الوصول " بأى وسيلة بقطع النظر عن ايمانه بالمبادئ أو عدمه ، عن صحة تلك المبادىء أو بطلانها أو عدمها ، وعن امكانية تطبيقها فى مجتمعنا . المهم عنده ، هو التغرير بمن يستمعون ل للوصول على اكتافهم لمقعد للحكم أو لرياسة فى هيأة الخ . . أو على الاقل للتمول على حساب الغير بغير تعب أو نصب وانما بواسطة اللف والدوران فى الخطب والتصريحات والاحاديث فى النوادى والمآدب .
وبعد ما يجعل السياسي المحترف ذلاقة اللسان وطلاقته والثرثرة والقبقبة رأس المال الاول ذريعة للوصول لاهدافه ، يضيف الى ذلك شيئا هو ولا شك من وسائل النجاح فى مجتمعاتنا ، وذلك هو جمال الهندام واصلاح المظاهر على أوسع نطاق ممكن ولو كان ما يغطى الجسد : جسد السياسى المحترف ، اقتنى بدين بل ربما بدين وربا ! لان ضرورة اخراج الرواية تقتضى ذلك على ان يدفع الثمن بعد ما يتم تمثيل المسرحية وينقد ريعها فى جيبه ، مالا ظاهره حلال وباطنه سحت وحرام . .
ولقد عرفنا فى عهد ما قبل الاستقلال الرجل المتعاون مع الحماية أو الانتداب وتكون لذلك جيل أو اجيال ذهبت مع اعمالها بما فيها من خير أو شر ولربما كان وجودها ضروريا فى تلك الظروف وينبغى ان لا تحمل عليها الأجيال الطالعة حملة لا تتسم دائما بالعدل . ولقد كان من بينهم رجال كانوا على بصيرة من أمرهم في شؤون الحكم ، غير ان الظروف قذفت بهم فى مجالات ربما لم يكن لهم فى صنعها ضلع أو ورثوها عمن كان قبلهم ، ولم يكن فى امكانهم تغييرها . ومنهم شخصيات تستحق العناية بالدرس والتحليل . فالسياسى المحترف في مجتمعاتنا رجل استغل السياسة واستغل تعطش بعض الناس
ممن هم على حق وصواب أو ممن هم على باطل فى ذلك لتغيير اوضاعهم التى لا يرتضونها لسبب من الاسباب أو لعدة اسباب وهى ظاهرة خلفت فيما نعتقد ظاهرة سبقتها فى العهود التى قبل عهدنا الذى نحن فيه - وهى استغلال بعض من نصبوا انفسهم رجالا للدين - والاسلام له علماء لا رجال دين ، اذ لا رهبانية فى الاسلام - واستغلوا جهل العامة بحقيقة الدين وتعطش الافراد لاصلاح ذات بينهم مع ربهم معتدين ضرورة الوساطة للوصول لمعرفة الله أو للوصول لله .
نعم ، ان قضايا التخلف والتنمية تشغل اصحاب الاقلام فى العالم الثالث ، فلذلك قلما تجد من يشغل باله بدراسة نفسية الاشخاص والافراد الذين يعيشون على هامش مشاكله من غير ان يسهموا فى حلها من قريب أو بعيد وانما يعيشون عليها كما تعيش الطفيليات .
ولعل " السياسي المحترف " فى حاجة الى من يدرسه ويسبر اغواره ويحلل نفسيته فى مسرحية انا على يقين انها سيكتب لها النجاح خصوصا اذا كتبت بقلم يتسم بالدعابة والسخرية .

